الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أربع وثلاثين ومائة وكان قد جمع بين العلم والزهد والسنة. وفيها توفيت علية بنت المهدي عمة المأمون ومولدها سنة ستين ومائة، وكانت من أجمل النساء وأظرفهن وأكملهن أدباً وعقلاً وصيانة، وكان في جبهتها سعة تشين وجهها فاتخذت العصابة المكلّلة بالجوهر لتستر جبينها بها، وهي أول من اتخذتها وسميت شد جبين لذلك.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو عمرو إسحاق الشيباني صاحب العربية، والحسن بن محمد بن أعين الحراني، وعبد الصمد ابن حسان المروزي، ومحمد بن صالح بن بيهس «1» أمير عرب الشام، وأبو عبيدة اللغوي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
ذكر ولاية عبد الله بن طاهر على مصر
هو عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب، الأمير أبو العباس الخزاعي المصيصي أمير خراسان وأجل أعمال المشرق ثم أمير مصر، ولي مصر من قبل المأمون بعد عزل عبيد الله بن السري على الصلاة والخراج معاً، ودخل مصر في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين بعد أن قاتل عبيد الله بن السري أياماً وأخذه بالأمان حسبما تقدم ذكره في ترجمة عبيد الله بن السري. ومولد عبد الله بن طاهر هذا سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتأدب في صغره وقرأ العلم والفقه وسمع من وكيع وعبد الله المأمون؛ وروى عنه اسحاق ابن راهويه وهو أكبر منه، ونصر بن زياد وخلق سواهم. وكان بارع الأدب
حسن الشعر، وتقلد الأعمال الجليلة وأول ولايته مصر، ولما ولي مصر ودخلها أمر عبيد الله بن السري بالخروج إلى المأمون ببغداد، وأقام عبد الله بن طاهر هذا بعسكره إلى أن خرج عبيد الله بن السري من مصر في نصف جمادى الأولى من السنة المذكورة، ثم سكن عبد الله بن طاهر المعسكر وجعل على شرطته معاذ بن عزيز ثم عزله بعبدويه بن جبلة، ثم تهيأ للخروج إلى الإسكندرية فخرج إليها من مصر في مستهل صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين واستخلف على صلاة مصر عيسى بن يزيد الجلودي.
وكان قد نزل بالاسكندرية طائفة من المغازبة من الأندلس في المراكب وعليهم رجل كنيته أبو حفص «1» ، فتوجه إليهم عبد الله بن طاهر وقاتلهم حتى أجلاهم عن الإسكندرية. وقيل: بل نزحوا عنها قبل وصول عبد الله بن طاهر خوفاً منه وتوجهوا إلى جزيرة «2» أقريطش فسكنوها وبها بقايا من أولادهم إلى الآن، وبعد خروجهم من الإسكندرية عاد عبد الله بن طاهر إلى ديار مصر فى جمادى الآخرة وسكن بالمعسكر إلى أن ورد عليه كتاب المأمون يأمره بالزيادة في الجامع العتيق، فزيد فيه مثله وبعث يعلم المأمون بذلك وكتب له أبياتاً من نظمه وهى:
أخي أنت ومولاي
…
ومن أشكر نعماه «3»
فما أحببت من شيء
…
فإني الدهر أهواه
وما تكره من شيء
…
فإني لست أهواه
لك الله على ذاك
…
لك الله لك الله
وكان عبد الله بن طاهر جواداً ممدحاً.
حكى أبو السمراء قال: خرجنا مع عبد الله بن طاهر من العراق متوجهين [إلى مصر «1» ] حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق واذا بأغرابىّ قد اعترضنا على بعير له أورق «2» وكان شيخاً، فسلم علينا فرددنا عليه السلام، وكنت أنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقي «3» وإسحاق بن أبي ربعي ونحن نساير عبد الله بن طاهر، وكانت كسوتنا أحسن من كسوته، ودوابنا أفره من دابته؛ فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا فقلنا: يا شيخ، قد ألححت في النظر إلينا، عرفت شيئاً أم أنكرته؟ فقال: لا والله، ما عرفتكم قبل يومي هذا ولا أنكرتكم لسوء أراه بكم، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، جيد المعرفة بهم؛ فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي وقلت: ما تقول في هذا؟ فقال:
أرى كاتباً جاه الكتابة بين
…
عليه وتأديب العراق منير
له حركات قد تشاهد أنه
…
عليم بتقسيط الخراج بصير
ثم نظر إلى إسحاق بن ابراهيم الرافقىّ وقال:
ومظهر نسك ما عليه ضميره
…
يحب الهدايا بالرجال مكور «4»
أخال به جبناً وبخلاً «5» وشيمة
…
تخبر عنه أنه لوزير
ثم نظر الىّ وقال:
وهذا نديم للأمير ومؤنس
…
يكون له بالقرب منه سرور
وأحسبه «1» للشعر والعلم راوياً
…
فبعض نديم مرة وسمير
ثم نظر إلى الأمير وقال:
وهذا الأمير المرتجى سيب كفه
…
فما إن له فيمن رأيت نظير
عليه رداء من جمال وهيبة «2»
…
ووجه بإدراك «3» النجاح بشير
لقد عصم الإسلام منه بذي «4» يد
…
به عاش معروف ومات نكير
ألا إنما عبد الإله بن طاهر
…
لنا والد بر بنا وأمير
قال: فوقع ذلك من عبد الله بن طاهر أحسن موقع، وأعجبه مقالة الشيخ وأمر له بخمسمائة دينار وجعله في صحابته.
ذكر واقعة أخرى لعبد الله بن طاهر هذا. قال الحسن بن يحيى الفهري:
بينما نحن مع عبد الله بن طاهر بين سلمية وحمص ونحن نريد دمشق إذ عارضنا البطين الشاعر، فلما رأى عبد الله بن طاهر قال:
مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً
…
بابن ذي الجود طاهر بن الحسين
مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً
…
بابن ذي العزتين في الدعوتين
مرحباً مرحباً بمن كفه البح
…
ر إذا فاض مزبد الرّجوتين
ما يبالى المأمون أيّده الل
…
هـ إذا كنتما له باقيين
أنت غرب وذاك شرق مقيماً
…
أي فتق أتى من الجانبين
وحقيق إذ كنتما في قديم
…
لزريق ومصعب وحسين
أن تنالا ما نلتماه من المج
…
د وأن تعلوا على الثقلين
فأمر له عن كل بيت بألف دينار وسار معه إلى مصر والإسكندرية، وبينما هو راكب على فرسه بالإسكندرية نزلت يد فرسه في مخرج فوقع به فيه فمات.
وقيل: إن عبد الله هذا لما استولى على مصر وهب له المأمون خراجها، فلم يدخلها حتى صعد المنبر، فما نزل حتى فرق جميع ذلك، وكان ثلاثة آلاف ألف دينار.
وقال سهل بن ميسرة: لما رجع عبد الله بن طاهر من الشام إلى بغداد صعد فوق سطح، فنظر إلى دخان يرتفع من جواره فقال: ما هذا الدخان؟ فقيل له:
لعل قوماً يخبزون؛ فقال: أو يحتاج جيراننا إلى ذلك! ثم دعا حاجبه وقال: امض ومعك كاتب وأحص جيراننا من لا يقطعهم عنا شارع، فمضى وأحصاهم فبلغ عددهم ألف نفس، فأمر لكل بيت بالخبز واللحم وما يحتاجون إليه، وبكسوة الشتاء والصيف والدراهم؛ فما زالوا كذلك حتى خرج من بغداد، فانقطع ذلك لكنه صار يبعث إليهم من خراسان بالكسوة مدة حياته.
وقيل: إن المأمون سأل عبد الله بن طاهر هذا: أيما أحسن، منزلي أم منزلك؟
قال: يا أمير المؤمنين، منزلي، قال: ولم؟ قال: لأني فيه مالك وأنا في منزلك مملوك. وكان عبد الله بن طاهر لا يدخل في منزله خصياً، ويقول: هم بين النساء رجال، وبين الرجال نساء.
- وقال أحمد بن يزيد السلمي: كنت مع طاهر بن الحسين بالرقة فرفعت إليه قصص فوقع عليها بصلات فبلغت ألفي ألف درهم وسبعمائة ألف درهم؛ ثم كنت
مع ولده عبد الله بن طاهر بالرقة فرفعت إليه القصص فوقع عليها فزاد على أبيه بألفي ألف درهم.
وقال محمد بن يزيد الأموي الحصني «1» - وكان محمد هذا من ولد مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان قد اعتزل الناس في حصن له- قال: لما بلغني خروج عبد الله بن طاهر من بغداد يريد قتال مصر أيقنت بالهلاك لما كان بلغه من ردي عليه- يعنى قصيدته التى يقول فى أوّلها:
مدمن الإغضاء موصول
…
ومديم العتب مملول
من أبيات كثيرة- قال: ولما كان بلغني هذه القصيدة أتقنت المنافية، وقلت: يفتخر علينا رجل من العجم قتل ملكاً من ملوك العرب بسيف أخيه! - يعني بذلك أباه طاهراً لما قتل الأمين بسيف المأمون- فرددت عليه قصيدته بقصيدتى التى أوّلها:
لا يرعك القال والقيل
…
كل ما بلغت تهويل
ولم أعلم أن الأقدار تظفره بي «2» ؛ فلما قرب مجيء عبد الله بن طاهر استوحشت المقام خوفاً على نفسي ورأيت تسليم نفسي عاراً علي، فأقمت مستسلماً للأقدار، وأقمت جارية سوداء في أعلى الحصن، فلم يرعني «3» إلا وهي تشير بيدها وإذا بباب الحصن يدق؛ فخرجت وإذا بعبد الله بن طاهر واقف وحده قد انفرد عن أصحابه؛ فسلمت عليه سلام خائف، فرد علي رداً جميلاً؛ فأومأت أن أقبل ركابه فمنعني بألطف منع، ثم ثنى رجله وجلس على دكة باب الحصن، ثم قال: سكن روعك فقد أسأت
بنا الظن، وما علمنا أن زيارتنا لك تروعك ثم كلمني وباسطني؛ فلما زال روعي قال: أنشدني قصيدتك التي منها:
يا بن بنت النار موقدها
فقلت: لا تنغص إحسانك؛ فقال: ما قصدي إلا زيادة الأنس بك؛ فامتنعت.
فقال: والله لا بد؛ فأنشدته القصيدة إلى قولي:
ما لحاذيه «1» سراويل
فقال: والله لقد أحصينا ما في خزائن ذي اليمينين [يعني «2» خزائن أبيه طاهر بن الحسين فإنه كان يلقب بذي اليمينين «3» ] بعد موته، فكان فيها ثلاثة آلاف سراويل من أصناف الثياب ما في واحد منها تكة، فما حملك على هذا؟ قلت: أنت حملتنى بقولك:
وأبي «4» من لا كفاء له
…
من يساوي مجده قولوا
فلما فخرت على العرب فخرنا على العجم؛ فقبل العذر وأظهر العفو؛ ثم قال:
هل لك في الصحبة إلى قتال مصر؟ فاعتذرت بالعجز عن الحركة، فأمر بإحضار
خمسة مراكب من مراكبه بسروجها ولجمها محلاة بالذهب، وثلاثة دواب من دواب الشاكرية، وخمسة أبغال من بغال النقل، وثلاثة تخوت فيها الثياب الفاخرة، وخمس بدر من الدراهم، ووضع الجميع على باب الحصن واعتذر بالسفر؛ فمددت يدي لأقبل يده فامتنع وسار لوقته.
وقال أبو الفضل الربعي: لما توجه عبد الله بن طاهر إلى خراسان قصده دعبل الشاعر، وكان ينادمه في الشهر خمسة عشر يوماً؛ فكان يصله في الشهر بمائة ألف درهم وخمسين ألف درهم؛ فلما كثرت صلاته توارى عنه دعبل حياء منه، فطلبه عبد الله بن طاهر فلم يقدر عليه، فكتب إليه دعبل يقول:
هجرتك لم أهجرك كفراً لنعمة
…
وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنني لما أتيتك زائراً
…
فأفرطت في بري عجزت عن الشكر
فملآن لا أتيك إلا معذراً
…
أزورك في شهرين يوماً وفي شهر
فإن زدت في بري تزايدت جفوة
…
ولم تلقني حتى القيامة في الحشر
وبعد هذه الأبيات كتب: حدثني المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لا يشكر الله لا يشكر الناس ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير» فوصله عبد الله بثلاثمائة ألف درهم. وقال معافى «1» بن زكريا: أول ما قصد دعبل عبد الله بن طاهر أقام مدّة لم يجتمع به وضاق ما بيده فكتب اليه:
جئتك مستشفعاً بلا سبب
…
إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجل
…
غير ملح عليك في الطلب
فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وكتب إليه:
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا
…
ولو انتظرت كثيره لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تسل
…
ونكون نحن كأننا لم نفعل
وحكي أنه خرج من بغداد إلى خراسان فسار وهو بين سمّاره، فلما وصل إلى الري سحراً سمع صوت الأطيار فقال: لله در أبي كبير الهذلي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر
…
وغصنك مياد ففيم تنوح
ثم التفت إلى عوف بن محلم الشاعر فقال: أجز، فقال عوف أبياتاً على وزن هذا البيت وقافيته؛ فلما سمعها عبد الله قال: أنخ، فو الله لا جاوزت هذا المكان حتى ترجع إليك أفراخك- يعني الجائزة- وأمر له بكل بيت ألف درهم.
وقال أبو بكر الخطيب: دخل عوف بن محلم على عبد الله بن طاهر فسلم، فرد عبد الله عليه، وفي أذن عوف ثقل، فأنشد عوف المذكور:
يا بن الذي دان «1» له المشرقان
…
طرا وقد دان «2» له المغربان
إن الثمانين وبلغتها
…
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وقيل: إن عبد الله بن طاهر لما وصل إلى مدينة مرو وجلس في قصر الإمارة دخل عليه أبو يزيد الشاعر وأنشده:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً
…
في قصر مرو ودع عدان «3» لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه
…
من هوذة «4» بن علي وابن ذي «5» يزن
فأعطاه عشرين ألفاً. وقيل: إنه أنشده غيرهما وهو قوله أيضا:
يقول رجال إن مرو بعيدة
…
وما بعدت مرو وفيها ابن طاهر
وقيل: إن عبد الله بن طاهر قدم مرة نيسابور فأمطروا، فقال بعض الشعراء:
قد قحط الناس في زمانهم
…
حتى إذا جئت جئت بالمطر
غيثان في ساعة لنا أتيا
…
فمرحباً بالأمير والدرر
ومن شعر عبد الله بن طاهر المذكور قوله:
نبهته وظلام الليل منسدل
…
بين الرياض دفيناً في الرياحين
فقلت خذ قال كفي لا تطاوعني
…
فقلت قم قال رجلي لا تواتيني «1»
إني غفلت عن الساقي فصيرني
…
كما تراني سليب العقل والدين
وله نظم كثير غير ذلك. ولما دخل إلى مصر وفرق خراجها قبل أن يدخلها حسبما تقدم ذكره أنشده عطاء الطائي- وكان عبد الله بن طاهر واجدا عليه قبل ذلك- قوله:
يا أعظم الناس عفواً عند مقدرة
…
وأظلم الناس عند الجود للمال
لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً
…
لما أشرت إلى خزن بمثقال
فأعجبه وعفا عنه؛ وأقترض عشرة آلاف دينار ودفعها إليه، فإنه كان فرق جميع ما معه قبل دخول مصر.
ولما دخل عبد الله بن طاهر إلى مصر قمع المفسدين بها ومهد البلاد ورتب أحوالها وأقام على إمرة مصر سنة واحدة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وخرج منها لخمس بقين من شهر رجب سنة اثنتي عشرة ومائتين؛ واستخلف على مصر عيسى بن