الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لفظ الأرض يطلق على إقليم منها كأرض مصر، راجع الآيات 21- 45 و 56 من سورة يوسف الآتية ومثلها في سورة المؤمن وغيرها، وإذ لم يرد حديث صحيح أيضا في ذلك ولا فيما نقلناه عن الأخباريين والقصاص، فلا يحق لمجادل أن يجادل فيه، وإن تنويه المؤرخين إذا لم يقصد بحديث لا عبرة به أيضا، إذ لا يوجد تاريخ يعتمد عليه قبل التوراة التي هي أول كتاب استمدّ منه المؤرخون أقوالهم. هذا وأما ما جاء في هذه القصة من حسن النظم وبداعة التركيب وبلاغة القول وفصاحة إيجازه واطنابه وخاصة هذه الآية 44، فحدّث ولا حرج، لأن البشر عاجز عن وصفه ولله در القائل في التنزيل وما جمعت آياته:
وعلى تفنّن واصفيه بحسنه
…
يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
ورحم الله الأبوصيري حيث يقول:
آيات حق من الرحمن محدثة
…
قديمة صفة الموصوف بالقدم
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا
…
عن المعاد وعن عاد وعن ارم
فما تعد ولا تحصى عجائبها
…
ولا تسام على الإكثار بالسأم
مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:
قال تعالى «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ» بعد أن خرج من السفينة هو وأهله ومن معه وتذكر ابنه كنعان ووعد الله في الجاء أهله «فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» وقد وعدتني بإنجائهم من الغرق «وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ» فلم أغرقته وأنت لا تخلف الميعاد ولم تستثنه «وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ 15» فاحكم لي بإنجاز وعدك، لأنك العادل في الحكم للعالم مما تحكم. قال هذا لأن الحاكم إذا حكم بالعدل ولم يعلم أنه عدل موافق للشرع بعد من أهل النار، لأنه بمنزلة العوارف الذين يحكمون برأيهم وبالقياس على أحكام من سلف من أمثالهم، لا يستند إلى كتاب سماوي أو تشريع نبوي أو قياس على أحدهما، فحكمه حكم الجاهل الذي يقضي بخلاف الحق، ولهذا قيل قاضيان في النار وقاض في الجنة، فالذي في الجنة قاضي عرف الحق وقضى به واللذان في النار هما الأولان، ولا فضل لحاكم على
غيره إلا بالعلم والعدل، ورب جاهل ظالم غشم في زماننا لقب بقاضي القضاة بمعنى أحكم الحاكمين كما لقب كافر بملك الملوك وهو مع كفره طاغ باغ، وأكره الناس على الله من تلقب بهذا، كما في الحديث الشريف إذ لا تليق هاتان الصفتان إلا برب العالمين «قالَ» تعالى «يا نُوحُ إِنَّهُ» ابنك الذي تذكرته وغرق مع من غرق «لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» الذين هم على دينك وليس هو داخل بالوعد الذي وعدتكه «إِنَّهُ عَمَلٌ» بالتنوين وقرىء بكسر الميم فعلا ماضيا أي عمل عملا «غَيْرُ صالِحٍ» وعلى القراءة الثانية تقرأ غير بالنصب على أنها مفعولة لعمل، وعلى القراءة الأولى وهي كون عمل مصدرا فتضم راء غير على أنها صفة للعمل، ويكون المعنى هو نفسه عمل غير صالح لأنه مشرك كافر هذا مبالغة في ذمه لإفناع نوح عليه السلام بأنه ليس من أهله، ولذلك أغرقته لكونه غير داخل في الوعد.
واعلم أن هذا القراءة جائزة لأنه لم يبدل ولم يغير منها حرف، كما أنه لم يزد ولم ينقص من حروف الكلمة، وإنما التبديل وقع فى الإعراب فقط، وكل ما كان على هذا من القراءات لا بأس فيه، أما ما يقع فيها تبديل أو نقص حرف أو زيادته فلا تجوز ولا تعد قراءة إذ هي تفسير لبعض الكلمات وردت من بعض الأصحاب أو كتبت على هامش مصاحفهم. تدبر هذا واعلم أن أهل الرجل من يجمعه وإباهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما، ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر، قال سبحانه وتعالى منزل هذه الآية لشريعته الثابتة في أزله إنه ليس من أهلك الذين هم على طريقتك وملّنك، لأنه لم يؤمن بك مثلهم، ولهذا فإن صريح الآية أبانت أنه ليس من أهله، وفي مثل هذا قال القائل:
لا ينفع الأصل من هاشم
…
إذا كانت النفس من باهله
لأن مدار الأهلية هو القرابة الدّينية وقد انقطعت بالكفر، ولذا لم يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر، ولا حجة بخبر سلمان منا أهل البيت فإن المراد به قرابة الدين وهي أقرب من النسب لكن في غير الإرث، قال أبو فراس:
كانت مودة سلمان لنا نسبا
…
ولم يكن بين نوح وابنه رحم
وقال الآخر:
لقد رفع الإسلام سلمان فارس
…
وقد خفض الشرك الحسيب أبا لهب
هذا ومن قال إنه ابن زوجته لا يلتفت إلى قوله بعد قول الله تعالى (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) وقوله (يا بُنَيَّ) و (إِنَّ ابْنِي) والقول في هذا كالقول بأن آزر عم إبراهيم مع صراحة القرآن بأنه أبوه كما سيأتي في الآية 74 من سورة الأنعام.
أما ما قيل إنه من البغي والعياذ بالله، فإنه قول باطل تتنزه ساحة الأنبياء عنه ويخشى على قائله الكفر، واستدلاله بقوله تعالى (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي من زوجتي لا من صلبي، استدلال واه لا قيمة له ولا عبرة به، كيف وقد سماه ابنه في الآيتين مرتين صراحة ولا بعد صراحة القرآن حاجة إلى تأويل أو كناية، وإنما قال عليه السلام من أهلي لأن الله تعالى وعده بإنجاء أهله وهو منهم على ظنه أن الكفر لم يخرجه من معنى الأهلية، لا لأنه كما زعم هذا القائل الجاهل بأحوال الأنبياء المبرئين من كل عيب مادي أو معنوي. أما ما استبعده بعض المفسرين من أنه لا يكون ابن النبي كافرا فبعيد عن الحقيقة، لأن قابيل كافر وهو ابن آدم عليه السلام، وإبراهيم خليل الله أبوه كافر. وقال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، ولا يقال كيف طلب النجاة له وهو كافر، لأن رقة الأبوة والأمل من نوبته عند رؤية أهوال الإغراق دعتاه إلى مناداته لعله يسلم وينجو، وهذا من موجبات الدعوة للغير فضلا عن الولد. قال تعالى «فَلا تَسْئَلْنِ» يا رسولي عن شيء «ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» جاء لنهي في هذه الآية عام مندرج تحته النهي عن سؤاله بعدم إنجائه بدليل الفاء التفريعية، وقد روي عن ابن عباس أنه قال:
ضمير إنه من قوله تعالى (إِنَّهُ عَمَلٌ) إلخ، يعود إلى المسألة المستفادة من معنى السؤال، أي مسألتك إياي يا نوح عن ابنك عمل غير صالح لا أرضاه لك، كما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه، وفي رواية جرير سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح.
ويستدل بهاتين الروايتين اللتين لم تعلم صحتهما القائل بأنه ابن بغي، ويقول إنما أعاد الضمير ابن عباس إلى المسألة حذرا من نسبة الزنى إلى من لا ينسب إليه، وهو رضي الله عنه أجل قدرا من أن يخفى عليه ذلك المعنى أو يتصور من عود الضمير
إلى ابن نوح ما تصوره هذا الجاهل بقدر الأنبياء، فيسند الضمير إلى من ليس له لئلا يتصور ما يلزم من ذلك المحذور، كيف وهو حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني كتاب الله بعد المنزل عليه ووحيه وخلفائه، فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ترهات كهذه تلصق بأعظم الرجال لتؤخذ عنهم وهم منها براء، ومن له مسكة من عقل أو لمعة من إيمان لا يصدق أقوالا كهذه بمجرد نقلها عنهم، لأن كثيرا من الدساس يفعلون هذا، قاتلهم الله وأخزاهم. قال تعالى «إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ 46» لمثل هذا وأنت من أصفيائي وكان عليه السلام لا يعلم أن سؤاله هذا محظور عليه، ولما علم مما أوحي إليه ربه أن طلبه نجاة ابنه وإدخاله في وعد ربه لا يرضى به ربه رجع واعتذر والتجأ إليه «قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ» بجوازه ورضائك به «وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي» جهلي هذا وخطئي بإقدامي على سؤالك شيئا لا يحق لي سؤاله، ولا يجوز لي طلبه البتة «وَتَرْحَمْنِي» بالعصمة عن العود إلى مثلها برحمتك التي وسعت كل شيء «أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ 74» عملا واحرسني يا سيدي من أن أذهل عن شكر نعمتك، فإن الذهول عنه عندها معاملة خاسرة توجب زوالها. واعلم أن لا دلالة في هذه الآية على عدم عصمة الأنبياء، لأن الله تعالى وعد نوحا بإنجاء أهله وقد اتبع ظاهر هذا الوعد فسأل نجاته، فعاتبه الله تعالى على ما ليس له به علم من استثنائه من أهله في سابق علمه، لأنه كافر مصر على كفره، وبين له أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم، وأعلمه بأنه هالك لا محالة مع قومه الظالمين أنفسهم، ونهاه عن مخاطبته فيه، وفي كل ما لا يعلمه مما يوقعه الله تعالى في ملكه، فخاف عليه السلام من إقدامه على سؤاله ذلك الذي لم يؤذن له به، فلجأ إلى ربه وسأله المغفرة حالا عن هذا الذنب الذي ليس بذنب عند غير الأنبياء، لأن العبد كلما ازداد قربا من الله تضاعفت خشيته منه، وقد جاء عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال أعلمكم بالله وأخشاكم له أنا. وذلك لقربه من ربه عز وجل، لأن في ازدياد قربه ازدياد معرفته بربه ووقوفه على بعض عظمته وكبريائه، فيزداد خوفه منه فيستعظم ما يقع منه مما يراه مخالفا للأدب، ولهذا المعنى قبل إن حسنات الأبرار سيئات
المقربين، وكما أن القرب من الله يكون سببا لكثرة أدبه معه فكذلك القريب من السلطان يكون أكثر من غيره أدبا وخوفا منه لما يرى من بطشه ولتأمين مقامه ومكانته عنده وعند الناس. هذا وليس في الآيات ما يقتضي صدور ذنب أو معصية من نوح عليه السلام سوى تأويله وإقدامه على سؤال ربه بنجاة ابنه، وهو مما لا يؤاخذ عليه ولا يستوجب العتبى إلا عتاب الأحباب، وقدمنا في الآية 121 من سورة طه في ج 1 ما يتعلق بعصمة الأنبياء ومعنى ما يصدر منهم فراجعه.
قال تعالى «قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ» بسفينتك على المحل الذي استقرت عليه وانزل إلى الأرض المستوية المعتدلة مما حول جبل الجودي «بِسَلامٍ» وأمان من الغرق وتحية «مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» من ذرية أهل السفينة، وهذه بشارة من الله تعالى إليهم بالنمو والخيرات وإلى قرون تجيء بعده، قال تعالى (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) الآية 17 من سورة الصافات الآتية، أي إلى يوم القيامة، لأن الخليقة الموجودة الآن منسوبة إلى أولاده الثلاثة سام وحام ويافث، ولهذا يسمى أبا البشر الثاني بعد الأب الأول آدم عليه السلام، وبهذا يستدل القائل بأن الطوفان عم الأرض كلها، وأن دعوة نوح شملت كل من كان عليها، قال محمد بن كعب القرظي دخل في هذه البشارة كل مؤمن إلى يوم القيامة.
وإلى هنا للتمهت قصة نوح عليه السلام التي قصها علينا في كتابة. ثم ابتدأ فقال «وَأُمَمٌ» كافرة يحدثون بعدك وينشأون ممن معك «سَنُمَتِّعُهُمْ» في هذه الدنيا بالسعة بالرزق والخفض في العيش والرفعة في الجاه مدة آجالهم «ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا» يوم القيامة جزاء أعمالهم السيئة «عَذابٌ أَلِيمٌ 48» وقال محمد المومى إليه دخل في هذا المتاع والعذاب كل كافر إلى يوم القيامة «تِلْكَ» القصّة التي قصصناها عليك يا محمد «مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ» في جملة الأخبار الغيبية «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» القرآن الذي جاءك به ذلك في جملة ما أنزلناه عليك منه، ولا يقال إن هذه القصة معلومة في في التوراة أو غيرها من الكتب فكيف صح قوله (ما كُنْتَ تَعْلَمُها) إلخ، لأنها كانت معروفة على الإجمال، ومنها ما هو بطريق الرمز والإشارة، أما على هذا
التفصيل فلم يوجد إلا في القرآن ولم يرد ذكرها على هذا الوضوح إلا به، ولأن حضرة الرسول أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يعلم ما في الكتب القديمة، وكذلك قومه جلّهم أمّيّون، ومنهم من لم يسمع بها أيضا، لأن الجهالة باختيار الأمم السابقة وكيفية إهلاكهم غالبة عليهم، فاندفع ما يقال وأخرس القائل. «فَاصْبِرْ» يا سيد الرسل أنت ومن معك من المؤمنين على أذى قومك وتحمل جفاهم حتى يأتي وعد الله، كما أن نوحا ومن بعده من الأنبياء صبروا حتى جاءهم وعد الله «إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ 49» ربهم الصابرين على ما يخبرهم به، فيكون لهم النصر والفوز، قال تعالى «وَإِلى عادٍ» أرسلنا «أَخاهُمْ هُوداً» في النسب، لانه منهم لا في الدين الذي نسبه أقرب ولا في الهوى الذي هو تبع لما جاء به حضرة الرسول القائل (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) وأشار إليه ابن الفارض رحمه الله بقوله فيه:
كم نسب في الهوى بيننا
…
أقرب من نسب من أبوي
وتقدم نسب سيدنا هود في الآية 65 من سورة الأعراف في ج 1 «قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» يستحق العبادة «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ 50» بعبادتكم غيره كاذبون بادعائكم أن الأصنام آلهة مختلقون ما تزعمون من الشريك له
«يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ» أي النصح الذي أسديه لكم وما أبلغه إليكم من رسالة ربي التي فيها هديكم وصلاحكم للخير وخلاصكم من الشر «أَجْراً» جعلا ولا أجرة آخذها منكم لقاءه، لتظنوا أن لي فيكم طمعا ما «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي» خلقني فهو الذي يرزقني في الدنيا ويثيبني في الآخرة «أَفَلا تَعْقِلُونَ 51» وعظي وتأخذون بقولي الذي أبذله لكم مجانا، وهل شيء أنفى للتهمة من هذا فكيف لا تقبلون رشدي؟ واعلم أنه ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم الرشد والنصح، وأن مما يمحضها للقبول هو حسم الطمع. وما دام الرسول لا يريد ولا يتوقع شيئا من هداه المادة يجب أن يركن إليه ويجاب دعاؤه، وإذا كان الناصح يجنح إلى المادة أو يتوهم منه طلبها من المنصوح له لا ينجح بدعوته ولا تنفع هدايته «وَيا قَوْمِ
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ»
مما أنتم عليه من الكفر وآمنوا به وحده «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» من الشرك ودواعيه، واخضعوا لعظمته وأنيبوا إليه «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» تباعا المرة بعد المرة، أي ينزل عليكم ماءها، إذ تطلق عليه لأنه نازل منها بالنسبة لما نرى وقيل في هذا المعنى:
إذا نزل السماء بأرض قوم
…
رعيناه وإن كانوا غضابا
والضمير في رعيناه يعود للغيث المتسبب عن نزول المطر، لأنه هو الذي يرعى لا المطر نفسه، وإنما وعدهم بالغيث لأن بلادهم أجدبت ثلاث سنين متوالية وذهب عنها خصبها بسبب عكوفهم على الأوثان وجنوحهم عن الواحد الديان وردهم دعوة رسوله، فوعدهم إذا هم آمنوا أن يرحمهم الله وبعيد لهم أرضهم خصبة كما كانت قبل المحل «وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ» وذلك أن الله تعالى غضب عليهم فأعقم نساءهم كما أمحل أرضهم، فوعدهم نبيهم بأنهم إذا آمنوا يعيد أرحام نسائهم إلى النتاج كما كانت عليه قبل أيضا، فيزداد عددهم وتقوى شكيتهم فتزداد قوتهم في المال والولد والرزق «وَلا تَتَوَلَّوْا» عني وتعرضوا عن نصحي فتكونوا قوما «مُجْرِمِينَ 52» متلبسين الإثم مصدر أجرم إذا أذنب وجنى ويأتي على فلة من جرم وعليه قوله:
طريد عشيرة ورهين ذنب
…
بما جرمت يدي وجنى لساني
«قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ» واضحة وبرهان ناصع وحجة ظاهرة ودليل قاطع على صحة قولك «وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ» المجرد عن المعجزة وتقول العرب حتى الآن (جئتني بإثمك) أي بلا شيء معك غير الكلام المجرد، وإذا كنت كذلك فلا نتبعك «وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ 53» فيما تقول أو تأتي به «إِنْ نَقُولُ» أي ما نقول «إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ» بجنون لأنك تسبّها فخبلتك انتقاما لكراهتها ففسد عقلك «قالَ» ألكم آلهة تفعل شيئا معاذ الله «إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ» على ما أقوله لكم «وَاشْهَدُوا» أنتم علي بأني أحقر آلهتكم وأجهلكم بعبادتها و «أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ 54» شيئا «مِنْ دُونِهِ» أي الإله الواحد الذي لا شريك له «فَكِيدُونِي جَمِيعاً»
أنتم وشركاؤكم «ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ 55» ولا تمهلوني لحظة واحدة إن صح قولكم إن لآلهتكم قدرة على إضرار من ينالها بسوء أو يصد عن عبادتها، وقد صارحتكم وأشهدتكم وتحديتكم فلا تتسامحوا معي مثقال ذرة، وهذا الحزم والعزم البالغان الغاية القصوى من معجزاته صلى الله عليه وسلم لأنه كان وحيدا فيهم ولم يهبهم على ما هم عليه من الجبروت لما هو عليه من الثقة بالله، ثم كر عليهم بالتحدي فقال «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ» بقصد التعريض بهم والتقريع بأوثانهم التي يزعمونها آلهة بأنها ليست برب لهم ولا يتوكل عليها وإن ربهم ورب شركائهم هو الله ربه ورب كل شيء «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها» مالكها وقاهرها وميسرها لما خلقت له وفاقا لسابق علمه بها، لأن من أخذت بشعر مقدم رأسه فقد قهرته والناصية هي مقدم الرأس، وأطلق على الشعر النابت فيها للمجاورة، وإنما خصها بالذكر لأن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذل قالوا ناصيته بيد فلان، وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزّوا ناصيته ليمنّوا عليه ويفخروا بذلك، فخاطبهم الله تعالى بما يعرفون، ثم أكد لهم ذلك بقوله عز قوله «إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 56» يسير فيه خلقه كلا بما يناسبه بحسب فطرته التي فطر عليها أزلا كما هو مدون في لوحه، لا تبديل لخلق الله، وهو جل شأنه عدل لا يضيع عنده معتصم، ولا يفوته ظالم، مطلع على أمور عباده، مجاز لهم بمقتضى أعمالهم، كالواقف على الجادة ليحفظها ويدفع الضرر عن المارين بها بالنسبة لما تعرفون.
وهذا كقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) الآية 14 من سورة والفجر، قال تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا» عنك وأعرضوا عن نصحك ولم يؤمنوا فقل لهم «فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ» من الله «إِلَيْكُمْ» وقمت بما أوجبه علي من تبشيركم وإنذاركم، فإن لم تسمعوا وتطيعوا فلا بد من إهلاككم «وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ» لإعمار أرضه وخلافته فيها «وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً» بتوليتكم عن طاعته وإنما تضرون أنفسكم «إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ 57» ومن جملة الأشياء أنا فإنه لا محالة حافظي من تعديكم بمقتضى وعده إياي بذلك وهو لا يخلف الميعاد وكل هذا لم ينجع بهم وبقوا مصرين على كفرهم فحق عليهم العذاب، قال تعالى «وَلَمَّا
جاءَ أَمْرُنا»
بإهلاكهم وحل أوانه المقدر لإنزاله بهم «نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» وهم على ما قيل أربعة آلاف «بِرَحْمَةٍ مِنَّا» ورأفة بهم، لأن البلاء إذا نزل بمدينة أو قوم عم الكافر والمؤمن، ولكن كرما منه تعالى وفضلا قد أنجى المؤمنين من عذاب الدنيا الذي أوقعه بقومهم عقوبة مقدمة ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى وأدوم «وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ 58» في الآخرة كما أنجيناهم من عذاب الدنيا، ووصفه بالغلظة لأنه عظيم بالنسبة لعذاب الدنيا، وكان إهلاكهم بالريح الشديدة مدة سبع ليال وثمانية أيام حسوما نحسات كما ذكر الله، راجع قصتهم مفصّلة في الآية 72 من سورة الأعراف في ج 1، وأشير إليها اجمالا في أكثر السور، وقد صادف ذكرها الآن خلال الأيام المذكورة المسماة عندنا بالعجوز والحسوم، إذ أن هذا اليوم من أوسطها يوم الخميس في 27 شباط سنة 928، وهذا من جملة الصدف التي وافقت تفسير بعض الآيات المشار إليها في هذا التفسير قال تعالى «وَتِلْكَ» القبيلة المهلكة هي «عادٌ» وسبب إهلاكهم هو أنهم «جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ» هودا فمن قبله «وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ 59» من رؤسائهم المتمردين على الله المترفعين عن قبول الحق عنادا «وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً» رديفا إلى لعنتهم في الآخرة الملمع إليها بقوله تعالى «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ» أتبعهم لعنة أيضا، وحذفت من الأخيرة لدلالة الأولى عليها راجع الآية 30 من سورة آل عمران ج 3، وبين سبب هاتين اللعنتين بقوله «أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ» ولم يشكروا نعمه «أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ 60» عطف بيان على عاد لأن عادا قبيلتان قبيلة هود وقبيلة عاد إرم أي العماليق المار ذكرهم في الآية 8 من سورة والفجر في ج 1، فقال تعالى هنا قوم هود ليزول الاشتباه أي أهلكوا هلاكا أي هلاك، فسحقا لهم وبعدا لا يدرى مداه، بدليل التكرار، لأن العنة معناها البعد أيضا فكررها بعبارتين مختلفتين دلالة على نهاية التأكيد، كما أن تكرار التنبيه بألا مع النداء المستتر بالدعاء عليهم يدل على التهويل وتفظيع حالهم، ويبعث على الاعتبار بهم والحذر من أفعالهم،
قال تعالى «وَإِلى ثَمُودَ» أرسلنا «أَخاهُمْ صالِحاً» بالنسب أيضا لأنه منهم