الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعَذابَ»
الذي وعدناك بإنزاله عليهم يا سيد الرسل عند عدم قبولهم ما تتلوه عليهم من وحينا «إِلى أُمَّةٍ» آجال وجماعة من الأوقات «مَعْدُودَةٍ» قلائل معلومة محدودة لأن الدنيا كلها قليلة بالنسبة إلى الآخرة، ويطلق لفظ الأمة على الجماعة من الناس، فكأنه تعالى قوله يقول لو أخرناهم بمقدار حياة أمة وانقراضها ومجيء أمة أخرى «لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ» ما يمنع العذاب الذي توعدنا به يا محمد من النزول استهزاء وسخرية بك يا أكمل الرسل، لشدة جهلهم وعدم علمهم أن لمقدراتنا كلها آجالا مقدرة لا تقدم ولا تؤخر عما هو مدون في علمنا الأزلي، ولكن قل لهم إنه نازل بهم لا محالة، ثم صدّر الخطاب بأداة التنبيه المار ذكرها في الآية الخامسة من هذه السورة فقال «أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ» بوجه من الوجوه لأن أجل الله إذا حل لا يحول وهو مهلكهم البتة.
مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:
واستدل جمهور البصريين على جواز تقديم خبر ليس عليها كما يجوز تقديمه على اسمها بلا خلاف، لأن يوم منصوب بمصروفا الذي هو خبرها، ولا عبرة لمن ادعى عدم الجواز بعد أن وقع في كتاب الله تعالى، قال في البحر: تتبعت دوارين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها، ولا تقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية وقول الشاعر:
فيأبى فما يزداد إلا لجاجة
…
وكنت أبيا في الخنى لست أقدم
فإنه مقدم عليها، قال تعالى «وَحاقَ بِهِمْ» أحاط بهم من جميع جهاتهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 8» أي العذاب المعبر عنه بما من كل جوانبهم فلا محيص لهم للتخلص منه، وأصل (حاقَ) حقّ مثل زل وزال وذم وذام، وجاء بمعنى الماضي لتحقق وقوعه، وإلا فالمقام يستدعي مجيئه مستقلا لعدم وقوعه بعد (ان يحيق بهم) وجاء بيستهزئون مكان يستعجلون، لأن استعجالهم بطلب نزول العذاب كان بطريق السخرية، لأنهم غير مصدقين به قال تعالى «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً» من صحة وسعة وأمن بحيث يجد لذّتها، ولذلك عبّر
بالإذاقة عن الإعطاء والإيصال «ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ» لعدم قيامه بشكرها، قال عليه الصلاة والسلام اشكروا النعم لا تكفروها، فإنها إن زالت فهيهات أن تعود. فالعاقل يقدر النعمة حال تلبسه بها، والجاهل لا يقدرها حتى تسلب منه بالمرض والضّيق والخوف فإذ ذاك يندم ولات حين مندم، وعبّر عن السلب بالنزع إشعارا بشدة تعلقه بها وإيذانا بزيادة حرصه عليها «إِنَّهُ لَيَؤُسٌ» من عودها إليه قنوط الرجاء من فضل الله، لعدم صبره وتوكله عليه وثقته به، ولو كان متوكلا وثقا بالله لقيدها بالشكر ولكنه «كَفُورٌ 9» لما أسلفه الله من النعم شديد الجحود لها كأن لم ينعم عليه بشيء، لأن الضيق بعد سعة الرزق، والمرض بعد الصحة، والخوف بعد الأمن صعب جدا، لا يقدر من يصبر عليه كل أحد، أجارنا الله من ذلك. قال تعالى «وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ» وأرهقته «لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي» تباعد عني كل ما يسوءني من فقر ومرض وخوف وذل، فيأمن مكر الله إذ يغيب عن باله زوالها إذا لم يؤد شكرها ويصرفها مصارفها ولم يضفها إلى الله تعالى بل إلى الصدقة والعادة والكد، ولهذا فقد ذمه الله بقوله عز قوله «إِنَّهُ لَفَرِحٌ» بما ناله من ذلك الخير «فَخُورٌ 10» به على غيره، ولم يخطر بباله أن ذلك كله من ربه. واعلم أن للفرح لذة في القلب تحصل بنيل المراد، واليئوس والفخور والكفور، أحمد مبالغة تدل على الكثرة والفخر والتطاول على الناس بما عنده من المعاقب والمال والنشب والرياش والرياسة، واللام في لئن في الآيات الأربع المارة موطئة للقسم، وجوابه سادس جواب الشرط كما في قوله:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها
…
وأمكنني منها إذا لا أقيلها
برفع أقيلها لأن إذن هنا حرف جواب وجزاء فقط، إذ فصلت لا النافية بينها وبين الفعل، وشرط النصب بها عدم الفصل والتصدير وكون الفعل بعدها مستقبلا ولم يغتفر بالفصل بينها وبين الفعل إلا بالقسم كقوله:
إذن والله نرميهم بحرب
…
يشيب الطفل من قبل المشيب
لأن الفصل بغير القسم يمنع تسلط الناصب، وعليه قول أبي محجن الثقفي رحمه الله:
إذا مت فادفنّي إلى أصل كرمة
…
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّي في الفلاة فإنني
…
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
بالرفع لعدم تسلط الناصب بسبب الفصل بلا، وإنما قلت رحمه الله لأنه تاب توبة نصوحا في حرب القادسية، وسنأتي على قصته في غير هذا الموضع.
قال تعالى «إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا» على الشدائد والمصائب وأيقنوا أن الله تعالى سيبدل عسرهم يسرا، وخسرهم نفعا، وخوفهم أمنا، وذلّهم عزّا، فإن هؤلاء يسندون كل ما يصيهم إلى ربهم ويعلمون أن الخير برضاه والشر بقضاه. واعلم أن هذا الاستثناء متصل من الإنسان إذا أردنا بالإنسان الهار ذكره في الآية المتقدمة الجنس، وأل فيه للاستغراق، ومنقطع إذا أردنا به الإنسان الكافر، وأل فيه للعهد. قال ابن عباس المراد كافر معين وهو الوليد بن المغيرة أو عبد الله بن أمية المخزومي. على أن الإطلاق أولى، فيدخل فيه المذكوران وغيرهم، ولا مندوحة عندي في تخصيص هذين الكافرين وأضرابهما في نزول آيات الله، وهم أصغر من ذلك، والأحسن أن يجنح المفسر إلى عدم تقييد أو تخصيص آيات الله بإنسان أو شيء إلا إذا كان هناك مقيد أو مخصص، وإلا فالإطلاق والتعميم أولى وأحسن للذين فقهوا معنى الآيات «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» مع صبرهم وداوموا عليها حال عسرهم ويسرهم وشكروا الله تعالى على ما آتاهم من فضله من النعم ورجوا منه دوامها وصبروا وحمدوا عند زوالها «أُولئِكَ» الذين هذه صفاتهم «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» عظيمة لذنوبهم مهما كانت، لأن الغفور لا يعظم عليه شيء «وَ» لهم بعد هذه المغفرة «أَجْرٌ كَبِيرٌ 11» لا أكبر منه وهو الجنة، وقد وصف الله تعالى ثوابهم بالكبر لما يحتوي عليه من النعيم السرمدي ولاشتماله على رضاء الله. هذا ولما تمادى الكفرة على طلب اقتراح الآيات من حضرة الرسول تعنتا لا استرشادا، لأنهم لو كانوا مستهدين لكفتهم آية واحدة ولما داوموا على استهانتهم بحضرة الرسول وعدم اعتبارهم ما يتلوه عليهم من القرآن الحكيم، ضاق صدره الشريف من ذلك، واشتد ضيقه لما يرى من ضحكهم وسخريتهم واستهزائهم عليه وعلى ربه وكتابه، وخاف أن يلحقه ملل من الإدمان على وعظهم هيّجه