المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

لأن الأنبياء، لا تحل لهم الصدقة، فكيف يليق بهم طلبها؟ وما قيل إن الأنبياء قبل محمد تحل لهم الصدقة لا صحة له فهو قول مجرّد عن الدليل لأن حضرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قال (نحن معاشر الأنبياء» ولم يخص نفسه بذلك، والأنبياء كلهم على طريقة واحدة، وكل منهم يقول لقومه (لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) فإذا كان لا يطلب على تعليمهم الطريق الموصل إلى الله ونجاتهم من عذابه أجرا، فكيف يطلب الصدقة عفوا؟ وكذلك القول بأن اجعل مسامحتك بأخذ الرديء من الثمن وإعطاء الجيد من الطعام صدقة لا وجه له، لأن الثمن الذي جاءوا به كان متداولا في ذلك الزمن فضلا عن أنهم يأخذون الجيد من الثمن طمعا بابتياعهم الطعام للمحتاجين إليه، لأن الزمن زمن غلاء وقحط، وانما حقروه بالنسبة لمقام الملك، لأن كل كثير عنده حقير «إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ 88» بثوابه الجزيل على العمل القليل ولم يقولوا يجزيك لأنهم لم يعلموا إيمانه قالوا ثم أعطوه الكتاب وانتظروا بماذا يجيبهم فلما قرأه اغرورقت عيناه ولم يتمالك نفسه أن «قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ 89» في سن الطيش صغار لا تعقلون عواقب الأمر ولا يخفى أن فعلهم بيوسف ظاهر معلوم أما فعلهم بأخيه فهو كناية عما لحقه من الغم على فراق أخيه والهم على افرادهم له عنه واذلاله لديهم حتى صار لا يستطيع أن يكلمهم ومنه ما خاطبوه به عند وجود الصاع في رحله ومن كماله عليه السلام تقدم لأخوته بالمعذرة على فعلهم به حيث نسبهم إلى الجهل لأن له حالات تتقدم بالعذر عن فاعلها فهو كالتلقين لهم كي يعتذروا به على حد قوله تعالى ما غرك بربك الكريم الآية 7 من سورة الانفطار الآتية.

‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

فلما سمعوا ذلك انتبهوا وأقبلوا إليه وتقربوا منه «قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ» على طريق الاستفهام التقريري، ولذلك أكد باللام وأن، لأن التأكيد يقتضي التحقيق الذاتي للاستفهام الحقيقي، وذلك لأنهم لم يعرفوه، لأنه كان في ابّهة الملك وعظمته، إلا أن لهم علامة فيه وهي زائدة كالشامة في فرقه، وهي موجودة في إسحاق ويعقوب وسارة أيضا، وكانت مغطاة بالتاج، فلما خاطبهم

ص: 251

بذلك القول رفع التاج عن رأسه فظهرت لهم تلك العلامة، وهذا أيضا قوله تعالى (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) الآية 15 المارة، وقيل أنّهم قالوا أولا على سبيل الشك والوهم لتشبيههم ثناياه بثنايا يوسف لشدة بياضها، فلما رفع التاج عن راسه عرفوه يقينا فصرخ و «قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي» ذكر أخاه مع أنه معلوم لأن البحث كان دائرا حوله، وصرح باسمه هو تعظيما لما نزل منهم به، ولما عوضه الله تعالى من الظفر والملك، ثم أكد لهم تعريفه بقوله «قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا» بالألفة بعد الفرقة، والمحبة بعد العداوة، وجمعنا وخلصنا مما وقع بنا، وفضلنا بالدين والدنيا والآخرة «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ» الله في جميع أموره ويأتمر بأمره وينتهي بنهيه «وَيَصْبِرْ» على ما يصيبه وعلى ما حرمه الله وعلى مشاقّ الطاعة وشهوة المعصية، فإن الله تعالى يعده محسنا ويجزيه الجزاء الأوفى.

وذكر الصبر بعد التقوى من ذكر الخاص بعد العام، لأنه مندرج في معناها «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 90» في هذه الدنيا، وهذا من كماله أيضا عليه السلام، إذ بدأهم بتذكير نعم الله عليه بالسلامة والكرامة ولم يفاجئهم بالتعنيف والملامة،

«قالُوا» كلهم بلسان واحد «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا» اختارك وفضلك بالعلم والحلم والصبر والتقوى والحسن والعقل والملك والرسالة، ومن قال بالنبوة فقد أخطأ المرمى، لأنهم كلهم أنبياء إذ ذاك، والنبوة من حيث هي متساوية بخلاف الرسالة، لأن منهم من هو من أولي العزم، وتفضيل الأنبياء الوارد في قوله تعالى، ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض الآية 55 من الإسراء المارة في ج 1، إنما ذلك بكثرة الاتباع وما خص به بعضهم من النعم والمعجزات، وما نزل عليهم من الصحف، ثم بادروا بالاعتراف بخطئهم دون تقدم عذر ما بقولهم «وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ 91» فيما صنعناه بك عمدا لأن فعل خطأ بمعنى تعمد بخلاف مخطئين فإنه من أخطأ إذا نسى وسها، أي لا جرم أننا لم نتّق الله والإثم فيك، ولم نصبر على ما رأيناه من اصطفاء أبينا لك دوننا حال صغرنا ولهذا فإن الله تعالى أعزك وأجلّك، وسلطك علينا، وأن الله تعالى قدّر سلطانك هذا على فعلنا فيك. وفي اعترافهم بالخطأ استنزال لإحسانه عليهم واستعطاف لعفوه

ص: 252

عنهم، فجاوبهم بما يثلج الصدر ويقرّ الأعين إذ «قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» ، وأصل الكلمة الثرب وهو الشحم الرقيق على الكرش، وفي الجوف، وصيغة التفعيل للسلب أي إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع، واستعير للّوم الذي يخرق الاعراض ويذهب بهاء الوجه، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما لا يرضى، كما أنه باللوم تظهر العيوب، لذلك شبه به، والجامع بينهما طروء النقص بعد الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال بكل، وهي اسم لا وخبرها مقدر تقديره كائن متعلق عليكم، واليوم ظرف متعلق بذلك الخبر المقدر أيضا، ولفظ اليوم هنا ليس لا قيد لأنه إذا لم يلمهم أول لقائه واشتعال ناره، فلأن لا يلومهم ولن يعاقبهم بعده بطريق الأولى. وقال المرتضى إن اليوم موضوع للزمان كله، مستدلا بقوله:

اليوم يرحمنا من كان يغبطنا

واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

كأنه أريد بعد اليوم، قال هذا عليه السلام تطييبا لخاطرهم، وسدا عن بحث ما سلف منهم، وعلى هذا ينبعي أن يوقف على كلمة اليوم، لأنه راجع للتثريب ومتعلق بما تعلق به خبر لا كما ذكرنا، ويبتدأ بقوله عز قوله «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» وهذه جملة دعائية لهم بالمغفرة من الله، لأن فعل الدعاء لا ينصب ما قبله غالبا، وإذا رجعناه لما بعده وعلقناه بقوله تعالى يغفر فينبغي أن يوقف على كلمة عليكم ويبتدأ بكلمة اليوم ويوصلها بما بعدها، وعلى هذا يكون المعنى مبادرته لهم بالبشارة بمغفرة ربهم عما سبق منهم بحقه وحق أخيه، وذلك لما لحقهم من الخجل والحياء، إذ لم يبق لهم بد من اعترافهم بالخطأ وندمهم على فعلهم، ويكون ذلك من قبيل الإخبار بالغيب، وعلى هذا قول صلى الله عليه وسلم لقريش عند فتح مكة ما تروني فاعلا بكم؟

قالوا نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم، وقولهم هذا فضلا عن اعترافهم بالذنب فإنه توبة أيضا، ولا شك أن الذنب مرض وشفاؤه التوبة، ولهذا قال لهم ما قال، وهو مصدر العفو، ولما جاء أبو سفيان ليسلم قال له العباس اتل على رسول الله لا تثريب عليكم اليوم، ففعل، فقال صلى الله عليه وسلم يغفر الله لك ولمن علمك. وهذا قد يصح لأن السورة

ص: 253

مكية، وأن سنة الفتح وإن كانت في السنة الثامنة وكان حضرة الرسول بالمدينة ولم يأت أبو سفيان إلى المدينة ويسلم، إلا أنه يجوز أنه تعلمها حين نزولها في مكة كالعباس لأنه آخر من هاجر ولم يتعلمها إلا في مكة، هذا والوقف على كلمة اليوم أولى وأحسن وأليق، وان أكثر القراء عليه، وجملة يغفر دعائية إذ يبعد على السيد يوسف أن يقولها بقصد الإخبار بالمغفرة من الله، ولو لم تكن الجملة بقصد الدعاء لقطعوا بالمغفرة لهم بمجرد سماعها من أخيهم الصديق، ولم يقولوا لأبيهم استغفر لنا كما سيأتي، ثم بشرهم بقبول عذرهم وأن الله تعالى سيغفر لهم برحمته بقوله «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 92» بي وبكم وبالخلق أجمع لأني إذا رحمتكم وأنا الفقير القتور، فبالأحرى أن يرحمكم ربي وهو الغني الغفور المتفضل على التائب بالعفو الشامل والرحمة الواسعة، ومن كرم يوسف عليه السلام أنه قدم لهم الطعام وجلس يؤاكلهم فقالوا له إنا نستحي أن نأكل معك بما فرط منا فيك، فقال لا يا إخوتي لأن أهل مصر وإن كنت ملكهم، فإنهم ينظرون إلي بالعين الأولى، لأنهم يعرفونني عبدا للعزيز وخادما له، ولقد شرفت بكم الآن وعظمت في أعينهم، إذ علموا حقيقة ما ذكرته لهم قبلا بأني ابن يعقوب من صلب إبراهيم عليه السلام. وجاء عن ابن عباس أن الملك قال يوما ليوسف عليه السلام: أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي، وأنا آنف أن تأكل معي، أي لأنه غلام العزيز وزيره السابق، فغضب يوسف عليه السلام وقال: أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل الله. وفي التوراة التي في أيدي اليهود اليوم أنه عليه السلام لما رأى من إخوته مزيد الخجل أدناهم إليه وقال لا يشق عليكم إذ بعتموني، وإلى هذا المكان أوصلتموني، فإن الله تعالى قد علم ما يقع من القحط والجدب وما ينزل بكم من ذلك ففعل ما أوصلني به إلى هذا المكان والمتكانة ليزيل عنكم بي ما ينزل بكم، ويكون ذلك سببا لبقائكم في الأرض وانتشار ذراريكم فيها. (هذا وقد مضت سنتان من سني الجدب وبقي خمس سنين، إذ ابتدأت المجدبات بعد خروجه من السجن بثلاث سنين وبعد رؤيا الملك بستة وبعد تولية يوسف بسنتين) وقد صيرني الله تعالى مرجعا للعزيز وسيدا لأهله وسلطانا على جميع أهل مصر، فلا يضيق عليكم أمركم ثم سألهم عن حال أبيه

ص: 254

فذكروا له شأنه كما هو عليه، ففال لهم «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً» وهذا بوحي من الله عز وجل، وهذا القميص قميص إبراهيم عليه السلام الذي ألبسه الله إياه حين ألقي بالنار بواسطة جبريل عليه السلام، إذ ألقي فيها عريانا كما ألمعنا إليه في الآية 31/ 15 المارتين، لأن فيه ريحه وريح الجنة، وهذا أمر معلوم عقلا، فضلا عما فيه من الكرامة، لأن الحبيب إذا رأى ثوب حبيبه أو شيئا مما يلازمه ينشرح صدره وتزول كآبته، وقيل في هذا المعنى:

وإني لأستشفي بكل غمامة

يهب بها من نحو أرضك ريح

حتى إن الرجل وهو في سكرات الموت إذا كان له غائب عزيز وقيل له ها هو جاء يفتح عينيه وتبدو عليه ملامح السرور، حتى إنه إذا جيء له بشيء من ملابسه يضمه ويشمه وقال لإخوته أيضا «وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ 93» لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي، فأخذوه فرحين مسرورين قاصدين تبشير أبيهم به كما كدروه قبلا بفقده تكفيرا لما وقع منهم عنده، قال تعالى «وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ» عن أرض مصر وتوجهت لأرض كنعان «قالَ أَبُوهُمْ» لأحفاده ومن عنده من أهله «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ 94» تنسبوني إلى الخرف والهرم وقلة العقل والجهل، وأصل التفنيد ضعف الرأي فقال أفند الرجل إذا خرف وفند إذا جهل، قال الأصمعي: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو التفنيد، أي لولا تنسبوني لذلك لصدقتموني، قالوا إن الريح استأذنت ربها بإيصاله ريح يوسف إلى يعقوب على مدة ثمانين فرسخا ولا يبعد على الله تعالى إيجاد ريح القميص بحاسة يعقوب عليه السلام، أو أنه أمر ريح الصبا بنقل ريحه إليه حين أعطاه يوسف لإخوته، وما ذلك على الله بعزيز، قال أهل المعاني إن الله تعالى أوصل ريح يوسف عند انقضاء المحنة وحلول وقت السرور من محله إليه بلحظة واحدة ومنع دخول هذا إليه مدة أربعين سنة من نفس المحل، ليعلم خلقه أن كل سهل زمن الإدبار صعب، وكل صعب زمن الإقبال سهل ثم انهم لم يلقوا بالا لكلامه وأكدوا له ما ظنه فيهم إذ «قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ 95» الذي كنت عليه ولا تزال تلهج به من ذكر يوسف،

ص: 255

ولما سمع ما أجابوه به سكت واستحضر للبشارة مما ذكره، والضلال الذهاب عن طريق الصواب. قال تعالى «فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ» وهو يهوذا المار ذكره، لأنه هو الذي فاجأه بأن يوسف أكله الذئب وأعطاه ثوبه الملطخ بالدم المزيف، فأحب أن يقابل هذه البشارة بتلك الإساءة، قالوا وكان تقدم إخوته لهذه الغاية وأخذ معه سبعة أرغفة زادا، فوصل قبل أن يستوفي أكلها حلال ثمانين فرسخا، لشدة عدوه بالطريق بسائق فرحه وسروره، فبادر والده بالتحية والبشارة بحياة يوسف، وقال له هذا قميصه علامة على صحة قولي، ثم «أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً» بأن عادت له قوة النظر كما كانت، وانقلب ضعفه قوة ووهنه فطنة، وهذا من باب خرق العادة، وليس بدعا في هذا المقام، وقيل إنه انتعش فقري قلبه وازدادت حرارته الغريزية، فأوصل نوره إلى الدماغ وأداه إلى البصر، ومن هذا الباب استشفاء العشاق بما يهبب عليهم من جهة أرض المعشوق، قال:

ألا يا نسيم الصبح مالك كلما

تقربت منا فاح نشرك طيبا

كأن سليمى نبئت بسقامنا

فأعطتك رياها فجئت طبيبا

وأن هنا ليست بزائدة لأن الزائد عبث ولا عبث في القرآن لأنها أفادت تحسين اللفظ والتأكيد واستقامة وزن الكلام «قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 96» أنتم ولا غيركم ثم قال لهم كيف تركتم يوسف قالوا هو ملك مصر قال ما أصنع الملك على أي دين هو يعامل الناس هناك قالوا على الإسلام قال الآن تمت النعمة فانبسط وظهر على وجهه السرور «قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا» التي واوقعناها معك ومع أخينا يوسف وأخيه ولا تؤنبنا على ما مضى «إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ 97» معكم ومع الله «قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 98» لعباده التائبين أمثالكم وهو كثير المغفرة لعباده أجمع، واسع الرحمة، جدير بأن يعفو عنكم ولا يعاقبكم عما وقع منكم. قالوا إنه عليه السلام أخر طلب المغفرة لوقت السحر في ليلة الجمعة، لأنه أدعى للإجابة، وذكروا أنه قال اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لي ولأولادي مما أتوا إلى أخيهم وما أوقعوه فيه. فأوحى الله إليه

ص: 256

اني قد غفرت لك ولهم أجمعين، أما ما قاله عطاء الخراساني من أن طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ مستدلا بقول يوسف (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) إلخ، وقول يعقوب (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) فهو غير مطّرد، على أن يوسف نفى عنهم اللوم فقط، ووكل أمر المغفرة إلى الله، ويعقوب وعدهم بالاستغفار، لأنه من خصائص الله، وهذا من أدب الرسل، وأن يوسف طلب المغفرة لهم من الله فقط، لأن الوقف في الآية على كلمة اليوم كما نوهنا به آنفا في الآية 92 المارة، ولا عبرة بقول من قال إن الوقف على كلمة عليكم لأن الابتداء بكلمة اليوم يشمّ منه رائحة التحتم على الله بالمغفرة، ولا يتصور صدوره من مثل السيد يوسف والله تعالى لا يفرض عليه شيء بل هو الذي يفرض على خلقه إرادته الأنبياء فمن دونهم، قالوا ثم إن يوسف عليه السلام أرسل إلى أبيه مائتي راحلة وجهازا كثيرا مما يكفيه وأهله، وصار يترقب حضورهم، ثم ان أهل مصر صاروا ينظرون إليه بغير النظر الأول بعد أن تبين لهم أنه من آل إبراهيم حقيقة، وعظم بأعينهم، ووقر وقارا عظيما. بعد أن كان ينظر إليه بأنه عبد قيمته ثلاثون درهما، وقد اشتراه العزيز بمايتي درهم أي بعشرين دينارا وكانوا يحترمونه لعلمه وأدبه ومروءته وأخلاقه وكثرة عطفه على الفقراء ولطفه بالعامة وإكرامه الخاصّة بما هم أهله، لذلك تشرب حبه في قلوبهم لتلك المحاسن العالية والمكارم السامية. أما وقد علموا الآن أنه من بيت إبراهيم عليه السلام الذائع الصيت الذي يحبه أهل السماء والأرض بصورة لم يبق معها شك أو شبهة، وقد شاع هذا لدى أعاليهم وأدانيهم، فقد ازداد وقاره وتبجيله وتعظيمه وهيبته بأعينهم وقلوبهم، لأن الحاكم إذا كان عريقا في الحكم يعظّم في ثلاث جهات لأصالته ولتوليته ولعدله، وهناك خصلة رابعة هي كمال أخلاقه وعفته. قالوا ثم رحل السيد يعقوب وآله إلى مصر وهم كالجيش العظيم وتهيأ يوسف لاستقبالهم لما علم بخروجهم فخرج هو وفتيانه ووجهاء مصر وقادتها إلى فناء المدينة لملاقاتهم، وأخرج أهله وأولاده، وكان عدد المستقبلين أربعة آلاف نسمة عدا أعوام أهل المدينة وسوقتهم، وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك رئيس الوزراء لأنه بعد أن ولاه الملك وزارة المالية ودخلت أعوام الغلاء

ص: 257

ورأى تدبيره وعلو شأنه فوضه بإدارة الملك كله وجعله نائبا عنه. قال تعالى «فَلَمَّا دَخَلُوا» فناء المدينة «عَلى يُوسُفَ» وحاشية المستقبلين، وكان آل يعقوب ثلاثا وسبعين نسمة، عدا الخدم والرعاة والرحالة والمرضعات، وكان يعقوب أمامهم وعند ما أشرف عليهم ترجل، وأقام يهوذا عن يمينه، وروبيل عن يساره يتوكا عليهم، وشمعون وبقية أولاده وأحفاده وراءه صفوفا، فتقدم إليه يوسف، وهذا المراد بقوله تعالى «آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ» فضمهما لنفسه وعانقهما وصافح الباقين، وبعد أن صافحهم الوزراء والأمراء والوجهاء والقادة «قالَ» عليه السلام لأهله «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ 99» على أنفسكم وأموالكم وأنعامكم دون جواز لأن الكنعانين كانوا لا يدخلون مصر إلا بجواز من ملوكها، لأنها حكومة على حدة، وآمنين أيضا من

مخاوف القحط وهذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك، وهو داخل في الأمن لا في الدخول الثاني إلى المدينة والأول لفنائها، والثالث لقصر الملك، قالوا ثم تقدم آل يعقوب بموكب عظيم وسار وراءهم موكب الملك والناس وراءهما حتى دخلوا القصر، وهو معنى قوله تعالى «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ»

السرير الخاص بالملك «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» أبواه وأخواته والناس وراءهما، وهذه تحيتهم إذ ذاك وهو خضوع لحد الركوع كما هي تحية الأعاجم الآن، وليس المراد من السجود هنا وضع الجبهة على الأرض، والله أعلم، لأنه تحية العباد لرب العباد خاصة، فلم يكن لأحد قبل، ولا يكون لأحد بعد، وهذا وان كان زعم البعض غير جائز لأن اخوته الأنبياء مثله وأكبر منه سنا وفضلا عن أبويه، إلا أنه يتصور ذلك الزعم إذا كان أمرهم بذلك، أما وانه لم يأمرهم فقد انقضى ذلك الزعم، وقد وقع منهم ذلك بتقدير الله تعالى تحقيقا لرؤياه، فلا يقال كيف أجازه وقبله وكيف أقره ورضي به؟ مما يدل على هذا قوله عز قوله حكاية عنه «وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ» سجودكم هذا والحوادث التي تلتها «قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» في اليقظة قالوا وكان بين الرؤيا وتصديقها أربعون سنة كما مر في الآيتين 53/ 7، لأن الرؤيا فى الثانية

ص: 258