الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولد فى صفر سنة أربعين ومائة؛ وكان إماما فاضلا- قال القاضى يحيى بن أكثم:
لما عدت من البصرة الى بغداد قال لى المأمون: من تركت بالبصرة؟ قلت:
سليمان بن حرب- حافظا للحديث ثقة عاقلا فى نهاية الصيانة «1» والسلامة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع ونصف، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع.
***
[ما وقع من الحوادث سنة 225]
السنة الثانية من ولاية مالك بن كيدر على مصر وهى سنة خمس وعشرين ومائتين- فيها قبض المعتصم على الأفشين، لعداوته لعبد الله بن طاهر ولأحمد بن أبى داود، فعملا عليه ونقلا عنه أنه يكاتب مازيّار؛ فطلب المعتصم كاتبه «2» وتهدّده بالقتل؛ فاعترف وقال: كتبت اليه بأمره، يقول: لم يبق غيرى وغيرك وغير بابك الخرمىّ، وقد مضى بابك، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر، ولم يبق عند الخليفة سواى؛ فإن هزمت ابن طاهر كفيتك أنا المعتصم ويخلص لنا الدين الأبيض (يعنى المجوسيّة) ، وكان الأفشين يتّهم بها؛ فوهب المعتصم للكاتب مالا وأحسن اليه، وقال: إن أخبرت أحدا قتلتك. فروى عن أحمد بن أبى دواد قال:
دخلت على المعتصم وهو يبكى وينتحب ويقلق؛ فقلت: لا أبكى الله عينك! ما بك؟
قال: يا أبا عبد الله رجل أنفقت عليه ألف ألف دينار ووهبت له مثلها يريد قتلى! قد تصدّقت لله بعشرة آلاف ألف درهم، فخذها وفرّقها- وكان الكرخ قد احترق- فقلت:
تفرّق نصف المال فى بناء الكرخ، والباقى فى أهل الحرمين؛ قال: أفعل. وكان الأفشين قد سير أموالا عظيمة الى مدينة أشروسنة، وهمّ بالهرب اليها وأحسّ بالأمر، فهيّأ
دعوة ليسمّ المعتصم وقوّاده، فإن لم يجبه دعا لها أتراك المعتصم: مثل الأمير إيتاخ وأشناس وغيرهما فيسمّهم، ثم يذهب الى إرمينية ويدور الى أشروسنة. فطال بالأفشين الأمر ولم يتهيأ له ذلك، حتى أخبر بعض خواصّه المعتصم بعزمه، فقبض عليه حينئذ المعتصم وحبسه، وكتب الى عدوّه عبد الله بن طاهر بأن يقبض على ولده الحسن بن الأفشين، فوقع له ذلك. وفيها استوزر المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات. وفيها أيضا أسر مازيّار المذكور وقدم به بين يدى المعتصم. وفيها زلزلت الأهواز وسقط أكثر البلد والجامع وهرب الناس الى ظاهر البلد، ودامت الزلزلة أياما وتصدّعت الجبال منها. وفيها ولى إمرة دمشق دينار بن عبد الله، وعزل بعد أيام بمحمد بن الجهم. وفيها توفى سعدويه، واسمه سعيد بن سليمان، وكنيته أبو عثمان الواسطىّ، الواعظ البزّاز؛ كان يسكن ببغداد، وامتحن بالقرآن فأجاب؛ فقيل له بعد ذلك: ما فعلت؟
قال: كفرنا ورجعنا. وفيها توفى صالح بن إسحاق أبو عمرو النحوى الجرمىّ، لأنه نزل فى قبيلة من جرم؛ وكان اماما فاضلا عارفا بالعربية وأيام الناس وأشعار العرب، وله اختيارات وأقوال. وفيها توفى على بن رزين الإمام أبو الحسن الخراسانىّ التّرمذىّ ويقال الهروىّ، أستاذ أبى عبد الله المغربى، كان صاحب أحوال وكرامات.
وفيها توفى الأمير أبو دلف العجلىّ، واسمه القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل ابن سنان، من ولد عجل أمير الكرج «1» ، كان شجاعا جوادا ممدّحا شاعرا؛ وهو الذي قال فيه علىّ بن جبلة:
إنّما الدنيا أبو دلف
…
بين باديه ومحتضره «2»
فإذا ولّى أبو دلف
…
ولّت الدنيا على أثره
قيل: إنّ المأمون كان مقطّبا، فدخل عليه أبو دلف؛ فقال له المأمون: يا أبا دلف، أنت الذي قال فيك الشاعر، وذكر البيت المقدّم ذكره؛ فقال أبو دلف: يا أمير المؤمنين، شهادة زور وقول غرور «1» ؛ وأصدق منه قول من قال:
دعينى أجوب الأرض ألتمس الغنى
…
فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم «2»
وقال ثعلب: حدّثنا ابن الأعرابىّ عن الأصمعىّ قال: كنت واقفا بين يدى المأمون إذ دخل عليه أبو دلف؛ فنظر اليه المأمون شزرا، وقال له: أنت الذي يقول فيك علىّ بن جبلة «3» :
له راحة لو أنّ معشار عشرها
…
على البرّ كان البرّ أندى من البحر
له همم لا منتهى لكبارها
…
وهمّته الصّغرى أجلّ من الدهر
فقال: يا أمير المؤمنين، مكذوب علىّ، لا والذي فى السماء بيته ما أعرف من هذا حرفا؛ فقال المأمون: قد قال فيك أيضا:
ما قال لا قطّ من جود أبو دلف
…
إلّا التشهد لكن قوله نعم
فقال: ولا أعرف هذا أيضا يا أمير المؤمنين.
قلت: وأخبار أبى دلف كثيرة وشعره سارت به الركبان.
وفيها توفى منصور بن عمّار بن كثير الشيخ أبو السّرىّ الواعظ الخراسانىّ، وقيل:
البصرىّ، رحل الى العراق، وأوتى الحكم والفصاحة، حتى قيل: إنه لم يقض أحد فى زمانه مثله.