الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نزل بلغتكم، وأنتم أشدّ تمرنا في النظم واعتيادا بالنثر، وأكثر علما بالأمور الملائمة للطبائع البشرية وترض للنفوس بإعطاء كل ذي حق حقه، فإذا كنتم على هذه الحالة ولم تقدروا على إنشاء سورة من مثل هذا القرآن ولن تقدروا البتة، فاعلموا أنه من عند الله حقا، وأن لو اجتمعت الأنس والجن على الإتيان بمثله لعجزوا، لأن الآية منه نفسها معجزة والسورة خارقة للعادة، فكيف بالقرآن كله الذي لا يقدر على الإتيان بمثله غير الذي أنزله.
مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:
والفرق بين هذه الآية وآية البقرة عدد 23 في ج 3 واضح، لأن المراد هنا بسورة مثل القرآن والمراد بآية البقرة فأتوا بسورة من رجل مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وما قيل إن من هناك زائدة، قيل لا قيمة له، إذ لا زائد في القرآن، فكل قيل بزيادة حرف أو قصه في القرآن قيل غير سديد، وقائله قد زاد في حده وهو عن الحقيقة بعيد، فهنا تحداهم الله تعالى على الإتيان بسورة مثل القرآن بأحكامه وأخباره وبلاغته وفصاحته، وهناك على الإتيان بمثله من رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة معروف عندهم مثل محمد، لأنه أتى به على أميته المحققة عندهم، فكان معجزا بنفسه، كما أن الفرق بين هاتين الآيتين وآية هود الآتية بيّن، لأن تلك تحداهم بها للإتيان بعشر سور منه والإتيان من المخاطبين جميعهم أميهم وقارئهم، لأنه بعد أن تحداهم بكله في هذه الآية وفي آية الإسراء 89 المارة في ج 1 وظهر عجزهم تحداهم بأقلّ منه بأن طلب منهم الإتيان بعشر سور منه فقط، ولم يأتوا ولن يأنوا، فظهر من هذا أن كل آية مختصة بشيء لا تشمله الآية الأخرى «وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» لتستعينوا به على ذلك من أمثالكم وآلهتكم التي تزعمون أنها تمدكم في المهمات وتلجأون إليها في المهمات «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 38» في قولكم، لأنه يستلزم الإتيان بمثله من أفرادكم ويستلزم قدرتكم عليه، وفي هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن، لأنه عليه الصلاة والسلام تحدّى به على لسان ربه عز وجل مصاقع العرب بسورة ما منه، فلم يأتوا بذلك، وليعلم أن مجموع ما نزل حين هذا التحدي واحد وخمسون سورة، وقد تحداهم على الإتيان بمثلها، فلم يقدروا
لأنه أخبرهم قبل في الآية 89 من سورة الإسراء المارة في ج 1، بأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو عاون بعضهم بعضا، لهذا بعد أن تحداهم بأجمعه تحداهم بما نزل منه، ولما عجزوا تحداهم بعشر سور منه كما سيأتي في سورة هود في الآية 14 الآتية، قال تعالى «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» أي القرآن، لأن الخلق كلهم عاجزون عن الإحاطة بعلومه، فهؤلاء المكذبون أعجز من باب أولى، وقد سارعوا إلى تكذيبه من غير أن يتدبّروا ما فيه ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه كما وصف آنفا، ويعلمون أنه ليس من الممكن أن يأتوا بسورة مثله، والتعبير هنا بلفظ ما عن القرآن دون إن يقال بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه، للإيذان بكمال جهلهم، وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعليته ما في حيز الصلة له، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما، إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم، لأنه أبلغ «وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» أي ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوع برهانه إلى الآن وحتى بعد، بدليل النفي المتصل، وقيل ولما يأتهم بيان ما يؤول إليه من الوعيد الذي هددهم به الله أو ولم يأتهم تفسير ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يظهر أنه صدق أم كذب، وعلى هذا كله فالمعنى أن هذا القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة الإخبار بالغيب وهؤلاء الكفرة فاجئوه بالتكذيب قبل أن يتدبروا ألفاظه ويتفكروا في معناه، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة «كَذلِكَ» مثل تكذيبهم هذا الخالي عن التعقل والتأمل «كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أنبياءهم وما جاءوهم به من الكتب السماوية ولم يصدقوهم بما وعدوهم به «فَانْظُرْ» يا حبيبي «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ 39» أنفسهم من الأمم السابقة إذ عذبوا بأنواع العذاب بسبب تكذيبهم رسلهم، وإن من كذبك يا خاتم الرسل ستكون عاقبته عاقبتهم. وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول مما يلاقي من أذى قومه، وتحذير للناس بأن يجتنبوا الظلم لئلا يقعوا في مصيره السيء كما وقع الظالمون قبلهم.