الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:
وهذا القول أولى من القول إن هذه نزلت بحق الذين اقتسموا القرآن من الكفرة بقولهم سورة كذا لك وسورة كذا لي وهلم جرا على طريق الاستهزاء والسخرية، وأوفق من القول بأن هذا الاقتسام عبارة عن قول الكفرة سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين، وأنسب من القول بأنها في حق الكفار الذين اقتسموا عقاب مكة أي طرقها ووقفوا عليها ليخبروا المارة بأن محمدا كاهن ساحر أو شاعر متعلم وغير ذلك، ومما يؤيد الاول
قوله تعالى «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ 91» جمع عضضة تقول عضت الشيء إذا فرقته، وقيل جمع عضة وهي الكذب والبهتان والسحر أي جعلوه فرقا واجزاء، روى البخاري عن ابن عباس في هذه الآية قال هم اليهود والنصارى جزّءوه أجزاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، قال تعالى «فَوَ رَبِّكَ» يا حبيبي «لَنَسْئَلَنَّهُمْ» أي هؤلاء المتجاسرين على الكفر بالقرآن الذين يصدقون ببعضه ويكفرون ببعضه «أَجْمَعِينَ 92 عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ 93» في هذه الدنيا من هذا وغيره من جميع ما يقولونه فيك وفيّ وفي القرآن، كما أنا نسألهم عما كانوا يقولون في الكتب الأخرى، قال ابن عباس لا يقول الله لهم هل عملتم هذا لانه أعلم به منهم بل يقول لهم لم عملتم، وقد قدمنا أن القيامة أحوالا ومواقف مختلفة متباينة منها ما يسأل فيها ويجاوب، ومنها ما يحاجج، ومنها ما لا سؤال ولا جواب، ومنها سؤال بلا جواب، ومنها سكوت مطلق، ومنها ما يصار فيها إلى الاستنطاق من اللسان، ومنها من الأعضاء، ومنها ومنها، أجارنا الله منها، راجع الآية 54 من سورة يونس المارة والآية 82 من سورة النحل في ج 1، قال تعالى «فَاصْدَعْ» الصدع الشق والفصل قال ابن السكّيت لجرير:
هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم
…
بالحق يصدع ما في قوله حيف
وعليه يكون المعنى فرق يا أكرم الرسل بين الحق والباطل ويأتي بمعنى انفطر وانفلق وظهر أي اجهر واظهر وامض «بِما تُؤْمَرُ» به من تبليغ دعوة ربك إلى خلقه وأعلن رسالتك إليهم «وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ 94» لا تلتفت إليهم ولا تبال بلومهم، يحكى أن بعض العرب سمع قارئا يقرأ هذه الآية فسجد،
فقيل له في ذلك فقال سجدت لبلاغتها. وكان صلى الله عليه وسلم يعبد ربه وأصحابه المؤمنين خفية تحاشيا من أذى المشركين، فلما نزلت هذه الآية خرج هو وأصحابه وأعلنوا عبادة الله، ذكره عبد الله بن عبيدة وعبد الله بن مسعود، وكان هذا بعد إسلام عمر رضي الله عنه الكائن في السنة السادسة من البعثة بأربع سنين تقريبا، وما قيل إن هذه الآية منسوخة بآية السيف فليس بشيء، والمعول عليه أنها محكمة لأنها لا تتضمن الإقرار على ما هم عليه أو السكوت بل طلب الإعراض فقط إلى أن يأتي اليوم الذي قدر في أزل الله لقتالهم، وإذا تتبعنا أقوال هكذا بالنسخ نجد أن آية السيف وغيرها نسخت مائتي آية من القرآن العظيم، كما ذكره السيد محمد بن أحمد الجزّي بمقدمة تفسيره، ولكنها أقوال مجرّدة لا يعبأ بها تناقلها أناس عن آخرين دون مستند يطمئن إليه الضمير إذ لم يتكلم أحد في بحث النسخ زمن الرسول ولم يتطرق أحد لتفسير القرآن زمن الخلفاء الأربعة ولذلك وقع ما وقع من مثل هذه الأقوال التي مصدرها قبل وقال، قال تعالى «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ 95» فلا تخف أحدا منهم، ومن كان الله كافيه لا يخشى أحدا، نزلت هذه الآية في خمسة من كفار قريش، وهم المبالغون في إيذاء حضرة الرسول فأهلكهم الله جميعا وكفاه شرهم، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي مرّ بنبال فعلقت شظية من النبل بإزاره فمنعه الكبرياء أن يطأطئ رأسه فينزعها، فصارت تضرب ساقه فخدسته فمرض فمات، والعاص بن وائل دخلت في أخمصه شوكة فقال لدغت وانفخت رجله فمات، والأسود ابن عبد المطلب عمي بدعوة الرسول عليه، والأسود بن عبد يغوث أصابه خبال فصار يضرب رأسه بالشجر ووجهه بالشّوك حتى مات، والحارث بن قيس صار يتمخط قيحا ولم يزل حتى مات، وهؤلاء الخمسة الذين تفانوا في الاستهزاء والسخرية، وقد أهلكهم الله في الدنيا هم «الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ 96» عاقبة أمرهم الوخيمة، وفيها تهديد عظيم لشؤم حالهم في الآخرة على كفرهم واستهزائهم بأفظع ممّا جوزوا عليه في الدنيا. قال تعالى «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ 97» من الفحش فيك وفي ربك
وكتابك مما تأباه الجبلة البشرية، فلا تلق لهم بالا وأعرض عنهم واشتغل بما يفرج انقباضك ويشرح صدرك من عبادة ربك المطلوب فعلها دائما من عباده، قال تعالى (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) آخر سورة الإنشراح في ج 1، «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» أيها الرسول واستمر على تمجيده وذكره وتنزيهه وأفزع إليه فيما ينوبك بأسباب التقرب إليه «وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ 98» المتواضعين المخبتين له أي كن من المصلين المداومين على الصلاة وعبر بالجزء الذي هو السجود عن الكل الذي هو الصلاة وهو من محسنات البديع، كما عبر بالكل عن الجزء في قوله تعالى (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) أي رءوسها كما سيأتي في الآية 18 من سورة البقرة في ج 3، وذلك لأن الصلاة تنور الباطن فيشرق القلب وينكشف له المغيبات وينفسح الصدر فيزول ما فيه من هم وغم وكدر، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده بأن كل من أصابه حزن أو جزع من أمر ما أن يسرع للتسبيح والصلاة، وهكذا كانت عادته صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر بهما من الله له مع أنه لا يفتر عنهما لاستدامة استمراره عليهما وليعلم بهما أمته. هذا وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة «وَاعْبُدْ رَبَّكَ» وأدم عبادته لا تتركها بحال من الأحوال «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ 99» الذي لا شك فيه وهو الموت، وهذه على حدّ قوله تعالى (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) الآية 32 من سورة مريم المارة في ج 1، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة ولا مثلها في
عدد الآي وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من اللطف به عليه السلام والإشعار بعلة الحكم أي وهي الأمور المذكورة ضيق الصدر والتسبيح والتحميد والسجود والعبادة والموت. هذا والله أعلم، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.