الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى وجه فصل الخصومات فتحا تشبيها لما حكم فيه بأمر مغلق كما يشبه بأمر متعقد في قولهم حلال المشكلات، قال تعالى «قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ» بربي الواحد الأحد «شُرَكاءَ» من أوثانكم هل تقدر أن تخلق أو ترزق أو تنفع أو تضر؟ قل لهم يا حبيبي «كَلَّا» لا تفعل شيئا من ذلك لأنها مفتقرة إلى من يصلحها ويحفظها من التعدي، وإذا كانت كذلك فكيف تصلح أن تكون آلهة، وكيف يليق بكم أن تعبدوها «بَلْ» القادر على فعل ذلك كله والمستحق للعبادة «هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ» الغالب على كل شيء «الْحَكِيمُ 27» فيما يفعله ويدبره «وَما أَرْسَلْناكَ» يا سيد الرسول لهؤلاء الكفرة خاصة «إِلَّا كَافَّةً» أي رسالة عامة «لِلنَّاسِ» أجمعين على اختلاف مللهم ونحلهم وألوانهم ولغتهم فكن لمن أطاعك منهم «بَشِيراً وَنَذِيراً» لمن عصاك «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 28» عموم رسالتك لمن على وجه الأرض عربهم وعجمهم فيحملهم جهلهم بذلك على مخالفتك فعرفهم هذا وعظهم ودارهم وتلطف بهم ليؤمن مؤمنهم ويصر كافرهم. وهذا من قبيل تقديم المعذرة لأن من هو في علمه كافر لا ينفعه النصح ومن هو في أزله مؤمن لا تستهويه الضلال.
مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:
وهذه الآية تدل صراحة على عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لعامة الخلق راجع الآية 158 من سورة الأعراف في ج 1 فيما يتعلق في هذا البحث. روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل (وأهل الكتاب لا تصح صلاتهم إلا في كنائسهم) ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة (أي العامة وإلا فكل نبي يشفع بأمته وأهل الخير يشفعون بمن يأذن الله لهم من خلقه خاصة) ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، أي بداية ونهاية بخلاف رسالة سيدنا نوح راجع الآية 74 من سورة يونس المارة تجد أولها خاصة وآخرها عامة، وكان من الأنبياء من يرسل إلى أهل بلده خاصة ومنهم من يرسل إلى أهله فقط
وخص محمدا صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة إلى الناس كافة. قال تعالى «وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ» الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 29» فيما تقولون وتهددونا به، وهذه الآية في ترتيب القرآن لم توجد في أوله حتى سورة يونس ومنها إلى الأنبياء وفيما بعد مكررة كثيرا. قال تعالى ردا عليهم يا أكرم الرسل «قُلْ» لهؤلاء المستبطئين سخطنا عليهم المطالبين بنزول ما توعد به من العذاب «لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ 30» فميعاده في الدنيا الموت إذا لم يباغتكم غيره قبله وفي الآخرة البعث، وهاتان الساعتان المقدرتان لموتكم وبعثكم لا يمكن بوجه من الوجوه تقديمهما لحظة ولا تأخيرهما عما هو مقدر في علمنا الأزلي وإنكم بعد البعث سترون ساعة الحساب وساعة الحكم وساعة الدخول في النار لا محالة وسيشدد حزنكم عند ما تشاهدون المصدقين الطائعين يدخلون الجنة ومغبّة ما حكاه الله عنكم في قوله
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» قولا غير ما ذكر من الاستبطاء واشنع منه وهو قولهم جرأة على ربهم «لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ» المنزل عليك يا محمد «وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» من الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف أيضا، قال تعالى تفظيعا لشأنهم في الآخرة وما تؤول إليه حالتهم الخاسرة «وَلَوْ تَرى» يا حبيبي «إِذِ الظَّالِمُونَ» أنفسهم بهذه الجرأة على الله في ذلك الموقف العظيم وأمثالهم وقد تخلى عنهم أربابهم المزيفون العاجزون «مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ» الحقيقي وقد تجلى عليهم باسمه المنتقم لرأيت أمرا فظيعا هالك مرآه، ولو تراهم يا أكمل الرسل حين يتلاومون على سوء صنيعهم في الدنيا إذ «يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ» فيوقع كل منهم الملامة على الآخر «يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» في الدنيا وهم الأتباع الوارد ذكرهم في الآية 164 من سورة البقرة في ج 3 للذين استكبروا وهم الرؤساء الآتي ذكرهم في الآية 11 من سورة إبراهيم الآتية «لَوْلا أَنْتُمْ» منعتمونا في الدنيا عن الأيمان بالرسل «لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 31» بهم ولنجونا من هذا البلاء ولم يمسسنا سوء في هذا الموقف «قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ» كلا لا صحة لهذا لأنا لم نصدكم
ولم نمنعكم عن الإيمان بالرسل «بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ 32» باختياركم ورغبتكم وقد رضيتم بالإشراك وآثرتم الكفر على الإيمان بطوعكم «وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» اعلم أن كلمة مكر هذه مضافة لمضاف محذوف وهو الضمير الذي يعود إلى الرؤساء وبحذفه أضيف لما بعده إضافة المصدر لمفعوله وعليه يكون المعنى صدنا مكركم بنا أيها الرؤساء واحتيالكم علينا وتزيين آلهتكم المزعومة لنا وتظاهركم مظهر الصادق حتى ظننا بكم أنكم على خير «إِذْ تَأْمُرُونَنا» ليل نهار صباح مساء «أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ» الواحد ونكذب الرسول الذي يأمرنا بعبادته ورفض ما سواه وأنتم تأمروننا بتكذيبهم أيضا «وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً» أمثالا على ما كان عليه آباؤنا وآباؤكم الأقدمون، فلما سمعوا هذا منهم وقد صارحوهم به على رءوس الأشهاد سقط في أيديهم جميعا «وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ» بينهما إذ ظهر، خطأوهما، وقيل إن فعل أمر من الأضداد فيأتي بمعنى أضمر كما مر وبمعنى أظهر ولهذا قال بعضهم إنهم أظهروا الندامة لبعضهم وعدلوا بهذا الفعل عن حقيقته إلى المجاز بحسب الظاهر وبعضهم أجراه على ظاهره كما جرينا عليه دون حاجة للعدول وهو أولى إذ لا وجود لصارف يصرفه عن حقيقته وإنما أسروا الندامة أسفا على ما فات لعدم الفائدة من إظهارها وقد بهتوا «لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ» أحاق بهم لقوله تعالى «وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا» التابعين والمتبوعين وزجرا في جهنم جزاء كفرهم فانظروا «هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ 33» في الدنيا من كفر وعصيان وسخرية، قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها» من الرؤساء والقادة إلى الرسل «إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ 34» هذه الآية كتسلية لحضرة الرسول مما مني به من قومه من التكذيب بما جاءهم به والاستهزاء بحضرته العالية وإن ما قاله فيه أهل مكة قاله الأمم السالفة لأنبيائهم وزيادة، راجع الآية 118 من سورة البقرة في ج 3 إذ لم ينفرد هو وحده بذلك كما أن قومه لم يبتدعوا تلك الأقوال والأفعال الشائنة بل إنهم قلدوا من قبلهم ليهون عليهم ما يلاقيه منهم «وَقالُوا» أيضا أولئك المترفون الذين غرّهم المال والجاه والولد متبجحين على المؤمنين وغيرهم
«نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً» من أتباع الرسل المساكين ولو لم يكن ما نحن عليه من الدين مرضيا لما منحنا الله هذه النعم المترادفة ولهذا نقول لكم «وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ 35» في الآخرة أيضا إذا كانت هناك آخرة كما تزعمون لأنا لسنا مذلولين في الدنيا، قال تعالى ردا عليهم «قُلْ» يا محمد لهؤلاء المغبونين بما لديهم من حطام الدنيا «إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ» يضيق على من يشاء وليس سعة الرزق دليل على الرضى كما زعمتم كما أنه ليس في ضيقه امارة على الغضب «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 36» ذلك ومنهم من تجبّر واعترض على الله تعالى في البسط على أناس والضيق على آخرين كابن الراوندي إذ قال:
كم عالم عالم أعيت مذاهبه
…
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة
…
وصيّر العالم النحرير زنديقا
أي كافرا نافيا للصانع العدل الحكيم قائلا لو كان له الوجود لما كان الأمر كذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله وهو في هذا القول البذيء يعني نفسه والقائل بقوله لا كل عالم فالعالم العاقل هو من يقول:
ومن الدليل على القضاء وحكمه
…
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
والأكثر الذي عليه الناس الآن فيما قبل وبعد والله أعلم عدم الاجتماع بين العلم والمال غالبا قال الشافعي رحمه الله:
فمن أعطى الحجى حرم الغنى
…
ضدان يفترقان أي تفرق
وذلك لحكم أرادها الله تعالى ولتتفرق الفضائل بين خلقه فمن فاته العز بالمال خلفه العز بالعلم وبالعكس:
رضينا قسمة الجبار فينا
…
لنا علم وللأعداء مال
فإن المال يفنى عن قريب
…
وإن العلم يبقى لا يزال
اللهم اجعلنا مع هؤلاء مع الكفاية ولا تجعلنا من أولئك ولا من الذي يقول:
أعطيتني ورقا لم تعطني ورقا
…
قل لي بلا ورق هل تنفع الحكم
قال ردا عليهم أيضا «وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ» أيها الناس «بِالَّتِي
تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى»
أي تقريبا مرضيا واسم الموصول واقع على الأموال والأولاد جميعا لأن جمع التكسير يستوي فيه عقلاؤه وغير عقلائه في حكم التأنيث ولأن المجموع منها بمعنى جماعة فلذلك صح الإفراد فيه والتأنيث «إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ» هم المقربون عند الله الحائزون على رضانا لا المتولون الجاهدون أنفسهم بجمع الحطام فمثل هؤلاء المؤمنين الذين دعموا إيمانهم بالأعمال الصالحة «لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا» فيضاعف لهم الواحد بعشرة إلى سبعمئة وإلى ما شاء الله «وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ» الطبقات العالية من الجنان يسكنون منعّمون «آمِنُونَ 37» من كل هائل وشاغل في مقعد صدق عند مليك مقتدر «وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي» إبطال «آياتِنا» ويفسدون في الأرض معاندين لنا يحسبون أنفسهم «مُعاجِزِينَ» لا نقدر عليهم فائتين من عذابنا سابقين قدرتنا «أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ 38» من قبل ملائكتنا لا يجديهم ما عولوا عليه ولا ينفعهم ما أمّلوه «قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ» في وجوه البر والخير وصلة الرحم «فَهُوَ يُخْلِفُهُ» من فضله الواسع «وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ 39» لأن رزق السلطان جنده والسيد مملوكه والرجل عياله من رزق الله تعالى أجراه على يدهم، وقد يكون في رزقهم منّ ولا منّ في رزق الله. وهذه الآية بخلاف الآية الأولى لأنها كانت ردا على الكفرة وهي عامة وخالية من الضمير بعد كلمة (يَقْدِرُ) ومن كلمة (لِمَنْ يَشاءُ) وهذه خاصة ومقيدة بلفظ من عباده وبالضمير ولشخص واحد باعتبارين والضمير فيها وإن كان بموقع المبهم إلا أن الآية الأولى خالية منه وذكره بعد مشتملا عليه كالقرينة على إرادة التخصيص فلا تكرار لأنها مساقة للوعظ والتزهيد في الدنيا والحض على التقرب إليه تعالى بالإنفاق والأولى مساقة للرد على الكفرة. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم أنفق أنفق عليك. وعنه: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا. وعنه: ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه. قال تعالى