الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات تخبر العارف بصواب الحكمة المتقنة، وتهيء المعاني للقلوب الطاهرة على تصديق ما تخبر به قومك، وتلهب قلوب أهل للعزم صادقي النيّة على تأييدك فيما تبشر به وتنذر. فيا أكمل الرسل «أَكانَ لِلنَّاسِ» أهل مكة وغيرهم «عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ» عظيم القدر جليل الخلق (بدلالة هذا التنوين المأتي به للتبجيل) وجعلنا ذلك الرجل الخطير الذي أهلناه لوحينا وللخلافة في أرضنا «مِنْهُمْ» من أحسنهم حسبا وأشرفهم نسبا، وقلنا له «أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ» قومك من أهل مكة وغيرهم من سائر الخلق العاقل بأن ينتهوا عما هم عليه من عبادة غير الله الواحد، ومن الأفعال والأعمال الذميمة ويرجعوا عن الكفر، أو ينزل بهم عذاب لا طاقة لهم به «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا» منهم بك وصدقوا ما تتلوه عليهم من هذا القرآن وأقلعوا عما هم عليه من الكفر ودواعيه.
«أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ» منزلة ومكانة «صِدْقٍ» سابقة رفيعة أي قد سبق لهم عند الله خير. قال ذو الرّمة:
وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة
…
لهم قدم معروفة ومفاخر
مطلب في معنى القدم:
لأن القدم كل ما قدمت من خير وهو كناية عن العمل الذي يتقدم فيه الإنسان، وأطلق لفظ القدم على هذا المعنى لأن السعي والسبق يحصل به، فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، وفي إضافة القدم إلى الصدق التنبيه على زيادة الفضل. وقال بعض المفسرين المراد به الشفاعة وأنشد:
صل لذي العرش واتخذ قدما
…
ينجيك يوم العار والزلل
هذا، وكل عمل صالح ثوابه قدم صدق لفاعليه «عِنْدَ رَبِّهِمْ» راجع قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) آخر سورة القمر في ج 1، أي أن جزاء أعمالهم الحسنة مخبوءة لهم عند ربهم يوم يلقونه.
والقدم هو العضو المخصوص، وقد يراد منه التقدم المعنوي أي المنازل الشريفة قال حسان:
لنا القدم العليا إليك وخلقنا
…
لأولنا في طاعة الله تابع
وقال الآخر:
لكم قدم لا ينكر الناس أنها
…
مع الحسب العادي طمّت على البحر
وهذا القدم الذي يتخذ عند الله عز وجل هو ما يقدمه العاقل من أعمال صالحة بإخلاص صادق إلى ربه في دنياه ليدخرها له وينميها فيجد ثوابها عنده منازل رفيعة في جنة عالية دائم نعيمها، لهذا فإن كل فعل صالح وأمر طيب يسمى قدما من تسمية الشيء باسم آلته، وهذه الإضافة المشار بها آنفا من إضافة الموصوف إلى صفته مبالغة في تحقيقها، وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم أهله، إذ ليس للكافرين ما يبشرون به، بل لهم الإنذار والتهديد، وما جاء في بعض الآيات من لفظ البشارة لهم فهو من باب التهكم بهم قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الآية 5 من سورة التوبة في ج 3، أما الإنذار فإنه يصرف للفريقين المؤمنين والكافرين إذ قل من لا يستحق الإنذار «قالَ الْكافِرُونَ» لما سمعوا تلك الآيات البينات عتوا وعنادا «إِنَّ هذا» الذي تسمعونه من محمد ما هو إلا «سحر مبين 2» لا خفاء فيه على أحد وقرىء لساحر، وعليه يكون قولهم إن محمدا الذي يأتيكم بالآيات ساحر ظاهر سحره فلا تلتفتوا إليه، وذلك أنهم تعجبوا من أن الله تعالى كيف خص محمدا صلى الله عليه وسلم من بينهم وشرّفه برسالته إليهم، ويقولون الله أعظم من أن يكون له رسول بشر يتيم كيتيم أبي طالب، جهلا منهم بحقيقته صلى الله عليه وسلم فهو الذي لا ريب فيه لأحد من ذوي العقول الكاملة بأن له القدّنح المعلّى وفيه غاية الغايات ونهاية النهايات؟؟؟ والله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وقد قال رائبه فيه:
وأحسن منك لم تر قط عيني
…
وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب
…
كأنك قد خلقت كما تشاء
وقال الآخر:
ولو صوّرت نفسك لم تزدها
…
على ما فيك من كرم الطباع
وقال الأبوصيري:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر
…
وأنه خير خلق الله كلهم
ولم يعلم هؤلاء المتعجبون الذين طمس الله على قلوبهم أن الحظوظ الدنيوية لا دخل