الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأن رزءه كان قاعدة الارزاء عنده، وقد أخذ بمجامع قلبه فصار لا يزول عن فكره ولا ينساه، وقيل في هذا:
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده
…
ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع
مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:
ولا يقال إن هذه شكاية منه عليه السلام ولا يليق بمنصب النبوة صدورها، لأنه عليه السلام إنما شكا أمره إلى الله لا إلى غيره، ولم يشتك من الله لأحد لأن باء النداء مختصة بالأسماء، فكأنه قال يا رب ارحم أسفي على يوسف، فكان غير ملوم، وشكواه إليه تعالى، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم «وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ» على أولاده للثلاثة «فَهُوَ كَظِيمٌ 84» الحزن ممتلىء القلب به لأنه لا يبثّه إلى أحد إلا إلى ربه، وقد غشى عينيه بياض من كثرة الدمع لا أنه عمي وفقد النظر فيها، لذلك فلا صحة لقول من قال إنه عمي، لأن العمى عيب والأنبياء مبرأون من جميع العيوب الحسية والمعنوية، وتؤذن هذه الآية بجواز التأسف والبكاء عند المصيبة، لأن الكف عن أمثال ذلك عند حدوث النوائب لا يدخل تحت التكليف، ويخرج عن الوسع والطاقة، فقد قل من يملك نفسه عند الشدائد، روى الشيخاني في حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم وقال إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون. وهذا فإن البكاء والحزن والتأسف بما دون الضجر غير منهي عنه شرعا، وإنما المنهي عنه ما يفعله بعض الجهلة من النياحة، ولطم الخدود، وضرب الصدور، وشق الجيوب، والتحمم، وتمزيق الثياب، وقص الشعر، ونثر التراب، وتخميش الوجه، ورويا أيضا من حديث أسامة أنه صلى الله عليه وسلم رفع إليه صبيّ لبعض بناته يجرد بنفسه، فأقعده في حجره ونفسه تنقعقع كأنها في شنّ، ففاضت عيناه عليه الصلاة والسلام، فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟ فقال هذه رحمة جعلها الله تعالى فيمن شاء من عباده، وانما يرحم الله من عباده الرحماء. وفي الكشاف: قال يا رسول الله تبكي وقد
نهيتنا عن البكاء؟ قال ما نهيتكم عن البكاء وانما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح وصوت عند الترح. وعن الحسن أنه بكى على ولد له أو لغيره فقيل له في ذلك فقال ما رأيت الله تعالى جعل الحزن عارا على يعقوب عليه السلام وقد ينشأ ذلك عن المحبة الشديدة التي تزيل من القلب الخواطر ويكون صاحبها كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الدعاء والتضرع له وقد يوصل ذلك إلى الكمال ويعد سببا للاستغراق في الله تعالى، قال تعالى «قالُوا» أولاد يعقوب الموجودون عنده لما رأوا شدة تأثره «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا» لا تزال «تَذْكُرُ يُوسُفَ» ولا تعتر عن ذكره «حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً» دنفا مشرفا على الموت ذائبا من الهم مضمحلا من الأسى «أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ 85» الميتين بسببه، وهذا من قبيل بناء الأمر على غالب الظن لما رأوا من حاله وكظمه غيظه، لأن تردد الحزن في الجوف مما يودي إلى الهلاك غالبا، فلا يقال كيف حلفوا على ما لم يعلموه، وإنما وقع من يعقوب عليه السلام هذا لأنه لم يقطع بوفاة يوسف كما ذكرنا آنفا، ولم يصدقهم بوقوع السرقة من بنيامين، وان زيادة صبره على يوسف وطول فراقه قد حزّ قلبه، وزاد في جزعه ما وصم به بنيامين فلا لوم عليه.
هذا، وحذف حرف النفي من تفتأ في جواب القسم تخفيفا لمعلوميته موضعها لأن تفتأ تدل على النفي المحض، فإذا دخلت عليها لا النافية صارت متمحضة للإثبات ولذلك قالوا إن نفي النفي إثبات، قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
…
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
لأن برح وفتيء ودام أخوات متمحضات للنفي، فإذا ادخل عليها حرف النفي تمحضت للإثبات، والحرض معناه في الأصل فساد الجسم والعقل من الحزن والهم حتى يكون مهزولا نحيفا، وهو مصدر حرض بكسر الراء، وجاء أحرض أيضا كما في قوله:
اني امرؤ لجّ بي حب فأحرضني
…
حتى بليت وحتى شقني السقم
ولكونه كذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، لأن المصدر يطلق على القليل والكثير والمؤنث والمذكر.