الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ولاية كيدر على مصر
هو كيدر واسمه نصر بن عبد الله وكيدر شهرة غلبت عليه، الأمير أبو مالك الصّغدىّ؛ ولى إمرة مصر بعد عزل عيسى بن منصور فى صفر سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون على الصلاة فسكن المعسكر على عادة الأمراء بعد رحيل المأمون، وجعل على شرطته ابن «1» إسبنديار. ثم بعث المأمون برجل من العجم يسمى بابن بسطام على الشّرطة فولى مدّة ثم عزله كيدر لسوء سيرته لرشوة ارتشاها وضربه بالسوط فى صحن الجامع، ثم ولّى ابنه المظفّر عوضه. ودام كيدر على إمرة مصر الى أن ورد عليه كتاب المأمون فى جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة ومائتين بأخذ «2» الناس بالمحنة- أعنى بالقول بخلق القرآن- وكان القاضى بمصر يومئذ هارون بن عبد الله الزهرىّ، فأجاب القاضى والشهود، ومن توقّف منهم عن القول بخلق القرآن سقطت شهادته. وأخذ كيدر يمتحن القضاة وأهل الحديث وغيرهم، وكان كتاب المأمون الى كيدر يتضمّن ذلك:«وقد عرف أمير المؤمنين أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو «3» الرعية وسفلة العامّة ممن لا نظر له ولا رويّة ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يقدروا الله حقّ قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه؛ وذلك أنهم ساووا بين الله «4» وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه؛ وقد قال تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
، وكلّ ما جعله فقد خلقه؛ كما قال تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
؛ وقال تعالى: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ
ما قَدْ سَبَقَ
؛ فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها. وقال عز وجل: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
. والله تعالى محكم كتابه ثم مفصّله، فهو خالقه ومبتدعه.
ثم انتسبوا الى السنة وأنهم أهل الحقّ والجماعة وأنّ من سواهم أهل الكفر والباطل؛ فاستطالوا بذلك وغرّوا به الجهّال، حتى مال قوم من أهل السمت «1» الكاذب والتخشّع لغير الله الى موافقتهم، فنزعوا الحقّ الى باطلهم واتخذوا دين «2» الله وليجة «3» إلى ضلالهم. الى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أنّ أولئك شرّ الأمة المنقوصون من التوحيد حظّا، أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق فى أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله؛ وأحقّ أن يتّهم فى صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به.
ومن عمى «4» عن رشده وحظه عن الإيمان بالتوحيد، كان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا. ولعمر أمير المؤمنين، إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرّص الباطل ولم يعرف الله حقّ معرفته. فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا هذا، وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون فى خلق الله [القرآن «5» ] وإحداثه، وأعلمهم أنى غير مستعين فى عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه. فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا [عليه «6» ] فمرهم بنظر «7» من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم عن القرآن، وترك شهادة من لم يقرّ أنه مخلوق؛ واكتب الينا بما يأتيك عن قضاة أهل أعمالك فى مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك. ثم كتب المأمون بمثل ذلك الى سائر عمّاله والى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعىّ ابن عمّ طاهر بن الحسين أن يرسل اليه سبعة نفر، وهم:
محمد بن سعد كاتب الواقدىّ، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملى يزيد
ابن هارون، واسماعيل بن داود، واسماعيل بن أبى مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدّورقىّ؛ فأشحصوا اليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردّهم من الرّقة الى بغداد؛ وكانوا توقّفوا أوّلا ثم أجابوه خوفا من العقوبة. ثم كتب المأمون أيضا الى إسحاق بن ابراهيم المذكور بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم «1» بما أجاب به هؤلاء السبعة؛ ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع آخرون. ثم كتب اليه كتابا آخر من جنس الأوّل وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة: منهم أحمد بن حنبل رضى الله عنه، وبشر بن الوليد الكندىّ، وأبو حسّان الزّيادىّ، وعلىّ بن أبى مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريرىّ، وعلىّ بن الجعد، وسجّادة- واسمه الحسن بن حمّاد- والذّيّال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد «2» ، وكان حينئذ ببغداد، وسعدويه الواسطىّ، وإسحاق بن أبى إسرائيل وابن الهرش، وابن عليّة الأكبر، ومحمد بن نوح العجلىّ، ويحيى بن عبد الرحمن العمرىّ، وأبو نصر التمّار، وأبو معمر القطيعىّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم؛ وعرض عليهم كتاب المأمون فعرّضوا وورّوا ولم يجيبوا ولم ينكروا؛ فقال لبشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عرّفت أمير المؤمنين غير مرّة؛ قال: فالآن قد تجدّد من أمير المؤمنين كتاب؛ قال: أقول: كلام الله؛ قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير هذا الذي قلت لك، إنى قد استعهدت أمير المؤمنين أنى لا أتكلّم فيه. ثم قال لعلىّ بن أبى مقاتل: ما تقول؟ قال: القرآن كلام الله، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشىء سمعنا وأطعنا. ثم أجاب أبو حسّان الزيادىّ بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل رضى الله عنه: ما تقول؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد على ذلك.
قلت: والامام أحمد بن حنبل رضى الله عنه هو أعظم من قام فى إظهار السنّة وثبّته الله على ذلك، ولولاه لفسدت عقائد جماعة كثيرة، وقد تداولته الخلفاء بالعقوبة على القول بخلق القرآن وهو يمتنع من ذلك أشدّ امتناع، ويأتى بالأدلّة القاطعة، الى أن خلّصه الله منهم وهو على كلمة الحق. ثم قال لابن البكّاء الأكبر:
ما تقول؟ قال: أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك؛ فقال إسحاق ابن ابراهيم: والمجعول مخلوق! قال نعم؛ قال: فالقرآن مخلوق! قال: لا أقول مخلوق. ثم وجّه إسحاق بن إبراهيم بجواباتهم الى المأمون. فورد عليه كتاب المأمون:
بلغنا ما أجاب به متصنّعة أهل القبلة وملتمسو الرياسة فيما ليسوا له بأهل؛ فمن لم يجب بأنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية «1» . ثم قال فى الكتاب: وأمّا ما قال بشر فقد كذب، لم يكن جرى بينه وبين أمير المؤمنين فى ذلك عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الاخلاص والقول بأن القرآن مخلوق. فادع به اليك فإن تاب فاشهر أمره، وان أصرّ على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه وابعث الينا برأسه؛ وكذلك ابراهيم. وأما علىّ بن أبى مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلّل وتحرّم. وأما الذيّال فأعلمه أنه كان فى الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله. وأمّا أحمد بن يزيد وقوله: إنه لا يحسن الجواب فى القرآن، فأعلمه أنه صبىّ فى عقله لا فى سنّه، جاهل «2» سيحسن الجواب اذا أدّب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك. وأمّا أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدلّ على جهله وآفته بها. وأمّا الفضل
ابن غانم، فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر وما اكتسب من الأموال فى أقل من سنة، يعنى فى ولايته القضاء. وأمّا الزّيادىّ فأعلمه واذكر له ما يشينه «1» . وأمّا أبو نصر التّمّار فانّ أمير المؤمنين شبّه خساسة عقله بخساسة «2» متجره.
وأمّا ابن نوح وابن حاتم [والمعروف «3» بأبى معمر] ، فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وأنّ أمير المؤمنين لو لم يستحلّ «4» محاربتهم فى الله [ومجاهدتهم «5» إلا لإربائهم «6» ] وما نزل به كتاب الله فى أمثالهم لاستحلّ ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع «7» الإرباء شركا وصاروا للنصارى شبها! ثم ذكر لكل واحد منهم شيئا وبّخه به.
حتى قال: ومن لم يرجع عن شركه ممن سمّيت بعد بشر وابن المهدىّ فآحملهم موثقين الى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف؛ قال: فأجابوا كلّهم عند ذلك الا أحمد بن حنبل وسجّادة ومحمد بن نوح والقواريرىّ، فأمر بهم فقيّدوا، ثم سألهم من الغد وهم فى القيود؛ فأجاب سجادة، ثم عاودهم بالثانى فأجاب القواريرىّ. فوجّه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح. ثم بلغ المأمون أنهم إنما أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم اليه؛ فلما صاروا الى الرقّة بلغهم وفاة المأمون، وكذا «8» ورد الخبر على أحمد بن حنبل. وأمّا محمد بن نوح فكان عديلا لأحمد بن حنبل فى المحمل فمات، فوليه أحمد وصلّى عليه ودفنه. هذا ما كان بالعراق.
وأمّا مصر، فبينما كيدر فى امتحان علمائها وفقهائها ورد عليه الخبر بموت المأمون فى شهر رجب قبل أن يقبض على من طلبه المأمون، وأنّ المعتصم محمدا بويع بالخلافة