الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عشرة والسجود في الاثنين والخمسين، وقيل أكثر حتى أوصلها بعضهم إلى ثمانين سنة، راجع الآية 93 في تفسير الإمام الرازي وكلها أقوال، إذ لم يذكر الله ولا رسوله شيئا عن ذلك «وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ» ولم يقل من البئر مع أنه أصعب وأشد من السجن لئلا يخجل أخوته لكريم خلقه وعظيم أدبه معهم، وجليل احترامه لهم، وكثير لطفه بهم، وزيادة عطفه عليهم، ولأن خروجه من الجب أعقبه العبودية وخروجه من السجن أورثه الملوكية «وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ» سمي سكان البادية بدوا كما سمي سكان الحاضرة أي المدن حضرا «مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي»
مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:
أضاف عليه السلام الإحسان إلى الله تعالى والنزغ إلى الشيطان على طريق المجاز وكمال الأدب مع الله تعالى، والا في الحقيقة الكل من الله القائل (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية 78 من سورة النساء ج 3، لأنه جل شأنه هو الفاعل المطلق المختار فلا يقع في الكون شيء ولا يرفع منه شيء إلا بعلمه وقضائه وقدره وإرادته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعليه فلا وجه لاستدلال المبتدعة في هذه الآية من بطلان الجبر، لأنهم يقولون لولا أن يوسف يعلم أن النزغ من فعل الله لما أضافه إلى الشيطان، بل لأضافه لله، كما أضاف الإحسان إليه، وهذا باطل، لأنه يكون حينئذ في الكون فاعلان، ولا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده قال تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) راجع الآية 22 من سورة الأنبياء الآتية، ولهذا وبخ الله تعالى الناسبين لغيره بقوله بعد تلك الآية (فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) فقد نبههم جلت عظمته بأن ليس للشيطان مدخل فيه إلا إلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين، وهذا أيضا باقداره تعالى إياه وتسليطه على بعض خلقه، فظهر أن الكل من عند الله، راجع الآية 12 من سورة يونس المارة تجد هذا البحث، وله صلة في الآية 35 من سورة
فصلت الآتية فراجعه «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ» من التدبير وحسن الاستخراج وتسهيل الأمور «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ» بمصالح عباده يجريها حسب إرادته «الْحَكِيمُ 100» في جميع أفعاله، فهو الذي يهيء الأسباب ويؤخر الآمال إلى الآجال كما في هذه القضية، فإن أولها كان هما وغما وحزنا وآخرها غدا فرجا وسرورا وانشراحا حتى بلغت أعلى مراتب الدنيا والدين،
ولما تم ليوسف الأمر على ما أراده له الله، تحدث بنعمة ربه فقال «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» من هنا تبعيضيّة لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض علم التعبير، وكثير من أحاديث الله لا يعلمها هو ولا غيره، قال هذا عليه السلام على طريق إظهار الشكر لربه لذلك طفق يعددها على نفسه، وهذا قبل وفاته بأسبوع كما قيل، إذ انتهت القصة بختام الآية المارة عد 100، يا «فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ 101» من آبائي قالوا وأقام يعقوب وآله بعد التلاقي في مصر أربعا وعشرين سنة في أهنأ عيش وأرغد بال وأحسن حال، وقد حضرت يعقوب الوفاة فأوصى ابنه يوسف أن يحمل جسده إلى الأرض المقدسة ويدفنه مع إسحاق وإبراهيم، فلما توفي وضعه في تابوت من ساج وحمله إلى الشام، فوافق موت أخيه العاص توءمه الذي خرج قبله، وتلاه هو، أي أن يعقوب خرج عقبه ولذلك سميا بهذين الاسمين فأخذه معه ودفنهما في قبر واحد، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة، وعمر يوسف بعدهما ثلاثا وعشرين سنة، ورجع إلى مصر وسأل الله حسن الخاتمة وقيل عاش عليه السلام بعد أبيه وعمه ستين سنة أو أكثر على ما قيل، وهما ابن مائة واثنين وأربعين سنة، ووضع في صندوق من رخام، ودفن في نيل مصر، لأن أهله والمصريين تشاحوا في جسمه المبارك كل يريد دفنه في جبانته طلبا لبركته، ثم اتفقوا على دفنه في وسط النيل كي ينال بركته كل من شرب منه من الإنسان والحيوان والنبات والأرض بسبب جريانه على تابوته، فلا يختص به واحد دون آخر، وبقي تابوت يوسف بالنيل وعمت بركته فيه، ولم يسمى المبارك إلا بعد وضع تابوته فيه كما سيأتي بيانه،