الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لهم بإذنه وتصير صفة هؤلاء «كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ» من أثر الذل والهوان والفتر «قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً» لشدة ما يغشاهم من السواد والعياذ بالله «أُولئِكَ» الموصوفون بالإهانة المشوه وجوههم بالسواد المشبه بطائفة من الليل أو ظلمة آخره «أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ 27» لا يخرجون منها أبدا، ولا دليل في هذه الآية على خلود أهل الكبائر بداعي أنها هي السيئات المرادة في هذه الآية، لأن لفظ السيئات شامل للكفر والمعاصي، وقد قامت الأدلة على عدم خلود العصاة المؤمنين، فخصصت الآية بمن عداهم، وقسمنا في الآية 59 من سورة مريم المارة في ج 1 ما يتعلق بهذا البحث فراجعه.
مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:
قال تعالى «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً» مؤمنهم وكافرهم إذ نجمعهم من كل ناحية إلى موضع واحد وهو موقف الحساب، فتدخل المؤمنين الجنة بدليل قوله تعالى «ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا» بعد أن نعزلهم عن المؤمنين في المحشر بقوله تعالى (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ» الآية 70 من سورة يس المارة في ج 1 ما معناه الزموا «مَكانَكُمْ» لا تبرحوه «أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ» الذين كنتم تعبدونهم في الدنيا لتسألوا عن عبادتهم بحضورهم «فَزَيَّلْنا» فرقنا بينهم بعد ما أمرناهم بالثبات في مواضعهم وباعدنا «بَيْنَهُمْ» بين العابدين والمعبودين وقطعنا ما بينهم من التواصل بتمييز بعضهم عن بعض، وسألنا المعبودين على حدة، فأنكروا تصدرهم للعبادة، ثم جمعناهم وسألناهم، فأجابوا بمواجهة العابدين ما ذكره الله بقوله عز قوله «وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ 28» وهذا جواب تبر عن عبادتهم وردّ لقول العابدين إنا كنا نعبدكم، ولا يقال كيف نطقت، لأن منها ما هو جماد وهي إما أن تكون منحوتة من حجر أو خشب أو معمولة من طين أو غيره، فلا يتسنى لها النطق ولا يتيسر، لأن الله تعالى الذي حشرها لهذه الغاية أهّلها في ذلك اليوم للنطق بذلك، وكذلك الحيوانات والكواكب، قال مجاهد تنتصب لهم الآلهة فتقول لهم والله ما كنا نسمع دعاءكم، ولا نبصر عبادتكم،
ولا نعقل ما تقولون، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا، فيقول الكفار والله إياكم كنا نعبد، فتقول الأوثان «فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشان «كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ» 29 أي أن شهادة الله كافية على أننا لم نعلم بعبادتكم فضلا عن أننا جماد لا نشعر بشيء، وهذا ظاهر في الأوثان لأنها غافلة لا تعلم شيئا من ذلك، أما غيرها من العاقلة المتنبّهة العالمة كالملائكة وعزير والمسيح فتؤول كلمة غافلين بحقهم على عدم الرضاء بعبادتهم، كما تؤول على عدم الشعور بحق الأصنام، فيقول هؤلاء إنا لم نلق لعبادتهم بالا، ولم نرض بها، وكنا غافلين عنها، وتقول الأصنام إنا لم نشعر بعبادتهم ولا نعلم بها.
هذا إذا كانت الملائكة وعزير والمسيح عالمين بعبادة العابدين لهم يكون جوابهم على نحو ما ذكر آنفا، أما إذا لم يكونوا عالمين بها وهو أولى لأن الله تعالى لما سأل الملائكة عن الأسماء قالوا (لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) الآية 32 من سورة البقرة، وكان صلى الله عليه وسلم يسأل جبريل عن أشياء أحيانا فيقول له لا أعلم، ولقول عيسى عليه السلام جوابا لربه أيضا (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) الآية 115 من المائدة في ج 3، مما يدلّ على عدم شعورهم لعبادة عابديهم، وعلى هذا يكون معنى غافلين بحقهم أيضا مثل معناه في حق الأصنام لتساويهم في عدم العلم. ولا يخفى أن الملائكة الذين عبدوا غير الحفظة الملازمين لبني آدم. وهنا سؤال وهو هل يفني الله الأوثان بعد حشرها وسؤالهم أم لا؟ والجواب والله أعلم عدم إفنائها أي عدم صيرورتها ترابا كالحيوانات، وإنما تحشر وتسأل عن عبادتها فتنكر وتتبرأ مما أسند إليها كما هو صريح الآيات، إذ بضع الله فيها قوة النطق والدفاع، ثم إنها تدخل النار مع عابديها وتحترق معهم بدليل قوله تعالى (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) الآية 98 من سورة الأنبياء الآتية ولا اعتراض على أفعاله تعالى من أنها لم تعقل الاحتراق ولم تحس به لأن الذي جعل فيها قوة النطق يجعل فيها قوة الإحساس لا يسأل عما يفعل، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أما الحيوانات فقد دلّ النص على فنائها كما سيأتي آخر سورة عمّ الآتية، ولهذا البحث صلة في الآية 22 من سورة الأنعام الآتية «هُنالِكَ» في ذلك الموقف العظيم والهول العميم
«تَبْلُوا» تختبر وقرىء تتلو بتاءين أي تقرأ أو تتبع «كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ» من خير أو شر لأن العمل هو الذي يهدي النفس إلى الثواب أو العقاب «وَرُدُّوا» مع ما يظهر لهم من العمل «إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» مالكهم ومدبّر أمورهم ومحاسبهم عليه بالعدل المنفرد في ربوبيته، لا ما كانوا يتولونهم في الدنيا مما لا حقيقة له بالربوبية، لأن كلمة مولى تأتي بمعنى المالك وتأتي بمعنى الناصر كما في قوله تعالى:
(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) الآية 11 من سورة محمد في ج 3، كما أنها تأتي بمعنى السيد وبمعنى العبد قال:
ولن يتساوى سادة وعبيدهم
…
على أن أسماء الجميع موالي
ومثل هذه الكلمات تؤول في كل محل بما يتاسبها بحسب المقام «وَضَلَّ عَنْهُمْ» خفي وضاع وغاب «ما كانُوا يَفْتَرُونَ 30» في الدنيا من الأصنام والأوثان بأنها شركاء لله أو أنهم يشفعون لهم، أما من عبد وهو يعلم وقد أمر الناس بعبادته كنمرود وفرعون فهؤلاء لا يشفعون ولا يؤذن لهم فيعتذرون بل يساقون على وجوههم سحبّا إلى جهنم والله أعلم. فيا أكرم الخلق.
«قُلْ» هؤلاء المشركين «مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ» غيثا ونباتا أأوثانكم أم الله «أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ» فلا يقدر أن يسمع أحدكم صاحبه إلا بإذن الله «وَالْأَبْصارَ» فلا يستطيع أن يبصر أحدكم صاحبه بها إلا بأمر الله لأنه هو الملك الحقيقي المالك لجوارح الإنسان والحيوان وهو الذي يحميها من الآفات والطوارئ إن شاء الله مدة الحياة مع ما هي عليه من اللطافة، إذ يؤذيها كل شيء، ومن يقدر على خلقها وتسويتها على هذه الصورة العجيبة والهيئة البديعة إلا الله، وإن من يقف على علم التشريح يرى ما يبهر العقل كما بيناه في الآية 28 من سورة فاطر المارة في ج 1 ويحيّر اللبيب، فسبحان الإله الفعال النادر. وليعلم أن علم التشريح يزيد في الإيمان ويقوي العقيدة لمن يريد الله هدايته «وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» المؤمن من الكافر، والفرخ من البيضة، والزرع من الحبة في الأرض والإنسان والحيوان من النطفة في الرحم «وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ» الكافر من المؤمن، والبيضة من الطير، والحب من الزرع، والنطفة من الإنسان والحيوان «وَمَنْ يُدَبِّرُ
الْأَمْرَ»
في هذا الكون الجسيم علويه وسفليه آلله أم أوثانكم؟ «فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ» أي أنهم يجيبونك اضطرارا بأن الفاعل لذلك كله هو الله «فَقُلْ» لهم إذا «أَفَلا تَتَّقُونَ 31» هذا الرب الكبير الفعال لهذه الأشياء وغيرها وكيف تعبدون غيره مما لا يعقل شيئا وهو عاجز عن نفع نفسه ودفع الضرّ عنها. وليعلم أنه لا يوجد نص صريح على أن الله تعالى هو في السماء أو الأرض، وأما ما جاء من أنه جل جلاله في السماء على المعنى اللائق به تعظيما لشأنه لا على ما نتصوره نحن، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في الجارية التي أشارت إلى السماء حين قل لها أين الله؟ أعتقها فإنها مؤمنة، وإقراره حصينا حين قال له عليه الصلاة والسلام كم تعبد يا حصين؟ فقال سبعة، واحد في السماء وستة في الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم فمن الذي أعددته لزغبتك ورهبتك؟
فقال الإله الذي في السماء. على ما يقتضيه الظاهر. ومن جملة تنزيهه تعالى نسبته للعلو، ولذلك يرفع الإنسان يديه نحو السماء في الدعاء أي إلى الخزانة المشار إليها في قوله تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) الآية 22 من سورة الذاريات الآتية فراجعها، لا لكونه جل جلاله فيها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقدمنا ما يتعلق في هذا في الآية 13 من سورة طه المارة في ج 1، ولهذا البحث صلة في الآية 18 من سورة الأنعام الآتية، قال تعالى «فَذلِكُمُ» الذي يفعل هذه الأشياء الجليلة هو «اللَّهُ رَبُّكُمُ» أيها الناس الإله «الْحَقُّ» الذي لا ريب فيه المستحق للعبادة وحده «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ» الصريح الثابت أيها الناس «إِلَّا الضَّلالُ» الباطل، إذ لا واسطة بين الحق والباطل، وكذلك لا واسطة بين الإيمان والكفر ولا الجنة والنار، فالذي يتصف به العبد إما حقّا أو باطلا ومن أخطأ أحدهما وقع في الآخر لا محالة، لأن من وقاه الله من النار أدخله الجنة، ومن خصه بالإيمان عصمه من الكفر، وهكذا «فَأَنَّى تُصْرَفُونَ 32» عن الحق إلى الضلال ومن التوحيد إلى الشرك؟ سئل مالك رحمه الله عن شهادة لاعب الشطرنج والنرد، فقال أما من أدمن فما أرى شهادتهم طائلة، يقول الله تعالى (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) فهذا كله في الضلال.
والصارف في الحقيقة هو الله تعالى، والإنكار والتعجب متوجهان إلى منشأ الصرف،
وإنما لم يسند الفعل إلى الفاعل لعدم تعلق غرض به، وتقدم في الآية 12 المارة ما له صلة في هذا البحث فراجعه «كَذلِكَ» كما حقت الكلمة على الباغين من الأمم السابقة المتجاوزين حدود الله «حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ» أي حكمه لقوله تعالى (وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) الآية 13 من سورة السجدة الآتية، ونظيرتها الآية 119 من سورة هود الآتية أيضا، أي وقعت «عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا» من أمتك يا محمد الذين تمردوا بالكفر وخرجوا عن حدود الله «أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 33» أي حقت عليهم الكلمة لعدم إيمانهم، وهو قضاء أزلي ولا راد لقضائه المسجل عليهم في سابق علمه، المثبت في لوحه، قال تعالى يا سيد الرسل «قُلْ» لقومك وغيرهم «هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» ينشئه على غير مثال سابق كما أنشأ الله «ثُمَّ يُعِيدُهُ» بعد موته كما أنشأه أول مرة، وهذا استفهام إنكاري وجوابه لا أحد يفعل ذلك، وهو احتجاج آخر على بطلان الإشراك وحقيقة التوحيد، ولا يقال إن مثل الاحتجاج إنما يأتي على من اعترف بأن من خواص الإلهية بدء الخلق ثم إعادته ليلزم من نفيه عن الشركاء نفى الإلهية، وهم غير مقرين بذلك، لأن في الآية إشارة إلى أن الاعادة أمر مكشوف ظاهر بلغ في ظهوره وجلائه، حدا بحيث يصح أن يثبت فيه دعوى أخرى، ولظهور برهانها صارت أمرا مسلما بالبداهة وجعل ذلك الطيبي من ضعه الإدماج كقول ابن نباته:
فلا بدلي من جهلة في وصاله
…
فمن لي بخل أودع الحلم عنده
فقد ضمن الغزل الفخر بكونه حليما، قال تعالى «قُلْ» يا محمد لهؤلاء المنكرين إذا لم يجيبوك بالاعتراف «اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» هو وحده لا غير، لأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 34» كيف تصرفون عن قصد السبيل وتقلبون من الحق إلى الباطل لأن معنى الإفك الصرف والقلب، ومنه قول عروة بن أذينة:
إن تك عمن أحسن الصنيعة مأ
…
فوكأ ففي آخرين قد أفكوا
وخصّه صاحب القاموس بالقلب عن الرأي وهو أنسب في هذا المقام وهذا أمر من الله تعالى إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم بأن ينوب عنهم ببيان من يفعل ذلك لا بأن ينوب عنهم في الجواب كما قاله بعض المفسرين بل أكثرهم، لأن القول المأمور به غير ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزما له، إذ ليس المؤول عنه من يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله سبحانه وتعالى (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) الآية 78 من سورة الرعد الآتية في ج 3، حتى يكون القول المأمور به عين الجواب الذي أريد منهم ويكون صلى الله عليه وسلم نائبا عنهم في ذلك، بل إنما هو وجود من يفعل المبدأ والإعادة من شركائهم، فالجواب المطلوب منهم لا لا غير، نعم أمر صلى الله عليه وسلم بأن يضمنه مقالته إيذانا بتعيّنه وتحتمّه وإشعارا بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافة التبكيت، لا مكابرة ولجاجا، قال تعالى «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ» فإذا قالوا لك لا وحتما ان يقولوا لا، لأن شركاءهم لا تنطق لكونها جماد «قُلْ» لهم يا سيد الرسل «اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ» ويرشد له، فإذا كان كذلك قل لهم «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ» ويعبد لأنه هو الذي يعطي العقل، ويبعث الرسل، وينزل الكتب، ويوفق إلى النظر والتدبر بما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات الدالات على الهدى الكائنة في الأرض والسماء «أَمَّنْ لا يَهِدِّي» يهتدي الشرع الذي يريده «إِلَّا أَنْ يُهْدى» إليه من قبل الغير كالأصنام وهدايتها عبارة عن نقلها من مكان لآخر بواسطة عابديها، هذا إذا أريد بهذه الآية الأوثان، أما إذا أريد العابدون رؤساء الكفرة فيكون المعنى أنهم أنفسهم ضالون فكيف يقدرون على إرشاد غيرهم لأنّهم محتاجون للإرشاد فلا يقدرون عليه إلا بتقدير الله إياهم وما هو بفاعل ذلك لهم، فيكون التمسك بهدايته تعالى أولى وأوجب «فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35» بأنها آلهة فتساوونها مع الإله الذي بيده الإحياء والإماتة، وأي شيء حدا بكم إلى اتخاذ هذه الفجرة آلهة فتعبدونها وتتقربون بها زلفى إلى الله، وأي شيء ظهر لكم من منافعها حتى أشركتموها مع الإله القادر الحق القهار الفعال، وكيف تحكمون بما يأباه صريح العقل ويقر بطلانه؟ وهذا احتجاج ثالث على بطلان الشرك
وأحقية التوحيد جيء به إلزاما بعد إلزام لهؤلاء الكفرة، وجاء كل من الاحتجاجات الثلاثة منفصلا عن الآخر دون العطف عليه إيذانا بفضله واستقلاله في إثبات المطلوب، والسؤال في كل للتبكيت والتقريع في أقوالهم التي هي ليست بأقوى لهم، وفي أفعالهم التي هي أفعى لهم، قال تعالى «وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ» فيما بزعم من ألوهية الأصنام وشفاعتها «إِلَّا ظَنًّا» منهم بأنها أنداد لله وقضاء بالجور بشركتها له فيما يقولون ويحكمون ويتبعون من الوهم والشبه للتي لا تجدي نفعا، إذ غاية ذلك هي الظن «وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» إذ لا يقوم مقام اليقين فكيف بالظن الفاسد، لأن المراد من الحق العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع، لأن اعتقادهم ذلك عبارة عما يستندون فيه إلى الخيالات الفارغة والّا فية الباطلة من ظنونهم الواهية كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، ولا يلفتون إلى الحقائق ولا يسلكون مالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحقيقة، فيفهمون مضمونها ويقفون على صحتها وبطلان ما يخالفها.
هذا وفي تخصيص الأتباع بالأكثر إشارة إلى أن منهم من قد يتبع فيقف على ماهية التوحيد، ويعرف أحقيته ولكن لا يتبعه مكابرة وعنادا، ومقتضى ما ذكروه في وجه أمره صلى الله عليه وسلم بأن ينوب عنهم بالجواب هو أن الإشارة إلى أن لجاجهم وعنادهم يمنعهم من الاعتراف بذلك، لأن منهم من يعلم أحقية ذلك إلا أنه كان معاندا ولعل النيابة حينئذ عن الجمع باعتبار هذا البعض، على أن الأكثر قد يطلق على الكل كما قدمناه، كما أن القليل يأتي بمعنى العدم في قوله تعالى (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) الآية 88 من البقرة، وعليه قول القائل:
قليل التشكي في المصيبات حافظ
…
من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وحمل النقيض على النقيض حسن وطريق مسلوك «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ 36» من اتباع الظن والأفعال القبيحة وترك الحق والأعمال الحسنة وهذه الجملة تؤذن بالتهديد والوعيد، قال تعالى «وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ» المنزل عليك يا حبيبي «أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ» قال العلامة ابن حجر إن هذه الآية جواب عن قولهم (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ) الآية 15 المارة، وهو طلب للافتراء في
المستقبل، وأما الجواب عن زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام افتراه وحاشاه فسيأتي عند حكاية ذلك زعمهم وقيل إن كفار مكة زعموا أن محمدا أتى بهذا القرآن من نفسه اختلاقا، فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه وحي أنزله الله إليه مبرأ عن الافتراء وأن محمدا والبشر كافة عاجزون عن الإتيان بمثله أو مثل شيء منه، وأن ما هو عليه من الفصاحة التي أعجزت الفصحاء وكلّت البلغاء عن معارضته وعن الإتيان ببعض نفائس ما فيه من العلوم وأخبار الماضين والأحكام والآداب ومكارم الأخلاق محقق بطلان ما يقولونه فيه ومبطل زعمهم به، فلا هو مفترى ولا مختلق ولا سحر ولا كهانة ولا من أساطير الأولين، ولا تعلمه من الغير ولا أعانه عليه أحد كما يقولون راجع الآية 4 فما بعدها من سورة الفرقان في ج 1، «وَلكِنْ تَصْدِيقَ» أي أنزله الله تعالى مصدقا «الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور وما تقدمها من الصحف السماوية المنزلة على الرسل السابقين، لأن ما فيه موافق لما فيها، ولو أنه جاء مباينا لها لطعن فيه البتة. ومن المعلوم أميّة محمد صلى الله عليه وسلم، فلو لم يكن من عند الله لما قدر على إخبار الناس فيما هو نازل من الكتب القديمة، فضلا عن الإتيان بغيرها. فإخباره بالمغيبات الأخر وتلاوته على قومه معجزة عظيمة كافية لنبوّته، ومبرهنة على صدق نزوله من عند الله «وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ» تبيينه من الحلال والحرام والفرائض والأحكام وتوضيح ما فيه من الشرائع دليل صريح وبرهان قاطع على أنه كلام الله نازل من عنده على رسوله «لا رَيْبَ فِيهِ» بأنه «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ 37» بلا شك ولا شبهة. والجار متعلق بتفصيل، وجملة لا ريب اعتراضية كما تقول علي- كرم الله وجهه- لا شكّ شجاع، وعمرو بن العاص لا جرم سياسي، وحسان رضي الله عنه حقا جبان ومعاوية عفا الله عنه لا غرو حليم، إلى غير ذلك. قال تعالى «أَمْ» منقطعة مقدرة ببل والهمزة عند سيبويه، وبل انتقالية، والاستفهام لإنكار الواقع أي بل «يَقُولُونَ افْتَراهُ» محمد من عند نفسه «قُلْ» يا محمد لهؤلاء المفترين عليك وعلى ربك «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ» بالإخبار بالغيب والأحكام والوعد والوعيد، فضلا عما هو عليه من الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، لأنكم عرب مثل المنزل عليه، وقد