الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لمن عصاني فندم وأناب إلي، فإن مغفرتي الكبيرة تسع ذنوبه مهما كانت وأنا «الرَّحِيمُ 49» بمن أطاعني وتوكل علي، فإن رحمتي تغمره وإن عظمتي تستصغر خطاياه مهما كانت «وَأَنَّ عَذابِي» لمن كفر بي وجحد نعمتي ولم يرجع إليّ «هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ 50» الذي لا تطيقه قوى المعذبين. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله سبحانه وتعالى خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأدخل في خلقه كلهم رحمة واحدة. فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم بيأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن النار، ولم يقل جل شأنه أنا المعذب كما قال أنا الغفور ترجيحا لجانب الوعد على الوعيد، وذلك من عظيم فضله.
ويقوي هذا الترجيح الإتيان بالوصفين الكريمين بصيغة المبالغة، وما أخرجه ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء ابن أبي رباح عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي منه بنو شيبة فقال: ألا أراكم تضحكون، ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى فقال: إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله تعالى يقول لم تقنط عبادي اني أنا الغفور الرحيم. وتقديم الوعد يؤيد ذلك، وفيه إشارة إلى الحديث القدسي الذي فيه (سبقت رحمتي غضبي) وقدمنا في الآية 20 من سورة يوسف ما يتعلق بهذا وفيها ما يرشدك لمراجعة المواقع التي فيها هذا البحث فراجعها.
مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:
قال تعالى «وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ 51» الضيف الميل مأخوذ من مال إليك لينزل بك، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر ويجمع على ضيوف وأضياف، وهؤلاء هم الملائكة المار ذكرهم في الآية 69 من سورة هود المارة، وقد ألمعنا إلى إقراء الضيف وآداب الضيافة فيها أيضا فراجعها «إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً» عليك يا إبراهيم «قالَ» بعد أن رد عليهم السلام وقدم لهم الطعام كما مر في سورة هود المارة أيضا ورآهم لا يأكلون «إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ 52» خائفون لأن أكل الضيف طعام المضيف دليل على الأمان، والامتناع
منه علامة على أنهم أعداء وهي عادة مطّردة حتى الآن عند عرب البادية، ولديهم عادة أخرى وهي أنهم إذا جاءوا بحاجة لا يأكلون قبل قضائها أو أن يتعهد لهم يخلافها، وثالثة وهي أن المضيف عند ما يقدم الطعام يأكل منه قبل الضيوف لقيمات ثم يقوم ويأمرهم بالأكل حتى لا يظن أن في الأكل شيئا ضارا ولمعرفة نضجه ولذته «قالُوا لا تَوْجَلْ» من شيء ولا تخف بل افرح وطب نفسا «إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ 53 كثير العلم يأتيك من زوجتك العقيم سارة على ما هي عليه من الكبر واسمه إسحاق «قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ» والهرم «فَبِمَ تُبَشِّرُونَ 54» بعد هذه الشيخوخة، على طريق الاستفهام التعجي، أي أن بشارتكم لي على ما أنا عليه وزوجتي من الحال أعجوبة «قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ» الصدق الواضح لأنه من أمر الله ولا عجب فيه «فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ 55» لأن ذلك من قضاء الله وهو يقين فلا تيأس «قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ 56» عن طريق الهدى، وإلا لا أحد يقنط منها البتة لأن الكل محتاجون إليها. هذا وانه عليه السلام لم يستبعد ذلك بالنسبة لعظيم قدرة الله، وإنما استبعده بالنسبة لواقع، لأن مثله ومثلها لا يتصور أن يولد لهما، وأن العقم وحده كاف للاستبعاد فكيف إذا ضم إليه الكبر؟ ثم لما عرفهم أنهم ملائكة «قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ 57» غير بشارتي هذه «قالُوا» إن الخطب الذي جئنا به هو «إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ 58» لنهلكهم بجرمهم القبيح ولذلك عبر بالخطب لعظمته ثم استثنى فقال «إِلَّا آلَ لُوطٍ» أهله وشيعته وأتباعه المؤمنين «إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ 59» من الإهلاك ثم استثنى من أهله الناجين ما يتصور دخوله فيهم فقال «إِلَّا امْرَأَتَهُ» فهي هالكة معهم لأنا «قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ 60» الباقين في العذاب معهم في علمنا الأزلي، هذا وقد أسندوا الفعل لأنفسهم مع أنه لله تعالى لاختصاصهم به وقربهم منه كما تقول خاصة الملك أمرنا وقضينا وفعلنا مع أنه بأمر الملك،
قال تعالى «فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ 61 قال» لهم لوط حينما دخلوا عليه «إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ 62» لا أعرفكم إذ جاءوا بزي شباب حسان وكان مثلهم
يتحاشى عن المجيء إلى قريته لما شاع عنهم أنهم يفعلون المنكر فيمن يأتي إليهم وكان دخولهم بيت لوط دون استئذان فلهذا أنكر مجيئهم وخاف عليهم من شناعة قومه «قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ 63» يشكون به من العذاب الذي كنت تهددهم به فيكذبوك لنرقعه فيهم، أما نحن فلا تخف علينا منهم فإنا جئناهم لهذه الغاية «وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ» اليقين الذي لا مرية فيه «وَإِنَّا لَصادِقُونَ 64» فيما أخبرناك به من أن إرسالنا لإنزال العذاب عليهم، أما أنت «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ» سر خلفهم على أثرهم لئلا يفلت منهم أحد «وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ» يا آل لوط «أَحَدٌ» فيصيبه بعض ما ينزل عليهم من العذاب، قالوا إنما نهاهم لئلا ترق قلوبهم على المعذبين حين ينزل بهم العذاب فيرتاعون لمشاهدته ويدهشون لشدة هوله «وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ 65» وقد أمرهم جبريل بالذهاب إلى قربة لم تعمل عمل قومه «وَقَضَيْنا إِلَيْهِ» أوحينا إلى لوط «ذلِكَ الْأَمْرَ» الذي هو «أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ 66» أبهم جل شأنه هذا الأمر ثم فسره تفخيما له وتعظيما لشأنه ثم طفق جل جلاله يقص حال قوم لوط مع ضيوفه وما وقع منهم فقال عز قوله «وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ 67» يبشر بعضهم بعضا بضيوف لوط الحسان وأتوا مهرولين إلى بيته طمعا بالنيل منهم فاستقبلهم عليه السلام «قالَ» لهم يا قوم اتقوا الله «إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ 68» بالتعدي عليهم «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ 69» فيهم ويظهر الأمر لأهالي القرى الأخرى فيصيبكم الخزي والعار لأن الضيف في حمى المضيف «قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ» بأن لا تضيف أحدا منهم ولا تقبل غريبا في بيتك ولا تكلمنا فيما نريد أن نفعل بالناس، وقد علموا ذلك إذ شاع أمرنا بأن نفعل فيمن يقدم على قرانا مهما كان له من مكانة بقصد قطع أملهم من الدخول فيها
«قالَ» يا قوم إذا كنتم لا تسمعون قولي ولا تجيبون دعوتي وأصررتم على اخزائي في ضيفي فاتركوهم و «هؤُلاءِ بَناتِي» اللاتي كنتم تريدون الزواج بهن ولم أفعل، فإني أزوجهن لكم الآن «إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ 71» ما تريدونه بأضيافي وقد تقدمت القصة مفصلة في الآية 78 من سورة هود المارة، وقال عليه