الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيء من الأطعمة عند من يحسن عمله، وفي تقديم العجل كله إشارة إلى استحباب تقديم الأكل إلى الضيفان بزيادة عن كفايتهم، ومنه عليه السلام أخذت عادة تقديم الذبيحة كلها إلى الضيوف والإسراع بتقديم القري لاحتمال أنهم جياع، وذلك من آداب الضيافة لما فيها من الاعتناء بالضيف، وهذا من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ومن دلائل الإيمان.
مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:
روى البخاري ومسلم عن ابن شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ورويا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. وفي خبر آخر قال صلى الله عليه وسلم: من ذبح لضيفه كانت فداءه من النار.
ومن السنة تلقي الضيف بطلاقة وجه، لأن البشاشة خير من القري، وأن يبالغ في خدمته بنسبته، لأن زيادة التواضع تخاسس، والعرب لا شك لا تألو جهدا في هذا الشأن، حتى أن أحدهم ليستدين ويكرم ضيفه، إلا أن التكليف للضيف بغير المستطاع مكروه، قال صلى الله عليه وسلم: أنا وأنقياء أمتي براء من التكلف، وقد جاء عن أنس وغيره من الأصحاب أنهم كانوا يقدمون الكسرة اليابة وحشف التمر ويقولون ما ندري أيها أعظم وزرا الذي يحتقر ما قدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه، وأن يخدمهم بنفسه، كما فعل إبراهيم عليه السلام، ويظهر لهم السرور ويأكل معهم، ويطيل الحديث على الأكل، ولا ينظر إلى أكلهم، ويكرم دوابهم وخدمهم إن كان ذلك ليزدادوا سرورا، ومن السنة أن يحدث أضيافه بما يسرهم، وأن يقدم الألوان دفعة واحدة، أو يخبرهم بها ليأكل مما يشتهيه، وأن يشيعهم إلى باب الدار إن كانوا من أهل البلد، وإلى آخره إن كانوا غرباء عنه، ولهذا البحث صلة في الآية 44 من سورة الذاريات، والآية 5 من سورة الحجر الآتيتين، قال تعالى «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ» أي العجل المقدم إليهم،
وهذا يدل على أنه عليه السلام لا يعرفهم أنهم ملائكة وإلا لما قدم إليهم شيئا لأنه يعلم أن الملائكة لا يأكلون، وهذا كاف للرد على من قال إنه يعرفهم، ويؤيد عدم معرفته لهم قوله تعالى «نَكِرَهُمْ» خاف منهم، لأن الضيف إذا مس الطعام أمنه المضيف وإلا خاف منه وحذره، ولهذا قال تعالى «وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» في قلبه لأن الوجس رعب القلب ولهذا فإن من خال أنه يعرفهم فقد أخطأ المرمى ويؤكد خطأه قوله تعالى حكاية عنهم «قالُوا لا تَخَفْ» يا إبراهيم إذ عرفوا خوفه من هيولاء فأمنوه وبينوا له أنفسهم ليسكن روعه، فقالوا نحن رسل ربك «إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى» إهلاك «قَوْمِ لُوطٍ 70» لتجاوزهم عليه
«وَ» كان «امْرَأَتُهُ» سارة بنت عمه بتشديد الراء وتخفيفه كما ذكره صاحب الجمل على الجلالين «قائِمَةٌ» بالرفع على أن الواو من (وَامْرَأَتُهُ) للحال أي حاضرة في خدمتهم، لأن النساء إذ ذاك لا يحتجبن، ولا سيما العجائز، وما قيل إنها كانت وراء الستر وهو ما يسمونه الآن عرب البادية (خدرة) وهي بساط ثخين كبير يوضع فاصلا ما بين مقعد الرجال ومقر النساء في بيوت الشعر في البوادي والقرى. والحجاب من خصائص هذه الأمة، أما حرمة النظر فلا، إذ جاء في الإنجيل من نظر إلى أجنبية يشتهيها فهو يزني. قال تعالى حكاية عن سارة رضي الله عنها «فَضَحِكَتْ» سرورا بزوال الخوف الذي توقعته من عدم أكلهم، ومن فسره هنا بمعنى الحيض، فقد صرفه عن معناه الحقيقي، وإن كثيرا من العلماء أنكروا مجيء الضحك بمعنى الحيض، وما استدل به بعضهم من قوله:
تضحك الضبع لقتلي هذيل
…
وترى الذئب بها يستهل
وقول الآخر:
تضحك الضبع من دماء سليم
…
إذ رأتها على الحراب تمور
بأن الضحك فيها بمعنى الحيض خطأ بين، لأن الشاعر أراد أنها تكشر بأنيابها عند أكل اللحم، فمن زعم أن كثرها هذا ضحك أي حيض فقد سها ولم يفرق بين الريم والمها، ولو أراده تعالى لقال حاضت لأنه لفظ جاء ذكره مرارا في سورة البقرة والطلاق فلا يقال لم يذكره لأنه مستهجن، هذا وحقيقة الضحك انبساط
الوجه من سرور النفس ويستعمل في السرور المجرد في التعجب وسميت مقدمات الأسنان ضواحك لبدوها عند الضحك، وما قاله بعض اللّغويين ان ضحكت بمعنى حاضت، واستدل ببعض أقوال العرب فجائز، إلا أنه فيما نحن بصدده هنا لا ينطق على المعنى المراد، والله أعلم. قالوا إن إبراهيم عليه السلام قال لضيفانه لماذا لا تأكلون؟ فقالوا له لا تأكل طعاما بلا ثمن، فقال ثمنه ذكر الله أوله، وحمده آخره، فقال جبريل لميكائيل حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا. قالوا وضحكت سارة تعجبا لأنها وزوجها يخدمونهم بأنفسهما وهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام الذي هو من أحسن الأطعمة إذ ذاك، وقد يكون الآن أيضا من أحسنها عند كثير من الناس، وقيل إنها ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، والصحيح الأول، لأنها لا تعرف سبب مجيئهم أولا حتى تضحك تعجبا من ذلك، ومن قال إنها ضحكت بالبشارة من أن يكون لها ولد وحفيد على كبر سنها، فهو سابق لأوانه، لأن الملائكة لم تذكر هذه البشارة أولا. قال تعالى «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ» ولد لإبراهيم منها «وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» 71 حفيدا لها من ابنها اسحق، وفي هذه الآية بشارة أخرى بطول عمرهما حتى يريا ولدهما يكبر ويتزوج ويأتيه ولد، وإنما خصّت بالبشارة دون إبراهيم، مع أنها لهما جميعا لأن النساء أشدّ فرحا وأعظم سرورا بذلك من الرجل، ولأن إبراهيم له ولد من جاريتها هاجر، وهو إسماعيل عليه السلام جد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء من اسحق أي من إبراهيم، فما بعد، أما من تقدمه كهود وصالح وغيرهما ممن لم يقصه الله علينا، فإنهم من سيدنا نوح عليه السلام وهو ومن تقدمه كإدريس وشيث وغيرهما من آدم عليه السلام «قالَتْ يا وَيْلَتى» كلمة يستعملها الناس عند رؤية أو سماع ما يتعجب منه مثل يا عجباه نداء ندبة «وأصلها (ويلتي) فأبدل الألف من ياء المتكلم للمضاف «أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ» كيف يكون هذا زاعمة أنه من المحال بالنسبة لمثلها، لأنها كانت بنت تسعين سنة على ما قالوا «وَهذا بَعْلِي شَيْخاً» زوجي مسنا كبيرا قالوا كان ابن مئة وعشرين سنة، والبعل هو المستعلي على غيره، ولما كان الزوج مستعليا على المرأة قائما بأمرها سمي بعلا، قال تعالى (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى
النِّساءِ)
الآية 34 من سورة النساء ج 3، والشيخ لغة من بلغ سن الأربعين، واصطلاحا من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صغيرا، وبعد أن استفهمت استفهام تعجب واستبعاد أكدته بقولها «إِنَّ هذا» الذي أخبرتموني به «لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72» مخالف للعادة، إذ لا يتصور أن مثلي يلد لمثله، ولا يتوهم ذلك أصلا، ولم يكن تعجبها هذا من قدرة الله تعالى، لانها تعلم أنه أقدر على أكثر من ذلك، كيف وقد نجى زوجها من النار ومن كيد النمرود وحفظها من الجبار الذي أراد أخذها من زوجها، وإنما تعجبت من حالها وحال زوجها بالنسبة للبشارة ليس إلا، «قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» الذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها كلا، لا تعجبي فإن الله أقدر على أن يجعل العجوز مثلك تلد من الشيخ الذي هو مثل زوجك، فقالت لا عجب من أمر الله، وإنما من أمري وأمر بعلي، فلما أعجبهم كلامها دعوا لهما بما ذكر الله، وهو «رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ» آل إبراهيم «إِنَّهُ حَمِيدٌ» على أفعاله كلها ومنها تعجيل النعم وتأجيل النّقم «مَجِيدٌ 73» شريف منيع لا يرام كريم جواد واسع العطاء، وإن كلمة مجيد كررت في القرآن أربع مرات فقط هنا وفي أول ق وفي الآيتين 15/ 21 من سورة البروج المارتين في ج 1، قال تعالى «فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ» الخوف الذي نشأ من عدم إقدامهم على أكله «وَجاءَتْهُ الْبُشْرى» بالولد والحفيد، المتضمنة إطالة عمره بعد هرمه شرع «يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ 74» لانه لما علم أنهم ملائكة الله وعلم
أن مجيئهم لإهلاك قوم لوط سبب مساوئهم الخبيثة وتعديهم على نبيهم، قال لهم أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون مؤمنا أتهلكونها؟ قالوا له لا، ثم لم يزل بهم حتى قال مؤمن واحد قالوا لا، كما في بحث التكوين ص 18 من التوراة، قال لهم إن فيها لوطّا، قالوا نحن أعلم بمن فيها وإنا لننجينه بأمر الله وأهله إلا امرأته، ونظير هذا في الآية 32 من سورة العنكبوت الآتية، ثم طلب تأخير العذاب عنهم علّهم يؤمنون، فبين الله تعالى أن الذي حمل إبراهم على هذه المجادلة مع الملائكة ما هو مجبول عليه من الشفقة على عباد الله، ومشرب فيه من الصفات