الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنا لم أرد بها سوءا فالحت علي فأبيت وضايقتني بتغليق الأبواب، فهربت فلحقتني واجتذبتني من الوراء وجذبت نفسي إلى الامام للتخلص منها فأخرج إلى الطريق فقدّ قميصي بسبب تجاذب القوتين كما ترى، فأمعن نظره في كلامها فلم يعرف أيهما أصدق بسائق الميل إلى زوجته، وهناك جاء ابن عم زوجته.
مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:
قالوا وكان رجلا حكيما وهو المعني بقوله تعالى «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها» وقيل إنه ابن خالها أو أختها وعلى كل فالمراد به أنه رجل كبير ذو رأي سديد وهناك قول آخر مشى عليه أكثر المفسرين بأنه طفل في المهد من أقاربها استدلالا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تكلم في المهد أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريح وعيسى بن مريم. قال الطيبي وهذا الحديث ذكره البغوي بلا سند، فلا يعتمد عليه، ومما يؤيد عدم اعتماده دلالة الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة:
عيسى بن مريم وصاحب جريح وصي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الصبي الثدي وقال اللهم لا تجعلني مثله، وردّه الجلال السيوطي فقال هذا منه أي من الطيي على جاري عادته من عدم الاطلاع على طرق الأحاديث، والحديث المتقدم صحيح على شرط الشيخين، أخرجه أحمد في مسنده، وابن حيان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وصححه من حديث بن عباس، ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح على شرط الشيخين، وفي حديث الصحيحين المشار إليه آنفا زيادة على الأربعة وهي الصبي الذي يرضع من أمه المذكور فصاروا خمسة، وهم أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم رحمه الله تكلم الطفل في قصة أصحاب الأخدود كما تقدم في سورة البروج في ج 1، وفي الآية 13 فما بعدها من سورة ص في ج 1 أيضا، وقد جمع الألوسي من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر صبيا وبينهم بقوله:
تكلم في المهد النبي محمد
…
ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريح ثم شاهد يوسف
…
وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي
…
يقال لها تزني ولا تتكلم
وما شطة في عهد فرعون طفلها
…
وفي زمن الهادي المبارك يختم
وقيل إن الطيبي لم يرد الطعن بالحديث المذكور وإنما أراد أن يبين الحديث الدال على الحصر وغيره تعارضا يحتاج إلى التوفيق والله أعلم. وما قيل إن الشاهد هو القميص المقدود ليس بشيء كما لا يخفى، وقد جعل الله تعالى الشاهد من أهلها على كلا القولين أي كبيرا كان أو صغيرا ليكون أدل على نزاهته عليه السلام وأنفى للتهمة وألزم لها، فإذا كان كبيرا تكون شهادته بمثابة الحكم أي حكم حاكم من أهلها، وإذا كان صغيرا وقد أنطقه الله الذي أنطق كل شيء فذكر كونه من أهلها لبيان الواقع لأن شهادة الصبي حجة قاطعة لا فرق فيها بين أن يكون قريبا أو بعيدا، وسمي شاهدا لأنه أدى كلامه جهرا لدى الطرفين تأدية الشاهد شهادته لدى الحاكم، ولأنه دل على الشاهد الحسي وهو تمزيق القميص المذكور في قوله تعالى «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ 26» فيما دافع به عن نفسه وهي صادقة بدعواها «وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ 27» في دفاعه وهي كاذبة في دعواها وظاهر الحال يؤيده إذ لا يعقل شق القميص من الوراء من قبل الطالب، وهذه الآية تشير إلى أن الشاهد كان طفلا لأنه لو كان كبيرا وكان معهم على الباب فلا بدّ وأن يطلع على التّمزيق هل هو من أمام أو من خلف، ولم يسأل عن شق القميص، فلو قال القائل بهذا إنه جاء بعد العزيز وأن العزيز حكى له الحالة دون أن يطلع على القميص وأنه حكم بما حكم له بحالة لم يشاهد معها شيئا من ذلك، لكان أقبل للأخذ به. هذا وبعد أن سمع العزيز كلام الشاهد نظر زوجها إليه وعاينه قال تعالى «فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ» أيها الماكرات المحتالات «إِنَّ كَيْدَكُنَّ» أيتها النساء «عَظِيمٌ 28» جدا يعجز عنه الرجال جانحا بهذا إلى تصديق شهادة الشاهد المكذبة لا دعاء زوجته والمحققة صدق دفاع يوسف، وقد خاطبها بلفظ عام بمقابلة خطابها له به إذ قالت
(ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) ، وتنبيها إلى أن الكيد خلق لهن عريق، والمكر من شأنهن قديم، والحيل من عاداتهن والخداع دأبهن، والفتنة من ديدنهن، قال أبو تمام:
ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها
…
سجيّة نفس كل غانية هند
وإنما وصف الله كيدهن بالعظم أشدّ تأثيرا في النفس ولأنه منهن يورث العار بخلاف صدور لكونه من الرجال، ولربات القصور منهن القدح المعلّى لأنهن أكثر تفرغا من غيرهنّ، ولأن أحدا لا يجسر على فضيحتهن غالبا. هذا ولعظم كيد النساء اتخذهن إبليس عليه اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغوائه، ففي الخبر ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء، وفي خبر آخر: اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن إبليس طلاع رصاد وما بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء بالنساء، قال بعض العلماء إن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهنن به. وقال آخر أنا أخاف من النساء أكثر من الشيطان لقوله تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) الآية 75 من سورة النساء في ج 3. وقال هنا (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) وجاء في الحديث: اطلعت إلى النار فوجدت أكثر أهلها النساء إلخ يكفرن العشير.
وجاء، النساء حبائل الشيطان. وقال عليه السلام: لا تطلعوا النساء على حال، ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن وما يردن أوردن المهالك، وأفسدن الممالك، ينسين الخير، ويحفظن الشر، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين في الطغيان. وقال سليمان عليه السلام امش وراء الأسد ولا تمش وراء المرأة. وقال صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحادثة المرأة فإنه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا هم بها. وقال علي كرم الله وجهه: إياك ومشاورة النساء فإن رأيهنّ إلى أفن (ضعف ونقص) وغرمهن إلى وهن (ضعف في الأمر والعمل والبدن) اكفف أبصارهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأضرّ من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل، ويأتي الأفن بمعنى الأحمق ضعيف الرأي قليل التدبير، والوهن الضعف والفتور.
وقال أبو بكر رضي الله عنه: ذل من أسند أمره إلى امرأة. وقال عمر رضي
الله عنه: أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم تغريهن على المسألة وقال استعيذوا بالله من شر النساء وكونوا من خيارهن على حذر. وجاء في حكمة داود عليه السلام وجدت في الرجال واحدا بألف ولم أجد واحدة في جمع النساء. وقال الحكماء لا تثق بامرأة ولا تغتر بمال وإن كثر. وقال النخعي من اقتراب الساعة طاعة النساء، ويقال من أطاع عرسه فقد أضاع نفسه، وقال بعض الحكماء: إياك ومخالطة النساء فإن لحظات المرأة سهم ولفظها مهم. وورد: ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان رسولها إليه ورسوله إليها وللنساء حيل في إتمام مرادهن لا يقدر على بعضه عظام الرجال، فالمرأة إذا أحبتك أكلتك، وإذا أبغضتك أهلكتك، وهي الشر كله فاتقها بكلك. ثم التفت العزيز إلى يوسف وقال يا «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا» الذي وقع لك مع سيّدتك لا تذكره واطو حديثه، والتفت إليها وقال توبي «وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ» اقترفتيه مضاعفا بتهمتك غلامك من إرادة السوء الذي أنت مصدره، واندمي على تعديك عليه بما رميته به «إِنَّكِ كُنْتِ» بعملك هذا «مِنَ الْخاطِئِينَ 29» لخيانتك زوجك والبهت على غلامك، ولم يقل الخاطئات تغليبا للرجال على النساء. واعلم أن الحكم الماهر بجملته تلك التي حكم بها قد عرف زوجها منها خيانتها من وجوه: لأن يوسف مملوك عندهم والمملوك لا يتجاسر على سيدته، ولأنه شاهدهما هو هارب وهي طالبة والطالب لا يهرب، ولأنه رآها مزينة بأكمل الزينة ويوسف بدرعه لا غير، ولم ير عليه شيئا من علائم الرغبة، بل عليه علامة الرهبة منها والخوف من الله، ولأنه خبره في هذه المدة الطويلة خمس عشرة سنة ووقف على حاله وكمال أدبه وأحاسن أخلاقه وحيائه وخجله وعدم اطلاعه على حالة تناسب إقدامه على مثل تلك الحالة، وقد أيد عدم رغبته قد قميصه من دبر، ولذلك ألصق التهمة فيها، هو وابن عمه على القول بأنه هو الشاهد وبرأه مما عزي إليه، وإذا كان الشاهد صغيرا وهو ما يركن إليه الضمير فإن براءته قطعية لا ظن فيها، لأنها من الله معجزة له عليه السلام، والله خير الشاهدين، وبما أن الله تعالى لم يبين لنا هذا الشاهد فقد جمعنا بين أقوال المفسرين في هذا الشأن ووكلنا العلم إلى الله، وإنما ملنا إلى القول الثاني لأن الشاهد الكبير ابن عم زوجها والصغير ابن خالها أو أختها، والله تعالى يقول من أهلها، تدبر.