الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يمينا وشمالا، فوجدوه عند السيارة، وتحدثوا بينهم عما يقولون، فاتفقوا على أن قالوا هذا عبدنا أبق ونظروا إليه وهددوه بالقتل إن هو كذبهم، فاعترف لهم بذلك خوفا منهم لما ذاق من ضرهم، لا سيما وقد أشار إليه يهوذا بذلك وهو أرقهم عليه وأرأفهم به، إذ لم ير العطف إلا منه، وهو الذي خلصه من الذبح من يد روبيل، وإذ ظهر للسيارة أنه عبد لهم بسكوته على قول إخوته وسكوته قبلا على قول الذي أخرجه من البئر طلبوا بيعه منهم، فاتفقوا على ذلك.
مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:
قال تعالى «وَشَرَوْهُ» منهم «بِثَمَنٍ بَخْسٍ» ناقص عن قيمة أمثاله فيما لو فرض أنه عبد أو مبخوس حرام، لأنه حر لا يجوز بيعه «دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ» إشارة إلى قلتها، قالوا هي ثلاثون درهما، لأنهم كانوا يعدون ما دون الأربعين، والأربعون أوقية فيزنونها وزنا، وفي هذا المبلغ عينه دلّ يهوذا الأسخريوطي اليهود على عيسى ليغتالوه، فألقى شبهه عليه، رفداه الله به، فقتل ورفع عيسى إلى السماء كما ستوضحه في الآية 58 من النساء في ج 3، «وَكانُوا فِيهِ» أي تساهل أخوة يوسف في أمره حتى جعلوه عبدا وباعوه بقيمة بخسة بما يدل على أنهم «مِنَ الزَّاهِدِينَ 20» فيه الراغبين عنه لبقاء حنقهم عليه، قالوا وبعد أن قبضوا ثمنه من السيارة قالوا لهم استوثقوا منه لئلا يهرب منكم كما أبق منا، قالوا وسبب بيعه لهم لأنهم لم يقدروا على أخذه من السيارة لكثرتهم، ولم يقدروا على قتله بعد أن صار بأيديهم، وتأسوا بقولهم قد حصل ما كنا نريده من تغريبه والذين أخذوه من أهل مصر، وهي بعيدة عنا فيكون فيها بحكم المعدوم لعدم إمكان وصول خبره إلى أبيه، فتركوه وذهبوا ولما وصلوا إلى مصر باعوه إلى العزيز خازن ملكها الريان بن الوليد بن يزوان من العماليق بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين، هذا ولم يوقع الله في قلوب أخوته أن بيعه للسيارة قد يفضي إلى مجيئه أو إعلام أبيه به، ولم يوقع في قلوبهم أن ردوه إلى أبيهم واعتذروا له وأزاحوا عن قلبه الغم والهم الذي حل فيه من أجله
بل أوقع في قلوبهم أنه صار بحكم الميت وأن حجتهم التي احتجوا بها لأبيهم تمت لئلا يظهر كذبهم لأمر أراده الله، ولا يكون إلا ما أراده، وقد اشتمل عمل أولاد يعقوب بأخيهم على عدة جرائم: 1- قطيعة الرحم 2- وعقوق الوالد 3- وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له 4- والغدر بالأمانة 5- وترك الوفاء بالعهد 6- والكذب 7- وبيع الحر 8- والافتراء بأنه عبد أبق منهم 9 وقصد القتل دون جرم 10- واجتماعهم على هذه الخصال التي كل واحدة منها موجبة لغضب الله فضلا عن كذبهم على أبيهم فيما أخبروه به، ومع هذا فإن الله واسع الرحمة عفا عنهم وشرفهم بالنبوة وبارك في ذريتهم وجعل فيها الملك والنبوة، وذلك لصلاح والدهم وعفوه عنهم واستغفاره لهم واستغفار أخيهم لهم وعفوه عنهم حال القدرة، فصلاح الوالدين نافع بالدنيا والآخرة
قال تعالى (أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية 20 من الطور وبمعناها الآية من سورة المؤمن والآية 141 من سورة الكهف الآتيات، ألا فلا يقنط أحد أو بيأس من رحمة الله ولو عمل ما عمل إذا تاب وأصلح ورد المظالم لأهلها، راجع ما قدمناه في الآية 70 من سورة الفرقان ج 1 وهذا من عظيم فضل الله الذي ألمعنا إليه في الآية 12 من سورة القصص وقرىء يا بشراي أي على إضافة البشرى لنفسه، أو على كونه اسم غلام عنده، وبعضهم أعاد ضمير (وَشَرَوْهُ) إلى مالك المذكور وبعض رفاقه من السيارة، أي خبأوه وجعلوه بضاعة ليبيعوه ويختصوا بثمنه دون بقية السيارة، وبعضهم فسر (شَرَوْهُ) بباعوه، وما مشبنا عليه أوفق لظاهر القرآن وأنسب للمعنى. قال تعالى «وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ» بعد وصوله إليها واسمه قطفير ويلقب بالعزيز «لِامْرَأَتِهِ» زليخا بنت يمليخا وقيل راعيل بنت رعابيل، ومقول القول «أَكْرِمِي مَثْواهُ» إقامته عندك وقدمي له أحسن الطعام والشراب واكسيه أفخر الحلل وا أمري له بألين الفراش لأن فراستي فيه عظيمة ونحن ليس لنا ولد «عَسى أَنْ يَنْفَعَنا» في مصالحنا أو نربح به إذا أردنا بيعه «أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً» إذا تبين لنا صلاحه، وكان لا يولد لها وذلك لما رأى من سيماه وأخلاقه وما هو عليه من الحسن والأدب، قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف، وابنة شعيب في موسى،
وأبو بكر في عمر حين استخلفه على الأمة عند موته رضي الله عنه «وَكَذلِكَ» مثل ما أنجينا يوسف من القتل وأخرجناه من البئر وعطفنا عليه قلب العزيز «مَكَّنَّا» جعلنا قرارا ومكانة ومقاما عظيما كريما «لِيُوسُفَ» الصديق الصابر «فِي الْأَرْضِ» من مصر تمكينا ثابتا، وجعلنا له فيها منزلة راسخة عليه عند عزيزها حتى إنه أمر امرأته بإكرامه وعلمها بكرامته عليه دون سائر حاشيته وغرسنا حبه في قلبه وقلب زوجته حتى صار مقربا عندهما على غيره من الخدم وصارا ينظران إليه بصفة ولد «وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» بغير الرؤيا التي هي السبب في خلاصه ممّا سيبتلى به من السجن وبراءته مما يتهم به، ونملكه على مصر، إذ أن الملك سيفوضه بكل شيء ويقيمه مقامه كما سيأتي «وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ» الذي شاءه ليوسف عليه السلام، وهو المتولي عليه لا يكله إلى غيره حتى يبلغ منتهاه من الدارين، وهو الذي يفعل ما يشاء له ولغيره، ويفعل ما يريد لا رافع لأمره ولا راد لقضاه، ولا يغلبه غالب، وهو الذي يبلغه ما قدره له في علمه ويخلصه مما يبتلى به، وأعاد بعض المفسرين ضمير أمره إلى يوسف، ولا مندوحة فيه، لأنه غالب على أمر يوسف وغيره وكافة خلقه «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 21» صنع الله في يوسف وما يراد منه أن يكون، وعلم ذلك منوط به وحده، «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ» تقدم معنى الأشد في الآية 212 من سورة القصص في ج 1 «آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً» يقضي به بين الناس بحسب شريعة آبائه لا بمقتضى ما يراه من ملكه لأن الأنبياء يلهمون خلقة من حين الولادة، فضلا عن أنه عليه السلام نبىء بالبئر كما مر وهو في الثامنة عشرة من عمره، وأدخل في السجن وهو أبن ثلاث وثلاثين، كما نبىء عيسى بالمهد ويحيي في السابعة من عمره، راجع الآيتين 41 من سورة مريم، و 1 من سورة طه في ج 1، فالنبوة سابقة لهذا، وما قيل إنه حين ألقي بالجب كان عمره عشر سنين ضعيف إذ يكون بقاءه في الجب ثماني سنين، ولم يقل به أحد، وقيل إن المراد بالحكم هنا الحكمة، وهي في لسان الشرع العلم النافع المؤيد بالعمل، لان العلم بدون العمل لا يعتدّ به، والعمل بخلاف العلم سفه، والمراد بالعلم هنا تأويل الرؤيا، والأولى أن يؤول الحكم
على ما جرينا عليه كما عليه أكثر المفسرين، والمراد بالعلم الفقه بالدين لأنه عليه السلام كان يرجع إليه جل أهل مصر في أمورهم، حتى إن العزيز صار يحيل من يأتي إليه ليتحاكم مع خصمه إلى يوسف لما رأى من حدة عقله وإصابة رأيه، لهذا فإن ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما إن المراد بالحكم هنا النبوة وبالعلم الشريعة وجيه أما القول برسالته فلا، لأنه أرسل بالسجن، وكذلك القول بأنه أعطي شريعة خاصة أو أنزل عليه كتاب، وهذا يقال
إذا كان هناك نص صريح يستند إليه، وليس فليس، «وَكَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الحسن «نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 22» في هذه الدنيا الصابرين على النوائب أمثال يوسف عليه السلام، وفي الآية إعلام بأنه كان محسنا في أعماله متقنا مسالك التقوى والورع في عنفوان شبابه، ومن هنا قال الحسن من أحسن عبادة الله تعالى في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله، قال تعالى «وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها» خادعته ودعته لنفسها وطلبت منه أن يواقعها، والمراودة مفاعلة من راد يرود، إذا جاء وذهب «عَنْ نَفْسِهِ» الطاهرة الزكية وجيء بعن بدل من دلالة على أن السيدة زليخا زوجة العزيز نازعته في ذلك لما هو عليه من حسن الأدب والصورة، بأن صارت تطلب منه الفعل وهو يطلب الترك، كما تقول جاذبته عن كذا، لأن عن، تدل على البعد، فكأنها تجذبه لنفسها جذبا بالغا وهو يتباعد عنها تباعدا مقصودا. وهذا إعلام بكمال نزاهته وإظهار عفته، لأن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لحسنها وقربه منها مثبت لذلك، وأن استعصاءه عليها مع كونه تحت يدها يؤذن بأنه في أعلى معارج العفّة ويعلن أنه بأسنى درجات النزاهة، كيف لا وقد شرفه الله بالنبوة وزاده عليها الحكم بين الناس وتعبير الرؤيا؟ ولما رأت عدم رغبته بما طلبته ناشىء عن أمر قلبي كرهه في تنفيذ طلبها غضبت عليه، وجرته لداخل الدار «وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ» عليه، واعلم أن تضعيف الفعل يدل على التكثير، أي أنه ليس بابا واحدا بل أبواب كثيرة، قالوا إنها سبعة، واحد داخل الآخر والتفتت إليه «وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ» تعالى أقبل إلي، فقد هيئت لك، وهي لغة حوارن إذ ذاك، أي هلم أفعل ما آمرك به، وفيها معنى الحث على الفعل، وقيل إن هيت بالعبرانية. بمعنى تعال فعرّبت
إلى هيت لك، أو أنها في الأصل كلمة عربية وافقت العبرانية كما وافقت لغة العرب لغة الروم في القسطاس، ولغة العرب لغة الفرس بالتنور، ولغة العرب لغة الترك في الغسّاق، ولغة العرب لعة الحبشة في ناشئة الليل من باب توارد اللغات، وقد مر لك تحقيق هذا وغيره من الكلمات المقول فيها أنها أجنبية مفصلا في الآية 182 من سورة الشعراء في ج 1، وقرىء هيئت لك بالهمز، أي تهيأت، وهو اسم فعل مبني على الفتح كأين، وما قيل إنها سريانية أو قبطية أقوال لا مستند لها إلا استعمالها، وإن استعمالها في اللغات الأخرى لا يدل على أنها منها دلالة قطعية، لأن اللغات متداخلة بعضها في بعض، والأحسن أن يقال عربية استعملها الغير كما أوضحناه هناك. ولما سمع عليه السلام منها ذلك ورأى عزمها عليه من حالها وتعليق الأبواب عليه ولا محل للهرب منها، صدّ عنها وولاها ظهره وصارحها بقوله «قالَ مَعاذَ اللَّهِ» اعتصم به وألجأ إليه ممّا دعوتني إليه وتريدينه مني «إِنَّهُ» زوجك العزيز «رَبِّي» ربّاني تربية حسنة وأكرمني و «أَحْسَنَ مَثْوايَ» عنده وأمرك بإكرامي، وقد عظمت منزلتي عنده وجلّ مقامي لديه وفوضني القضاء بين الناس قصدا لعلو شأني عندهم، وأنت زوجته ولك من الحق عليّ مثل ما له، فإن خنته فيك فأنا ظالم من وجهين لإقدامي على ما هو محرم وخيانتي لمن له فضل علي لأني عشت بنعمته «إِنَّهُ» أستعيذ به وألجأ إليه هو الله ربي وربك ورب العالم أجمع «لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ 23» عنده ولا يفرزون بالنجاح لديه والزناة يؤوبون إليه بخسران سعادة الدنيا والآخرة. وهذا منه عليه السلام اجتناب ما وراءه اجتناب وامتناع ما بعده امتناع، لأنه قد علله من جهات أولا أنه منكر فاحش يجب أن يعاذ منه بالله ويلجأ إليه بالخلاص من قربانه لما علم بتعليم الله إياه من قبحة وسوء عاقبته، ثانيا أن زوجها سيده وقد أحسن إليه وأوصاها بإكرامه فكيف يمكن أن يسيء إليه بالخيانة، وهو سبب ظاهري ذكره لها علّه أن يؤثر فيها وتتأثر منه فتردع وتزجر نفسها مما سولت لها به، ثالثا أن من يفعل هذا الفعل الخبيث يكون ظالما محروم الظفر بالبغية الطيبة والسعادة ورفاه العيش في الدنيا والآخرة. وأن إجابة طلبها في غاية الخسة ونهاية الرذالة تجاه من يتعاهده بالخير ويعطف عليه، وكل هذا