المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

الأرض أو داخلها أو كان عائما في الماء أو الهواء لأنه إذا اتصل بالأرض دب عليها فالكل داخل في معنى الآية ووجه المماثلة هو أن كل حيوان يعرف خالقه ويوحده ويسبحه ويصلي له بحسبه قالا أو حالا، قال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الآية 44 من الإسراء المارة في ج 1، وكما أن البشر مخلوق لله فهي مخلوقة له وكما أن البشر يألف بعضه بعضا فهي يألف بعضها بعضا أيضا، وكما يفهم بعضه على بعض يفهم بعضها على بعض، وكما أنه يموت ويبعث فهي أيضا كذلك وقد اقتصر الله تعالى على ما في الأرض في هذه الآية وإن كان ما في السماء أمما أيضا مخلوقة له جل شأنه ولكنها غير مشاهدة وقد جاءت الآية بمعرض الاحتجاج والاحتجاج بالمعاين أولى منه فيما لم يعاين وفي ذكر الجناح للطائر إشارة إلى أنه تعالى سيحدث طائرا بلا جناح يتحرك بطبعه مما هو داخل في قوله تعالى بمعرض ذكر الأنعام (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) مما كان من الدواب والملك التي تركب ومما سيكون من هذا النوع بعمل البشر الكائن بتعليم الله إياه وإلا فما هو الموجب لتقييد الطير بالجناح ومن المعلوم أن الطائر لا يكون بلا جناح فتنبه رحمك الله إلى معجزات القرآن العظيم التي تظهر أولا بأول وقد ظهرت الأفلاك العظام كما وصفها الله بقوله (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) الآية 24 من سورة الرحمن في ج 3، ثم السيارات ثم الطائرات ولا تزال تظهر هذه المصنوعات البشرية بما يفوق العقل تصورها راجع الآية الثانية من هذه السورة.

‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

وهنا يظهر سر قوله تعالى «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» مما علمه البشر ومما لم يعلمه بدليل التنكير والتفريط يتعدى بعن وقد ضمن هنا معنى ما أغفلنا ولا تركنا شيئا إلا وقد أشرنا إليه في اللوح المحفوظ وألمعنا إلى بعض ما في علمنا في هذا القرآن من أمر الدين والدنيا والآخرة، روى البخاري عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمّصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله، فقالت له امرأة في ذلك فقال ومالي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله فقالت له قرأت ما بين اللوحين (تريد القرآن كله)

ص: 339

فما وجدت فيه ما تقول قال لئن قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الآية 8 من سورة الحشر في ج 3، قالت بلى قال فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه. وقال الشافعي رحمه الله مرة في مكة سلوني عما شئتم أخبركم عنه في كتاب الله فقيل له ما تقول في المحرم يقتل الزنبور فأجاب بأنه يقتله واستدل عليه بنحو ما استدل ابن مسعود من أن الرسول أمر بقتل الهوام المؤذية وقد أمر الله في كتابه بالأخذ بكلامه هذا، وقد أخرج أبو الشيخ في كتاب الفطرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه وتعالى لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة راجع الآية 26 من سورة البقرة في ج 3 والآية 23 من سورة الشورى الآتية والآية 44 من سورة الأنبياء الآتية تجد ما تريده وما قاله ابن الجوزي في هذا المعنى، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قال: أنزل الله في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، وقال الشافعي: لا تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الهدى فيها، وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله، وقال المرسى: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما إلا المتكلم به والمنزل عليه عدا ما استأثر الله به لنفسه «ثُمَّ إنّهم إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ 38» كما يحشر البشر ويحاسبون كما يحاسب البشر بحيث يجعل الله في كل منها قوة النطق والادعاء والدفاع والعفو والإصرار ثم تكون ترابا وحينذاك يتمنى الكافر لو كان مثلها لشدة ما يرى من العذاب راجع الآية الأخيرة من سورة النبأ الآتية، روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» الواضحة إنما كذبوا بها لأنهم «صُمٌّ» عن سماعها «وَبُكْمٌ» عن النطق بها لكونهم غارقين «فِي الظُّلُماتِ» المتكاثفة راجع الآية 40 من سورة النور في ج 3، أي أنهم يكونون في الآخرة كما هم في الدنيا وهي ظلمة الكفر وظلمة الجهل وظلمة الحيرة لذلك تراهم غافلين عن التأمل في آيات الله لاهين عن التفكير فيها ساهين عن النظر إليها وهم في معزل عن معانيها

ص: 340

لسابق شقائهم والحقيقة التي لا غبار عليها هي ما ذكره الله بقوله «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ» فلا يهتدي أبدا «وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 29» فيهديه للإسلام وهذا عدل منه تعالى فهو الفاعل المختار المتصرف في ملكه يفعل ما يشاء كيف يشاء كما أن أحدكم إذا هدم داره هل يسأل عنها وهل يعد مقترفا جرما كلا والله لا يسأل عما يفعل بل خلقه يسألون إذا تجاوزوا على أحد، وهذه الآية دليل قاطع على عدم خلق الأفعال وإرادة المعاصي من العاصي ونفي الأصلح وأن الكفر والإيمان بإرادته تعالى والإرادة لا تتخلف عن المراد كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا لأهل العقائد الفاسدة من المعتزلة وأضرابهم الذين لما رأوا هذه الآية خارقة لعقيدتهم وعجزوا عن مقاومتها لوّوا أعناقهم فراموا رفضها وأوّلوا يضلله بيخذله ولم يلطف به، وقالوا إن معنى يجعله يلطف به كأن الله تعالى عاجز أن يقول ما قالوا لو كان المراد كما قالوا وله القول الفصل أو أنه تعالى ضاق كلامه عن التعبير بما أولوه حاشا ثم حاشا، وقدمنا في الآية 12 من سورة الحجر المارة ما يتعلق في هذا البحث فراجعها. قال تعالى يا

سيد الخلق «قُلْ» لهؤلاء المعاندين «أَرَأَيْتَكُمْ» أخبروني، تقول العرب أرأيتك أي أخبرني عن حالك والمراد بهذا الاستخبار تبكيتهم والقامهم الحجر بما لا سبيل إلى إنكاره «إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ» في الدنيا كما أتى على من قبلكم من الموت الفجائي بخسف أو رجم أو غرق أو صيحة أو غيرها فصعقتم حالا دون مهلة أتدعون أحد يكشف ما حل بكم أو أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ» على حين غرة «أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ» لكشف ذلك عنكم وهل تغيثكم أصنامكم إذا استغثتم بها على كشفه أجيبوني «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 40» أنها تنجيكم من ذلك فإن قالوا لك شيئا أو لم يقولوا فقل يا سيد الرسل

«بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ» لا غير لأنكم تعرفون أنها لا تنفعكم في مهماتكم ولا في غيرها ولكنكم إذا دعوتم الله عن صدق نية وحسن عقيدة وحقيقة يقين «فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ 41» لشدة الهول النازل بكم فنتضرعون إلى الله بادىء الرأي وتدعون أصنامكم لعلمكم بعجزها عن دفع الضر عن نفسها فضلا عن غيرها، فإذا كان كذلك وهو كذلك أيليق بكم وأنتم تدعون العقل أن تتركوا

ص: 341

الإله الواحد الذي يلجأ إليه في المهمات وتعبدوا غيره حال الرخاء وهو جماد أو حيوان مخلوق لله لا يتمكن من عمل شيء أما بكم من عقل يمنعكم من هذا أما تعتبرون بمن مضى قبلكم «وَ» أنت يا أكمل الرسل لا تجزع لما ترى منهم «لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ» رسلا كثيرة فخالفوهم وكذبوهم وآذوهم أقوامهم مثل ما فعلت بك عشيرتك وأمتك وقد أمهلناهم ختى انقضى الأجل المضروب لهم فأصروا على كفرهم ولم يؤمنوا «فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ» الفاقة والشدة والسوء «وَالضَّرَّاءِ» نقص الأموال والأنفس والثمرات والأولاد «لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ 42» لنا ويخضعون لأوامر رسلنا ويتذللون فيتوبون فنعفو عنهم ولكنهم لم يفعلوا «فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا» لنا لعلنا تكشفه عنهم كما كشفناه عن قوم يونس راجع الآية 98 من سورة يونس المارة «وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ» فلم يتضرعوا لنا عنادا هذا على أن لولا هنا نافية كما هي في الآية المذكورة من سورة يونس المارة إلا أن الجمهور على أنها أداة تحضيض بمعنى هلا كما في أكثر المواضع، وحملوا المغني على التوبيخ والتنديم وهو يفيد عدم الشرك وعدم الوقوع بدليل أداة الاستدراك تدبر «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 43 فأعجبتهم صنايع كفرهم ومعاصيهم وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية 38 من سورة الحجر فراجعها «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ» ولم يتعظوا بما أصابهم لكثافة الرّين الذي على قلوبهم وطبقات الصّدأ «فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ» من السعة والرخاء والصحة والسلامة والحياة والرياسة بدل الفقر والشدة ونقص الأموال والثمرات والذل والمهانة لنستدرجهم «حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا» من الخيرات والقوة والسلطان وظنوا أن ما كان بهم لم يكن للانتقام بل للسعادة والرضاء «أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً» فجأة وهم على أحسن حال يتمنونه لتشتد حسرتهم ويتضاعف ندمهم على ما تركوا من اللذات والشهوات لأنهم لو أخذوا حال الضيق لهان عليهم الأمر لأن كثيرا من المبتلين يتمنون الموت ليتخلصوا من بؤسهم وقد قال قائلهم:

ألا موت يباع فأشتريه

فهذا الحال مما لا خير فيه

ولا تجد أحدا من المنعمين يريده بل أكره ما عليهم ذكره «فَإِذا هُمْ

ص: 342

مُبْلِسُونَ

44» آيسون كثيروا الأسف والحسرة حزنا على ما فاتهم فيها لأن المبلس المطرق رأسه أسى على ما حل به من الندم وعدم تلافي ما فرط به، روى عامر بن عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ثم تلا هذه الآية أسنده الطبري وذكره البغوي بغير سند «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا» أنفسهم وأهلكوا عن آخرهم يقال دبر فلان القوم إذا كان آخرهم، أي فكأنهم لم يلبثوا فيها وقد انقلب فرحهم ترحا وعزهم ذلة كما قال القائل:

ألا إنما الدنيا كظل سحابة

أظلنك يوما ثم عنك اضمحلت

فلا تك فرحانا إذا هي أقبلت

ولا تك جزعانا إذا هي ولت

وقيل: إذا جاءت الدنيا عليك فجد بها

على الناس طرا قبل أن تتفلت

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت

ولا البخل يبقيها إذا هي ولت

ولكن هؤلاء كلهم جزع لأن ما هم قادمون عليه أشر مما فاتهم «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 45» على تأييد رسله وإهلاك أعدائهم، وهذا تعليم من الله لأنبيائه والمؤمنين أن يحمدوه عند كفايته شر معانديهم ومناوئيهم وعند قضاء حوائجهم، وهذا الحمد واجب لأنه بمقابلة نعمته وهكذا يجب على كل من أولاء الله نعمة من مال أو ولد أو صحة أو غيرها، أما في غير مقابلة نعمه فهو مسنون في كل حال لأن نعم الله على العباد لا تحصى وقيل في المعنى:

نعم الإله على العباد كثيرة

وأجلهنّ نجابة الأولاد

قال بعض المفسرين إن الله تعالى حمد نفسه بنفسه على ما فعل بهم أي لم يقصد به التعليم والأول أولى، قال تعالى «قُلْ» يا أكرم الرس لهؤلاء الكفرة «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ» فصرتم عميا صما بكما عميا «مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ» أي بما أخذه منكم من تلك القوى فسيقولون لك حتما لا أحد يقدر على الإتيان لهم بشيء من ذلك إلا الله وانهم بفقدها يكونون كالجماد لأن الإنسان بغير هذه الحواس يختل نظامه ويفسد أمره وتتعطل مصالحه الدينية والدنيوية ولا يقدر على إيجادها إلا الذي

ص: 343

خلقها، فيا سيد الرسل «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» ونكررها لهم ليستدلوا بها معالم التوحيد وآثار النبوة وعلائم الآخرة «ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ 46» يصدّون ويعرضون ويميلون عنها، قال أبو سفيان عليه السلام في هذا المعنى:

عجبت لحكم الله فينا وقد بدا

له صدفنا عن كل حق منزّل

أي أنه يتعجب كيف رحمهم الله وأخر عذابهم إلى أن وفقوا إلى التوبة والإيمان مع شدة إعراضهم عنه فيكون صدف هنا بمعنى أعرض وبمعنى مال وأصل الصدف الجانب والناحية ومنه الصدفة وتطلق على البناء المرتفع وجاء في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بصدف مائل (أي بناء عال مائل) فأسرع ثم بكّتهم ثالثا بقوله عز قوله «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً» عيانا أو خفية ليلا أو نهارا «هَلْ يُهْلَكُ» فيه أحد هلاك خسارة وحرمان «إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ 47» أنفسهم وغيرهم بسبب كفرهم وطغيانهم وبغيهم كلا لا يهلك غيرهم.

مطلب من هلك بسائق غيره لا يعذب وتبرؤ حضرة الرسول من قول قومه وقوله تعالى (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ) إلخ:

أما إذا كان الهلاك عاما وهلك فيه غير الظالم فإن هلاكه هذا بسائق غيره فلا يعد خسارة عليه وحرمانا بل إن الله تعالى يكافئه في الآخرة خيرا على عمله وخيرا على هلاكه كما أنه يجازي المضل على ضلاله وإضلاله غيره راجع الآية 25 من سورة الأنفال في ج 3 والآية 88 من سورة النحل الآتية، «وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ» المؤمنين بالثواب «وَمُنْذِرِينَ» الكافرين بالعقاب «فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ» عمله بعد إيمانه «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» حين يخاف الناس «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 48» إذا حزنوا بل الأمن لهم والبشرى في الدنيا والآخرة «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» في الدنيا وأصروا على تكذيبهم حتى هلكوا فهؤلاء «يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ» بالآخرة حتما سواء سلموا من عذاب الدنيا أو عذبوا فيها جزاء «بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» 49 يخرجون عن الطاعة «قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ» أجري عليكم منها ما تريدون «وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ» لأخبركم بما تقترحون أيكون أم لا «وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي

ص: 344

مَلَكٌ»

أقوى على ما لا يقواه البشر لأفتك بكم أي لا أدعي الإلهية ولا الملكية ولا الغنى ولهذا فلا يفهم من معنى هذه الآية أن الملك أفضل من الرسول راجع الآية 30 من سورة هود المارة وإنما أنا بشر مفتقر إلى الله في كل أموري «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» فأعمل به وأخبركم وأدعوكم للعمل به لا غير «قُلْ» لهم يا سيد الرسل «هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» الضال والمهتدي «أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ 50» في عدم التسوية بينهما تدل هذه الآية الكريمة على أن حضرة الرسول ما كان مجتهدا في شيء من الأحكام بل كان يتبع وحي الله فقط فيعمل به وهو الصحيح لأنه لا ينطق عن هوى، وسبب نزول هذه الآية الرد على الكفرة الذين يقترحون على الرسول إنزال الآيات السماوية ليصدقوه فأمره الله تعالى أن يقول لهم ما ذكره في هذه الآية حسما للباب،

قال تعالى «وَأَنْذِرْ بِهِ» بما أوحي إليك من لدنا «الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ» المقرين بالبعث وخص المؤمنين مع أن إنذاره عليه السلام عام لجميع الخلق لأن الحجة على هؤلاء أولى من غيرهم، والمراد بالحشر المحل الذي يريده الله تعالى لجمع الخلق وهو الموقف لا إليه ذاته جلت عن المكان فلا حجة في هذه الآية إلى المجسمة القائلين إن إلى (في إِلى رَبِّهِمْ) تفيد الغاية إلى المكان فيكون تعالى شأنه مختصا بمكان تنزه عن ذلك.

هذا ويدخل في حكم هذه الآية المجوزون للحشر سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب، وبعض المشركين المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء كالأولين المعترفين بالبعث بعد الموت أو في شفاعة الأصنام كالآخرين المجوزين للحشر الجازمين فيه من أهل الكتاب وبعض المشركين أي المترددين بهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديثه يخافون أن يكون حقا، وأما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون عمن أمر بإنذارهم هكذا، قال شيخ الإسلام أما ما قيل إن المراد بهم المؤمنون المفرطون أو الكافرون معا بداعي أن الكل يخاف الحشر لأن الرسول مبعوث للكل فهو وجيه إلا أن سياق الكلام لا يساعده وسباقه ينافيه ومما يرد القول الأخير قوله تعالى «لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ» أي الله «وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ» يشفع لهم

ص: 345

أو يواليهم لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن الله له بها قال تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الآية 255 من البقرة في ج 3، والكافرون ليس لهم ولي ولا شفيع لقوله تعالى (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الآية 18 من سورة غافر الآتية وعلى هذا فلا يدخلون في مضمون هذه الآية، أما المؤمنون المذنبون فتشفع لهم أنبياؤهم والملائكة والأولياء أيضا فيدخلون في مضمونها دخولا أوليا والله أعلم.

هذا وإنما أمر الله تعالى رسوله أن يتقدم لمثل هؤلاء بالإنذار رحمة بهم «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 51» الكفر ودواعيه فيدخلون في زمرتهم، ولما أمر الله غير المتقين ليتقوا أمر بتقريب المتقين إليه وأن لا يقصيهم عن مجلسه فقال عز قوله «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ» إرضاء للكفرة الذين يأنفون مجالستهم فإياك إياك أن تفعل ذلك، وتشعر هذه الآية بالثناء على هؤلاء المذكورين فيها لمواصلتهم ذكر الله ومواظبتهم على عبادته صباح مساء ولذلك وصفهم بالإخلاص المستفاد من قوله جل قوله «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» ذاته المقدسة بدعائهم لا غير وهؤلاء يا حبيبي «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» لأن حسابهم على الله وحده «وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ» لأن حسابك أيضا على الله وذلك أن المشركين طعنوا في دين هؤلاء وإخلاصهم على حد قوله تعالى حكاية عن قوم نوح عليه السلام (ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) الآية 27 من سورة هود المارة فأخبره الله تعالى بأنك لا تكلف أمرهم كما هم لم يتكلفوا أمرك لأن وظيفة الرسل النظر إلى ظواهر الأمور وتفويض البواطن إلى الله أي ليس لك يا محمد أن تطردهم بداعي أن إيمانهم غير خالص لأنك لا تعلم ما في قلوبهم، ولهذا حذّره بقوله «فَتَطْرُدَهُمْ» وتبعدهم عنك وهذا جواب ما عليك أي إن طردتهم وأجبت رغبة الكفرة «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ 52» نفسك بإبعادهم عن مجلسك بل عليك أن تقربهم وتدنيهم منك لمجرد تقواهم وطاعتهم لا أن تبعدهم فتظلمهم اتباعا لقول أعدائهم، قال تعالى «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» أي اتباع الرسل قبلك ففتنة الغني بالفقير والشريف بالوضيع والصحيح بالمريض هي الأنفة منهم وبالعكس هي الحسد لأن الفقير يرى سعة الغني وخصب عيشه والمريض يرى تمتع

ص: 346

الصحيح بالعافية والراحة، والوضيع يرى مرح الشريف وكبير جاهه وان الأشراف والأغنياء والمعافين يرون تقدم أولئك عليهم عند الأنبياء بسبب إسلامهم وإيمانهم وهم يأنفون مجالستهم فيمتنعون من الإيمان فيبقون مفتتنين ببعضهم وانهم «لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» بالإيمان والقرب من الرسل «مِنْ بَيْنِنا» ونحن أفضل منهم وأقدم وأحسن لأنهم لا مكانة لهم ولا مال ولا حسب وهذا اعتراض على الله ولذلك رد عليهم بقوله عزّ قوله «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ 53» نعمه من خلقه بلى هو أعلم بذلك، واعلم أن سبب المنة عليهم شكرهم وسبب حرمان الآخرين كفرهم وما منعهم أن يكونوا مثلهم إلا عدم إيمانهم بالله وعدم شكرهم أفضاله عليهم إذ صرفوا جوارحهم إلى ما لم تخلق لها، ثم إن الله أمر رسوله بإكرام المؤمنين مهما كانوا فقراء أو ضعفاء أو مرضاء بقوله جل قوله «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا» أمثال أولئك المذكورين في الآية السابقة المتطهرين بالإيمان بنا لأنهم مؤمنون حقا «فَقُلْ» لهم يا سيد الرسل على رغم أنف أولئك المتطاولين بنعمتنا عليهم «سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» لكم أي بشرهم بقبولهم عند الله وعدهم برحمته وعدا مؤكدا لأن كتب بمعنى وجب وهو لا وجوب عليه وإنما قال كتب لزيادة التأكيد برحمتهم تفضلا منه وقل لهم يقول الله تبارك وتعالى «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ» أيها المؤمنون «سُوءاً» ذنبا «بِجَهالَةٍ» به عن غير قصد ولا يعلم ما ينشأ عنه من المضرة وما ينتج عن فعله «ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ» نفسه وتباعد عن اقتراف مثله «فَأَنَّهُ غَفُورٌ» ستار له لا يفضحه به في الدنيا ولا يعاقبه في الآخرة «رَحِيمٌ 54» بعباده التائبين لأن الذنب مهما كان إذا لم يكن تعمدا أو مضرا بالغير فهو للرحمة قريب وللعفو عنه أقرب، وسبب نزول هذه الآيات من وأنذر ألى هنا ما روي عن سعد ابن أبي وقاص قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عليه ولا تطرد إلخ الآيات أخرجه مسلم. وجاء عن عكرمة وابن مسعود

ص: 347

والكلبي ما بمعناه، وهذا أولى من قول من قال إن هذه الآيات نزلت في سلمان وجماعة من فقراء المسلمين لأن سلمان رضي الله عنه أسلم بالمدينة وهذه السورة مكية وليست هذه الآيات من

المستثنيات منها وأولى من قول من قال إنها نزلت في المؤلفة قلوبهم المنوه بهم في قلوله تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) الآية 49 من سورة الكهف الآتية وهي مدنية وكان إسلام هؤلاء بعد فتح مكة وهذه الآيات التي نحن بصددها نزلت قبل الهجرة في مكة وبينهما بعد عظيم وفرق كثير قال عكرمة فكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الذين نهى عن طردهم بدأهم بالسلام امتثالا لأمر الله له بذلك وقيل إن الآية الأخيرة أي وإذا جاءك إلخ نزلت في عمر رضي الله عنه لأنه قيل إنه قال لحضرة الرسول حينما طلب منه المشركون طرد أولئك الأبرار لو أجبتهم لما قالوا لعل الله يأتي بهم (وهذا الذي وقع في نفس رسول الله المذكور بالحديث المروي عن سعد بن أبي وقاص) ولم يعلم المضرة الناتجة عن كلامه هذا وعدم رضاء الله بها ثم إنه صار يبكي وقال معتذرا ما أردت إلا خيرا ولكن المقرر أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب فالقول بإطلاق هذه الآية على كل مؤمن أولى وأنسب بالمقام ويدخل فيها السيد عمر وغيره دخولا أوليا «وَكَذلِكَ» مثل ما قصصنا لك هذا وبيناه «نُفَصِّلُ الْآياتِ» بذكر أوصاف المطيعين والعاصين «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ 55» الذين صاروا إلى النار يوم القيامة ليظهر لك الحق الذي أنت عليه وأصحابك والبطل الذي عليه أعداؤك، وقرئ الفعل بالياء لأن السبيل تذكر وتؤنث قال تعالى (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) الآية 145 من الأعراف المارة في ج 1 وقال تعالى (يَبْغُونَها عِوَجاً) الآية 44 منها فالتذكير على لغة تميم والتأنيث على لغة الحجاز وهو بالرفع كأنه قال ليظهر الحق وليستبين سبيل إلخ وحذف المعطوف عليه من المحسنات البديعة وقرىء بنصب سبيل على المفعولية على أن يعود الفاعل لحضرة الرسول ويكون المعنى سايرهم حتى تستوضح طريقهم وإذ ذاك تعاملهم على ما يليق بهم في الدنيا ومرجعهم إلينا في الآخرة فنعاملهم على ما عاشوا عليه «قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من الأوثان كافة، لأن أدلة العقل

ص: 348

وأدلة السمع تأبى ذلك، وهذه الآية رد على المشركين الذين يكلفون حضرة الرسول اتباع دينهم دين آبائهم، وقطع لأطماعهم الفارغة لأنها عبارة عن هوى أنفسهم وضلال صرف محض ولذلك نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله «قُلْ لا أَتَّبِعُ» في هذا ولا في طرد المؤمنين «أَهْواءَكُمْ» النفسية البحتة «قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً» إن أنا فعلت أو ملت لشيء من ذلك «وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ 56» بهداية ربي وفيها إشارة الى أنهم هم الضالون عن الهدى «قُلْ إِنِّي» فيما أنا عليه «عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» وبصيرة ظاهرة ناصعة لأني في طاعته وعبادته «وَكَذَّبْتُمْ بِهِ» على غير بيّنة تبعا لهدى أنفسكم فأشركتم به غيره ما لا يستحق العبادة وإذا دمتم على هذه ولم تقلعوا عنه فأنذركم عذاب الله فقالوا له ائتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقا لنصدقك فأوحى الله إليه أن يقول لهم «ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» من العذاب ولا أقدر على إنزاله «إِنِ الْحُكْمُ» في إنزاله حالا أو تأخيره لأجل معلوم عنده لا يكون «إِلَّا لِلَّهِ» وحده وهو «يَقُصُّ الْحَقَّ» يبرمه وقرىء يقض والمعنى واحد لأن القضاء قول مبرم وهذه من القراءات الجائزة إذ لا تبديل فيها بالمعنى واللفظ عبارة عن تصحيف في النقط لأن الصاد أخو الضاد وقد ذكرنا غير مرة أن القراءة الغير جائزة وهي التي فيها تبديل كلمة أو حرف مباين أو زيادة أو نقص شيء من ذلك «وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ 57» بين الحق والباطل إذ لا يقع في حكمه جور ولا حيف، يا أكرم الرسل إذا ألح عليك قومك بطلب إنزال العذاب «قُلْ» لهم «لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» لأوقعته عليكم حالا وما أمهلتكم به وقد رأيت منكم ما رأيت يدل على هذا قوله «لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» لأني بشر وقد نفد صبري عليكم لولا أن الله يأمرني بالصبر ولأوقعته عليكم غضبا لله الذي قابلتم نعمه بالجحود لا تشفيا لنفسي ولكنه بيده وهو صبور لا يستفزه الغضب وهو حليم لا يعجل بالعقوبة «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ 58» أمثالكم هل تعجيل العذاب أصلح لهم أو تأخيره وهو أعلم بالوقت والمحل الذي ينزله عليكم بهما ونوع العذاب الذي تستحقونه

وما أنتم عليه من الحال «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ» بفتح الميم جمع مفتح اي المخزن وعليه يكون المعنى

ص: 349

خزائن الغيب أما إذا كان جمع مفتح بكسر الميم فإنه تعالى جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المغلوقة بالأقفال فالذي يعلم تلك المفاتيح وكيفية استعمالها يمكنه أن يتوصل إلى الخزائن بها المدخرة فيها ولما كان جل جلاله عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بذلك وعليه يكون المعنى المراد أن العلم بالغيب عنده وحده لا يشاركه فيه أحد، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مفاتيح الغيب خمسة وتلا قوله تعالى عنده علم الساعة إلخ الآية الأخيرة من سورة لقمان الآتية، وروي نحوه عن ابن مسعود، وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر مثله، والآية عامة تشمل بإطلاقها جميع ما غاب عن العباد من آجال وأحوال وعذاب وثواب وغير ذلك «لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» وحده إذ انفرد جل جلاله بعلمه «وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» من نبات وحيوان وجواهر ومعادن ومفاوز وقفار وقرى وأمصار وجزر وأنهار مما علمه البشر وما لا يعلمه «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ» من جميع الأشجار والنبات «إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ» تسقط من كافة أصناف الحبوب مما يخصّ الإنسان والحيوان والطير والحوت «فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ» إلا يعلمها أيضا وسكت عما في ضياء الأرض لأن الذي يعلم ما في ظلماتها فهو لما في ضيائها أعلم وهو جل جلاله لا فرق عنده بين الظلمة والنور ويعلم تلك الورق قبل نباتها وبعده ومن هي رزقه وما يصير منها وما هو مقداره «وَلا رَطْبٍ» من ماء وحي «وَلا يابِسٍ» من أرض وميت أي أنه يعلم كل الأشياء لأنها إما أن تكون رطبة أو يابسة وهي إن كانت داخلة في قوله تعالى وعنده مفاتح الغيب إلا أن ذلك على طريق الإجمال وهذا على طريق التفصيل والتفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس ولذلك عد من أبواب البديع في الكلام «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ 59» ظاهر وكل شيء فيه ثابت مدون مما كان ومما سيكون قبل خلق السموات والأرض وإلى آخر الكون وما بعده في الآخرة «وَ» اعلموا أيها الناس أن ذلك الإله العظيم الموصوف بما ذكر من صفات الكمال والقدرة «هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ» يميتكم فيه لأن النوم وفاة لما بينها وبين الموت من المشاكلة في زوال الإحساس

ص: 350