المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» أي جنس النفس طبعها الأمر بالسوء لما فيها من القوى الشهوانية، والسوء لفظ جامع لكل ما يتهم به الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، أما السيئة فهي الفعلة القبيحة، والنفس من حيث هي واحدة لها صفات منها هذه، ومنها اللوامة ومنها المطمئنة، فإذا دعيت النفس إلى شهواتها ومالت إليها فهي الأمارة بالسوء، فإذا منعتها النفس اللوامة على ما نوته من القبح يحصل لها الندامة فيكون من صفاتها المطمئنة أي أن النفس على الإطلاق تأمر صاحبها بعمل السوء، لأن الإنسان إذا ترك وشأنه كان شريرا بالطبع «إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي» إلا النفس التي رحمها الله وعصمها كنفوس الأنبياء أمثال يوسف عليه السلام، ولم يخص نفسه تواضعا وهضما لنفسه، وقد تأتي ما بمعنى من كما هنا وكما في قوله تعالى (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) الآية 3 من سورة النساء في ج 3، راجع الآية 16 من سورة الفرقان في ج 1 وجعل الاستثناء هنا متصلا أولى من جعله منفصلا كما لا يخفى «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ» لما يعتري النفوس بمقتضى طباعها لأن منه ما لا يكون في طوق البشر دفعه كالهم والميل المجردين عن القصد والنية وهو «رَحِيمٌ 53» بعصمة تلك النفوس من الجري على موجب ذلك لخروجه عن الوسع وإنما تورع عليه السلام بالقول ليتوصل إلى ما يحمل الملك على الهداية والإيمان بالله تعالى كما توصل إلى إيقاع الحق لصاحبه بالسجن لهذه الغاية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف مواقفها، قال عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم. وأخرج مسلم من رواية أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه وقال هذه زوجتي، فقال يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك، فقال صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم، أي يأخذه لطرق الشرّ من حيث لا يحس ويأتيه من كل جوانبه من كل مسلك كما أن الدم يجري في جميع عروق ابن آدم وهو لا يحس به فهو من قبيل المعلوم غير المحسوس مثل

ص: 222

حركة الظل وفلكة المهواية والرحى وسريان النار في الفحم والزيت في الزيتون والسمسم وما أشبه ذلك، راجع الآية 112 من سورة هود المارة، وروى الترمذي والنسائي عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله وريحانته رضي الله عنهم قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. أي ما تشك وتشتبه به إلى ما لا تشك ولا تشتبه فيه. وجاء في خبر آخر رحم الله امرأ جبّ المغيبة عن نفسه. أي قطعها بعدم وقوفه ومروره في مواقف التهم وعدم مشيه مع المشبوهين باقتراف المعاصي ومجالستهم ومكاتبتهم فيجب على الإنسان أن يحفظ نفسه وسمعته من كل ذلك. كان جار الله محمود الزمخشري مقطوع الرجل وقد أخذ حكما من قاضي زمانه بأنها قطعت بعاهة لئلا يظن أنها قطعت بسرقة أو فساد في الأرض، وكلما دخل بلدة اظهر لأهلها حكم القاضي بأنها قطعت بعاهة خوفا من تهمة السوء، قيل إنه ذات يوم أمسك عصفورا فكسر رجله فقالت له أمه كسر الله رجلك كما كسرت رجله، وكان ذهب إلى بخارى لطلب العلم وكسرت رجله بسبب وقوعه عن الحمار، فقال هذه دعوة أمي إلا أن الإثبات الذي لديه يدل على أنها تعطلت بالثلج. هذا ولا يبعد أن السيد يوسف عليه السلام خشي أن يخرج ساكتا من السجن عن أمره الذي سجن من أجله وشاع خبره لدى العامة ولم تتضح براءته منه بصورة جلية ليطلع عليها الخاص والعام، وقرف به من أن يتسلق به الحاسد إلى تقبيح أمره ذلك، فيكون سلّما إلى الحط من قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار، فلا يعلق كلامه في قلوبهم وهو بحاجة إلى ذلك لتمهيد دعوته إلى ربه، وقد لا يترتب على دعوته قبولهم فيما لو بقي ساكتا عن إظهار واقعته، لذلك فإنه وضحها للناس على الصورة المذكورة أعلاه، هذا ولما ثبت لدى الملك براءته ورأى علمه وفضله ودرايته وثناء العامة عليه أحبّ أن يصطفيه لنفسه، لأن الصابر العفيف الحسن الكتوم أهل لأن يكون من خواص الملك، وكان عليه السلام العفيف الحسن الكتوم أهل لأن يكون من خواص الملك

، وكان عليه السلام متحليا بكل وصف حميد، فأراد أن يوليه أمر ملكه وتدبير رعيته المنبئ عنه قوله تعالى «وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي» فذهب الرسول الأول حالا فرحا مسرورا ودخل السجن وبلغه أمر الملك على رؤوس الأشهاد،

ص: 223

وقال إن الملك أمر بإخراجك من السجن بلا عودة، وطلب مقابلتك ليوليك أمره، فودع أهل السجن ودعا لهم بخير، ولما خرج أسفوا كلهم على فراقه وفرحوا بخروجه، قالوا ولما خرج كتب على باب السجن هذا بيت البلاء، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء. ثم اغتسل خارجه ولبس ثيابه وتوجه نحو الملك، فلما قرب منه قال حسبي ربّي من دنياي، حسبي ربي من خلقه، عز جارك يا الله وجلّ ثناؤك ولا إله غيرك. ولما وقف بين يديه وأبصره قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. وسلم عليه بالعربية، فقال له ما هذا اللسان؟ قال لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية، فقال له ما هذا اللسان؟ قال هذا لسان آبائي، قالوا وكان الملك يحسن سبعين لغة، فكلمه بها كلها، فأجابه بما يكلمه، وزاد عليه بالعبرية والعربية، فأعجب به غاية الإعجاب وقربه وأجلسه بجانبه، قالوا وكان خروجه من السجن بعد بلوغه الأربعين سنة من عمره، لأنه أدخل فيه بعد كمال الثالثة والثلاثين وبقي فيه سبع سنين على أصح الأقوال، وما قيل إنه لبث في السجن خمس سنين قبل أن أوصى ساقي الملك ليعرض أمره على ربه فليس بشيء، لأنه دخل معه وخرج بعد تعبير الرؤيا بثلاثة أيام، ولأنه حين خرج كان عمره أربعين سنة وإذا مشينا على هذا القيل يكون عمره إذ ذاك خمسا وأربعين سنة، ولم يقل به أحد. قال تعالى «فَلَمَّا كَلَّمَهُ» وشاهد منه ما لم يكن بالحسبان وما وقع منه حين مواجهة الملك من الاحترام اللائق به مما أعجب الملك ودهش منه كان بتعليم الله تعالى، لأن الملوك لا يبدأون بالكلام بل بالتحية والدعاء فقط، ثم يسكت أمامهم حتى يكون الملك البادئ ثم يجاب على قدر السؤال، فلما رآه الملك واقفا على هذه الأصول وزيادة لم يرها من غيره أقبل عليه وخاطبه بقوله كما حكى الله عنه «قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ» ذو مكانة عالية ومنزلة سامية «أَمِينٌ 54» ذو مقام مؤتمن على أسرارنا وعلى خزائننا، قالوا وقال الملك يا يوسف أحب أن أسمع منك تأويل الرؤيا فقصّها كما رآها ثم قص له تأويلها كما ذكره أولا، فقال والله ما أخطأت منها شيئا، وإنها كانت عجبا وما سمعته منك أعجب، لأنك أخبرتني عن شيء رأيته أنا وأوّلته

ص: 224

أنت بشيء لم يخطر على بالي، ثم قال له ماذا ترى نعمل؟ فأشار عليه بما تقدم مع تفصيل وتوضيح، وقال إذا فعلت هذا تؤمن قوت قومك وتأتيك الناس طلبا للميرة من كل مكان، فتبيعهم الفضل فيجتمع عندك خزائن الأرض، وتستعبد الناس بما تضع لهم من معروف بصيانة حياتهم من الموت جوعا وما، تبيعه لهم منة يعدونه صدقة منك لشدة الحاجة إليه، فقال ومن لي بمن يقوم بهذا العمل العظيم الذي فصلته لي لأنه يحتاج إلى جماعة مدرّبين محنكين يعون ما يعملون ويعلمون عاقبة ما يفعلون فيأمنون مما يعتذر منه «قالَ» يوسف عليه السلام أنا أكفيك ذلك كلّه أيها الملك «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ» التي يشملها ملكك وخولني ما فيها من أموال وطعام وأنعام وغيرها من جميع أنواع الخراج الذي قننته عليهم لأقوم لك بذلك كما ينبغي إن شاء الله «إِنِّي حَفِيظٌ» لها أمين عليها «عَلِيمٌ 55» بطرق جبايتها وجمعها وحفظها خبير بوجوه تفريقها وتعيين مواردها وتبين مصالحها وكيفية صرفها، فقال له الملك نعم إني لا أرى أليق منك ولا أحق بذلك، قالوا فولاه واردات دولته ونفقاتها (وزارة المالية) ولا محل للقول هنا بأنه لا يجوز طلب الإمارة فكيف ساغ للسيد يوسف طلبها مع ما هو عليه من النبوة لما جاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها. لأن هذا إذا لم يتعيّن عليه طلبها، فإذا تعين وجب عليه طلبها، وإيضاحا لذلك نضرب مثلا: لو كلف رجل بمنصب القضاء

وعرف أنه إذا لم يقبله يعين له من ليس من أهله، وجب عليه قبوله إياه، بل يجب عليه طلبه لما في ذلك من الخطر على مصالح المسلمين وغيرهم وضياع حقوقهم، ولما كان السيد يوسف عليه السلام مرسلا لمصالح الخلق ومكلفا برعاية حقوقهم ومحافظة أمورهم، وقد علم بإعلام الله إياه أن غيره لا يتمكن من ذلك كما يجب، لاسيما في هذه القضية، وأن الناس سيترامون بأموالهم وأنفسهم على مصر للميرة منها، وأنه لا بد لهذه الوظيفة من أمين صادق رؤوف على العباد يقوم بها، وجب عليه طلبها لأنه إذا لم يقبلها لا يستطيع أحد القيام بها كما ينبغي ويحافظ على حقوق الأمة ويصونها

ص: 225