الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضرب المثل فيها إذ لا يتصور الرّد في الشرك منه رضي الله عنه كما لا يتصور لحضرة المخاطب في هذه الآية ان يدعو أحدا أو شيئا من دون الله وعليه يكون المعنى أيليق بنا معشر المؤمنين ذلك على طريق الاستفهام الإنكاري أي كلا لا يليق أبدا فيا أكرم الرسل «قُلْ» لهؤلاء التائهين الحائرين «إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى» الموصل إلى المطلوب الذي ما وراءه ضلال البته فاتبعوه أيها الناس تهتدوا فما بعده إلا الضلال فهلموا إليه لأنا الزمنا «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ» وننقاد «لِرَبِّ الْعالَمِينَ 71» لا لغيره ونخلص له العبادة وحده ونرفض ما سواه، قال تعالى «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ» المفروضة عليكم أيها المؤمنون «وَاتَّقُوهُ» أن يراكم ذلك الرب العظيم حيث نهاكم فهو الذي بدأ خلقكم «وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ 72» يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذا الإله الجليل الذي أنشأكم من لا شيء «هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» خلقا متلبسا «بِالْحَقِّ» لا باطلا ولا عبثا «وَيَوْمَ يَقُولُ» أي اذكر يا محمد لقومك عظمته وقدرته وأخبرهم بأنه إذا أراد إيجاد شيء أو إعدامه يقول له «كُنْ فَيَكُونُ» حالا بين الكاف والنون «قَوْلُهُ الْحَقُّ» الذي لا مرية فيه ولا تخلّف له «وَلَهُ الْمُلْكُ» بما فيه فلا ترى في ذلك اليوم الذي تجتمع فيه الخلائق من يدعيه وكل من كان له ملك في الدنيا من الجبابرة والملوك يتنصّل عنه إذ يكون الكل لله «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ويسمى بوفا وتسميه العامة (طواطه)
مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما الصور؟ قال قرن ينفخ فيه أخرجه أبو داود والترمذي وهو بلغة أهل اليمن ومن هنا اتخذه الملوك وجعلوا النداء به علامة على الجمع والطلب وغيره، أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنتم وقد النقم صاحب القرن القرن وحنا جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله فقال كيف نفعل يا رسول الله وكيف نقول قال قولوا حسبنا
الله ونعم الوكيل على الله توكلنا، وهذا أحسن من تفسيره بأنه جمع صورة والنفخ فيه إحياؤها لعدم ما يؤيده ولأن جمع الصورة صور بفتح الواو ولم يقرأ بهذه القراءة إلا قتادة راجع الآية 68 من سورة الزمر الآتية تجد ما يتعلق بهذا مفصلا، واعلموا أيها الناس أن هذا الإله الكبير الفعال لذلك كله وكل شيء هو «عالِمُ الْغَيْبِ» الأسرار الخفية «وَالشَّهادَةِ» الأمور العلنية لا يخفى عليه شيء من أعمال وأقوال خلقه «وَهُوَ الْحَكِيمُ» في تدبير خلقه «الْخَبِيرُ 13» بما يصلحهم وما يفعلونه ويكتمونه لا يخفى عليه شيء أبدا «وَ» اذكر لقومك يا سيد الرسل «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» قيل هذا لقبه واسمه تارخ مثل يعقوب وإسرائيل، وإنما سماه الله بلقبه دون اسمه لأنه مشهور به أكثر من الاسم وهذا أي كون آزر أباه لا عمه أصح ما قيل في هذا من أقوال كثيرة بدليل ما أخرج البخاري في افراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر فترة وغبرة، فلم يبق للقول بأنه عمه قيمة ما بعد صراحة القرآن والحديث وقد ثبت أن اسمه الشائع هو آزر كما جاء نصا لا تارخ كما يقال، ثم بين ما قاله لأبيه يقوله يا أبت «أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً» من دون الله الواحد «إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ» السائرين على سيرتك «فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 74» ظاهر لا يخفى على أحد ممن له مسكة من عقل أو ذرة من إدراك فقال له إذا نحن في ضلال قال لأنكم تعبدون حجرا وأخشابا لا تضر ولا تنفع، وإنما ذكر الله تعالى حبيبه في هذه القصة توبيخا لقومه الذين يعبدون الأوثان وتعريضا للاحتجاج عليهم بها لأنهم كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام المعظم لدى كل أمة «وَكَذلِكَ» مثل ما أريناه قبح الشرك وعرفناه فيه «نُرِي إِبْراهِيمَ» جاء بالظاهر بدل المضمر إذ صرح باسمه تعظيما له ولهذا لم يقل «مَلَكُوتَ» مبالغة ملك كالرحموت مبالغة الرحمة والجبروت والرهبوت والرغبوت مبالغة الجبر والرهبة والرغبة زيد في بعضها الواو والتاء وفي بعضها الواو فقط وفي بعضها التاء للمبالغة كما زيد في طالوت وجالوت وهاروت وماروت وأصلها الطول والجول وهار ومار أي تطلعه على ما في «السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» من عجائب ولطائف وبدائع وذلك لما أراه الله تعالى أن أباه وقومه
على غير الحق انتقدهم وخالفهم فجزاه الله تعالى بأن فرج له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى إلى العرش والكرسي وفرج له الأرضين فنظر فيهن حتى أسفلهن ورأى ما فيهن من عجائب وبدائع أيضا ليطمئن بعلم ما فيهن «وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 75» بخالقهن إيقانا كاملا زيادة على إيقانه على حد قوله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) الآية 135 من النساء في ج 3، واعلم أن الإيقان عبارة عن علم يحصل بالتأمل بعد زوال الشبهة لأن الإنسان أول أمره لا ينفك عن شبهة وشك فإذا كثرت الدلائل عليه وتوافقت البراهين وتطابقت الحجج صار سببا لحصول اليقين والطمأنينة في القلب فيعلمه حسا كما علمه خبرا ويلمه فعلا كما تكلم به قولا ويراه عيانا كما سمعه بيانا، قال البغوي وروي عن سلمان ورفعه إلى علي عليه السلام قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر رجلا آخر فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال تبارك وتعالى يا إبراهيم أنت رجل مجاب الدعوة فلا تدعو على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته وفي رواية وإن تولى فإن جهنم من ورائه وظاهر القرآن أن هذه الرؤية بصرية لا قلبية إذ لا يوجد ما يصرفها عن الظاهر الحقيقي ولا يجنح إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة تأمل قوله تعالى «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» أظلم وغطّى كل شيء بسواده لأن الجنّ في الأصل الستر عن الحاسة ولمّا أمعن عليه السلام النظر في السماء «رَأى كَوْكَباً» هو الزهراء لأنها من القدر الأول من حيث قوة نورها كالسماك الأعزل والدبرين راجع الآية 36 من سورة الحجر المارة تعلم هذا «قالَ هذا رَبِّي» يخاطب أهله وقومه ويستفهم منهم على طريق الإنكار والاستهزاء لأنهم كانوا يعبدون الكواكب وقد صنعوا لكل كوكب صنما بما يناسبه ووضعوها في بيت العبادة ليسجدوا لها ويطلبوا حاجتهم منها وكأنهم قالوا له إنه أحد الأرباب «فَلَمَّا أَفَلَ» غاب وتوارى «قالَ» لهم «لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ 76» لأن حق الرب أن يكون باقيا أبدا حاضرا لإغاثة مربوبيه ثابتا لا يتغير لأن من يتبدل أو يتغير من حال
إلى حال أو يغيب كهذا لا يستحق العبادة فكيف تتخذونه ربا وهو يطرأ عليه ما يطرأ على المخلوق فلو كان ربا لصان نفسه من ذلك قالوا لنا رب أكبر منه «فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً» طالعا خاطبهم أيضا «قالَ هذا رَبِّي» الذي تزعمون أنه أكبر من ذلك قالوا له نعم «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ» لهم هذا وذاك سواء وكل منهما لا يصلح للربوبية وإني «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي» إلى الطريق القويم المؤدي إلى معرفة حقيقته وهذا على حد قوله تعالى (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) الآية 43 من سورة يس المارة في ج 1 أي لئن لم يهدكم ربكم وهو أبلغ في قبول الدعوة وهذا القول منه على سبيل إرخاء العنان مجاراة لأبيه وقومه المولعين بعبادة الكواكب لأن المستدل على فساد قول يحكيه أولا ثم يكر عليه بالابطال ثم نبه قومه بما خص به نفسه وعناهم بقوله جوابا لقسمه «لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ 77» إذا اتخذت ربا سواه لأن هذين الكوكبين لا تصلح للألوهية لأنهما مسيرتين مسخرتين فإذا اتخذتهما إلها فأنا ضال إذا يريد بهذا أباه وقومه، قالوا له إن لنا ربا أكبر وأكبر من هذين «فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ» من الزهراء والقمر حقيقة «فَلَمَّا أَفَلَتْ» كالأولين وتوارت عن الأنظار ومحي نورها ولم يبق له أثر بعد غيابها «قالَ يا قَوْمِ» هذا أيضا ليس بإله لأنه اعتراه ما اعترى الأولين لذلك أقول لكم «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ 78» في الإله الواحد الذي لا يتغير ولا يطرأ عليه ما يطرأ على خلقه مما هو قابل للتحول والانتقال فيتأثر بعوامل طبيعية وغير طبيعية وقد نبههم على خطأهم هذا فيما يعتقدون ألوهيته تدريجا وأفهمهم بأنها غير صالحة للعبادة وأرشدهم إلى النظر والاستدلال واحتج عليهم بالأقوال دون البزوغ مع أن كلا منهما انتقال وتبدل من حال لآخر لأنه أبلغ وأظهر لكونه انتقال مع خفاء واحتجاب، والبزوغ انتقال مع وضوح وظهور، وقد أراد عليه السلام إبطال قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لوصرح لهم بالدعوة إلى الله رأسا لم يقبلوا ولم يلتفتوا إليه فمال إلى طريق استدراجهم لاستماع هذه الحجج لأنه ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئنا بالإيمان