المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

براءة لساحتهم، فأمر يوسف كبير أعوانه بذلك «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ» أي فتش أولا أوعية أخوته لأبيه «قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ» الشقيق بأن أخره بعدهم.

‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

قالوا فلم يروا شيئا، وكانوا كلما فتحوا متاعا أو وعاء لا ينظر إليه يوسف ويستغفر الله ربه تأثرا مما رماهم به حتى لم يبق إلا رحل بنيامين، فأراد الأعراض عنه فقال اخوته لا والله لا نتركك حتى تتحراه أيضا، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا فأمر بفتحه إجابة لطلبهم، ثم تحروه فوجدوه فيه، وذلك قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ» أنت الضمير هنا وذكره آنفا لأن الصواع يذكر ويؤنث أو أنه عند التأنيث يعود للسقاية، وفي التذكير يعود للصواع، قالوا لما رأوه الأخوة بهتوا ونكسوا رءوسهم وأقبلوا على بنيامين يلومونه. ويقولون له يا ابن راحيل فضحتنا وسوّدت وجوهنا، فقال والله ما وضعته ولا سرقته، فقالوا يا ابن راحيل ما زال يأتينا منكم بلاء، فقال لهم بعد أن شددوا عليه بالتأنيب إن ابن راحيل ما زال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، وأقيلتم تؤنبوني على ما لم أعلم، ان الذي وضع الصاع في رحلى هو الذي وضع البضاعة في رحالكم في المرة الأولى، وقصد بهذا يوسف عليه السلام لأنه في الحقيقة هو الذي فعل الأمرين بنفسه أو بأمره ولكنه عرض بهم ليفهمهم انكم أنتم جئتم أولا بالبضاعة والآن بالسقاية، فتذكروا إن كنتم تعلمون بمن وضع البضاعة في رحلكم، فأنا أعلم الذي وضع السقاية في رحلي، وإذا كنتم لا تعلمون فأنا أيضا لا أعلم. ولما سمعوا منه هذا القول سكتوا وظنوا أن ما قاله هو الواقع، قالوا فأخذ يوسف بنيامين بمقتضى شرع أبيه الذي ذكره إخوته وأمرهم بالانصراف، قال تعالى «كَذلِكَ» مثل الكيد العظيم «كِدْنا لِيُوسُفَ» وعلمناه إياه والكيد من الناس حيلة ومكر ومن الله تعالى تدبير بالحق، ولولا هذا التعليم والتدبير السديدين «ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ» لأن شريعة ملك مصر أن يغرم السارق مثل ما أخذ ويضرب فقط، لا أن يؤخذ ويسترق «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» ذلك، لأن هذا كله إنما وقع من يوسف بالهام من الله تعالى ومشيئته، ولولا

ص: 241

ذلك لما جرى الأمر على ما أراد قال في درر المرتضى إن كدنا تأتي بمعنى أردنا، وعليه أنشد:

كادت وكدت وتلك خير إرادة

لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

هذا وانا نحن إله السموات والأرض الخافض الرافع «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» بالعلم والعمل كما رفعنا رتبة يوسف على إخوانه باقتضاء حكمتنا وما تستدعيه المصلحة «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ 76» من البشر إلى أن ينتهي إلى ربه تعالى مما لا يناله البشر، راجع الآية 43 من النجم المارة في ج 1، ولما رأى الإخوة أن سقط في أيديهم وقد احتفظ الملك بأخيهم وأمرهم بالانصراف أقبلوا عليه كلهم و «قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» وعرضوا بكلامهم هذا بأن أمهم ليست بامه، قيل إن السرقة التي عزوها ليوسف وعيروا بها أخاه هي ما ذكرناه قبل في قصة المنطقة عند قوله تعالى، (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الآية 34 المارة، وما قيل إنه عليه السلام كان سرق بيضة أو صنما أوانه كان يسرق الطعام ويعطيه للفقراء أقوال أضعف من القول الذي أخذنا به، لأن هذا وأمثاله مما لم ينبه عليه الله تعالى ولم يوقف على حقيقته أحدا، وإن علمه عند الله وحده، وما ذكر كله على علاته لا يسمى سرقة على فرض صحتها، وإنما سميت سرقة لشبهها بها، وبما أنهم لم يجدوا ما يعدوه عليه عيبا من شيء ظاهر معقول ولا ما يمس بكرامته غير ذلك، عدوه عيبا عليه، من حيث لا يعد إلا على حد قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فأول من قراع الكتائب

قال تعالى «فَأَسَرَّها يُوسُفُ» عليه السلام أخفى تلك المقالة التي وصموه بها بالسرقة حيث جعلها مكتومة في سره «وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ» لا قولا ولا فعلا بل صفح عنها حلما وعفوا أو كتم ما أراد ان يجابههم به من القول جوابا على مقالتهم تلك، وهي المعني بها بقوله تعالى «قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً» منزلة ممن رميتموه بالسرقة، أي ذكر هذه الجملة في نفسه عليه السلام لما حصل في قلبه من الحزازة الحاصلة من قولهم ذلك، والحزازة وجع القلب من غيظ ونحوه، وقيل أنه عليه السلام أراد بقوله لاخوته (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) لما أقدموا عليه من

ص: 242

أخذهم له بطريق الاحتيال وظلمهم بضربه في الأرض والقائه في الجب، وكذبهم على أبيهم بأن الذئب أكله، وبيعهم له بثمن بخس، وبعد هذا كله ومرور الزمن الطويل ترى بقاء الحقد عليه بقلوبهم حتى رموه الآن بالسرقة، وهذا وجيه كله لولا كلمة الحقد لأنه بعد أن شرفهم الله بالنبوة لم يبق في قلوبهم حقد ولا حسد، ولكنها كلمة سبق بها اللسان في مثل هذا الحال، واختطفها القلم فأثبتها «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ 77» به يوسف وأخاه ثم تذكروا موثقهم الذي أعطوه لأبيهم بأن لا يفرطوا به حتى يغلبوا جميعهم كما مر في الآية 66 وعزموا على إيفاء عهدهم لأبيهم وهم أحق ممن يفي بعهده، فالتفتوا إلى يوسف وخاطبوه بما ذكر الله عنهم عزّ ذكره «قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً» في السن والقدر والجاه، وأن من كان كذلك فان ابنه يستوجب العفو والصفح احتراما له فضلا عن أنه لا يصبر على فراقه مدة استرقاقه، إذ أقعدته الكآبة على أخيه الأول وصار يتعزى عنه بهذا، فنرجو منك أيها الملك الصفوح الحليم أن تعفو عنه وإلا «فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 78» للناس عامة ولنا خاصة، وعددوا فضائله التي أجراها لهم «قالَ» يوسف أنا لا أمنّ بإحساني إليكم «ولكن مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ» لم يقل من سرقه تورعا، ولذلك سنّ للشاهد أن يقول أخذ لا سرق درأ له في الحد «إِنَّا إِذاً» إذا أخذنا بدله وتركناه «لَظالِمُونَ 79» مبالغون في الظلم بأخذنا البريء وتركنا المدان بإجابة طلبكم ونحن ما أخذناه إلا على قولكم وفتواكم حسب شريعتكم، ولو تركتمونا وشأننا لعاملناه معاملة رعيتنا بمقتضى شرع البلاد بأن نأخذ منه مثل ما سرق ونضربه ثم نتركه، أما الآن وقد تم ما توافقنا عليه فلا مجال لتركه إذ لا يجوز للملك أن يرجع عن أمر أنفذه إلا بعفو، والسارق ليس بأهل له «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ» وعرفوا يقينا أنه لا يرده إليهم ولا يقبل فداءه بأحدهم «خَلَصُوا نَجِيًّا» انفردوا عن الناس بأنفسهم يتناجون بينهم ويتشاورون ماذا يفعلون «قالَ كَبِيرُهُمْ» وصاحب مشورتهم يهوذا المنوه به في الآية 10 المارة «أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ

ص: 243

اللَّهِ»

بزده إليه إلا أن يحاط بكم فتغلبوا جميعكم عليه ولا يمكنكم تخليصه بصورة من الصور «وَمِنْ قَبْلُ» بنيامين هذا «ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ» قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه والقول بكون ما هنا مصدرية أحسن من كونها زائدة، إذ لا زائد في كتاب الله ومن القول بأنها موصولة لأنه يؤدي لجعل كلمة قبل تكرار، إذ يكون المعنى من قبل الذي فرطتم، وعلى الأول من قبل تفريطكم وهو أحسن، قالوا قال لهم يهوذا انكم حين أخذتم يوسف قلتم لأبيكم إنا له لناصحون، إنا له لحافظون، وإنا إذا لخاسرون، راجع الآيات 10 فما بعدها ولم تراعوا محافظة أقوالكم هذه ولم تفوا بوعدكم وعهدكم لما كنتم عليه قبل تشريفكم بالنبوة، أما الآن وقد أكدتم إيمانكم ومواثيقكم أيضا وجزمتم بأنكم لا تتركونه إلا أن تغلبوا أو تقهروا «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ» هذه ولا أغادرها معكم أبدا «حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي» بمبارحتها فيقبل عذري بعدم التمكن من استخلاص بنيامين لأنه صار بيد الملك، وقدرته محيطة بنا، إذ لا يمكن أن يباري الملك أو يجارى أو يقابل أو يشادد، لأن قدرته محيطة بنا قالوا إن الكبير الذي قال هذا القول هو روبيل وهو الذي تخلف في مصر وقد مر أنه شمعون راجع الآية 62 المارة، والصحيح أن كبيرهم في السن روبيل، وفي الرياسة شمعون، وفي العقل

والمشورة يهوذا، والله أعلم وقال أرى أن نخبر أبانا بهذا ونعلمه بأنا قد أقمنا بما يجب علينا إزاء موثقه الذي أخذه علينا، فيعذرنا أو يأمرنا بما يراه «أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي» برد أخي لأبيه، ولو بقيت ما بقيت أو أخرج قسرا من مصر أو أقاتل الملك، فإما أقتل فأعذر أو أستخلص أخي فأكون بارا بوعد أبي، وهذا الذي أبتغيه من الله «وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ

80» فلما سمع روبيل قول أخيه يهوذا غضب، وكان إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ولم يقاومه أحد، وكان إذا صاح ألقت الحوامل حملهن، ولكن إذا مسه أحد من ولد يعقوب سكن ما فيه، فقال يا إخوتي كم عدد أبواب مصر قالوا عشرة، قال لهم اكفوني الأسواق، وأنا أكفيكم الملك، ثم تقدم إلى الملك فقال أيها الملك لتردنّ أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقى بمصر امرأة حاملا إلا وضعت، فنظر إليه وإذا

ص: 244

كل شعرة منه قائمة ورأى شعر صدره خارجا من ثيابه، فأشار يوسف لابنه الصغير أن يلمسه فذهب إليه وصار الملك يكلمه حتى مسه فسكن غضبه، ونظر إلى اخوته وقال لهم أيكم مسّني قالوا لا أحد، فقال في نفسه ان هذا بذر من بذور يعقوب يريد ابن يوسف لظنه أنه مسه، ثم غضب ثانيا وتطاول على الملك بصوته وكلامه. ولما لم ير يوسف بدا من التخلص منه إلا بمسه تقدم إليه ووكزه برجله فرماه على الأرض وقال له أنتم أيها العبرانيون تزعمون أن لا أحدا أسد منكم قوة، وانما فعل هذا بنفسه ليسكن غضبه بمجرد مسّه، وعرف أنه لو سلط عليه جميع فتيانه لعجزوا عنه ولبطش بهم، فظن اخوته انما سكن غضب أخيهم من شدة وكزة الملك، ووقع على الأرض من قوة تلك الرفسة، فقال بعضهم لبعض لا قدرة لنا على مقابلته، وابتعدوا عنه وقال بعضهم لبعض

«ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ» صواع الملك وان الملك ذو بطش وقوة لا طاقة لنا به، وقصّوا له ما حدث بينه وبين كبيرهم روبيل، وتحقق العجز عن تخليصه بمشاهدتنا كلنا «وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا» من ثبوت السرقة بوجود الصاع في رحله فقط، إذ لا شاهد على الفعل، وبما أن وجوده في رحله يحتمل أن دسه فيه وقع ممن لا يعرف طلبنا منه العفو عنه وأن يسدينا معروفا فوق أفضاله السابقة علينا فلم يفعل، لأن السارق لا يعفى عنه بشريعته هذا «وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ 81» ولو لم تعلم ما قدر عليه من غيب الله ما أعطيناك ذلك الموثق الذي أخذته علينا، بل لما أخذنا معنا، فاذا صدقكم فيها والا قولوا له «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها» أي أهل مصر «وَالْعِيرَ» واسأل أهل العير «الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها» إذ كلوا من كنعان جيران ليعقوب عليه السلام، وأصل العير قافلة الحمير ثم توسع بها لكل قافلة، لذلك قلنا آنفا في الآية 70 المارة إنها قافلة الإبل وأكدوا قولكم بما شئتم، فقولوا له «وَإِنَّا لَصادِقُونَ 82» فيما ذكرناه لك، وإنما تآمروا على هذا القول الفصل مبالغة في إزالة التهمة عنهم بسبب واقعة يوسف، قالوا فذهبوا وتركوا كبيرهم في السن في مصر ليديم المراجعة بشأن أخيهم ويتعاهده برا بعهدهم

ص: 245

يحفظه، ولما وصلوا قصّوا له القصة وما تفرع عنها من المناجاة ومكالمة الملك لأخيهم، فقال لهم ومن أعلم الملك بأن السارق عندنا يؤخذ بسرقته لولا أنكم أخبرتموه؟

قالوا إنما أخبرناه حينما سألنا عن جزاء السارق بعد إنكارنا لسرقة الصواع لعلمنا أننا براء من سرقته، فذكرنا له ذلك لئلا يؤثر علينا كذبا، هذا ولا يقال كيف يجوز ليعقوب عليه السلام وهو نبي أن يقول هذا القول لما فيه من إخفاء الحكم الشرعي، لأن هذا مشروط فيما إذا كان المسروق منه مؤمنا تابعا لشريعته ومن يعامل معاملة المؤمنين بالمثل، لا إذا كان كافرا، وكان عليه السلام يظن أن حكومة مصر كافرة إذ ذاك، قالوا فلم يقبل عذرهم، لذلك «قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» أردتموه في بنيامين فزينت لكم أنفسكم إيقاع السوء به كما زينته لكم قبلا في يوسف «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» على فعلكم هذا معى بأخويكم، اذهبوا عني «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً» يوسف وبنيامين وروبيل. قال هذا من قبيل الإلهام الإلهي وحسن الظن بالله، إذ كان حزينا على يوسف فاشتد حزنه على بنيامين وروبيل أيضا وما بعد الشدة إلا الفرج، وأنه عليه السلام لم يصدق أولاده بهلاك يوسف وقد وقر في صدره أنه سيرده الله عليه ويرى تأويل رؤيته وهو يترقب ذلك كله، ولذلك قال عسى إلخ «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ» بحالي ووجدي عليهم «الْحَكِيمُ 83» فيما يدبره ويقضيه من إتيانهم إلي «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ» ولا هم ظهره وأعرض عنهم لأنه لما سمع كلامهم ضاق صدره ولم يبق بوسعه مكالمتهم ولم يقدروا أن يعيدوا عليه الكلام لما رأوا من شدة حزنه فانكفوا عنه ثم طلبهم ليوقفهم على حاله «وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ» الأسف أشد الحزن لأن الحزن إذا تقادم وأتاه حزن آخر جدد الأول فكان أوجع للقلب، وأعظم لهيجان الحزن الأول الماكث فيه، قال متمّم ابن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدد حزنه على أخيه مالك وصار يبكي ويقول:

يقول أتبكي كل قبر رأيته

لقبر توى بين اللوى والدكائك

فقلت له إن الأسى يبعث الأسى

فدعني فهذا كله قبر مالك

يعني أن الحزن يجدد الحزن، وانما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخيه،

ص: 246