الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لعظيم حلمه أما إذا أصرّ ولم يرتدع، فلا شك أنه ينزل به عذابه الذي لا مرد له «وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ» إذا حان أجله «عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ 147» لأنه لا يوقعه بهم إلا إذا تحقق عليهم ولم يكن لهم عذر بدفعه، ألا فلا يغتر أحد بالإمهال فإنه استدراج لا إهمال، وان ما يدره الله على المجرمين من السعة والعافية والجاه والسلطان هو نقمة لا نعمة بالنسبة لعاقبتها الوخيمة مما يترتب عليها من العذاب الأليم فلا يغفلنكم أيها الناس طول الأمل عن التوبة والرجوع إلى الله.
مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:
واعلموا أنه يوم يأتي عذابه «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» حينما لم يجدوا عذرا يعتذرون به ولا بدا من الخلاص إذ لزمتهم الحجة ولم يبلغوا الحجة «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا» أشرك «آباؤُنا» من قبل إشراكنا ولم نقلدهم بالشرك «وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ» مما ذكر على أنفسنا وغيرنا ولكن الله تعالى شاء ذلك كله ففعلناه تبعا لإرادة الله «كَذلِكَ» مثل هذا الكذب المحض «كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أنبياءهم من الأمم السابقة واحتجوا عليهم بهكذا مفتريات وانكبوا عليها «حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» فكبوا على وجوههم في النار.
وفي قوله تعالى، ذاقوا، إيماء إلى أن لهم عذابا مؤخرا عند الله غير الذي ذاقوه لأن الذوق أول قربان الشيء أو أن الإذاقة في الدنيا والأشد منها بالآخرة «قُلْ» لهم يا سيد الرسل «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ» يصح الاحتجاج به على زعمكم ذلك «فَتُخْرِجُوهُ لَنا» على أن إشراككم كان بمشيئة الله وأنكم فعلتموه تبعا لإرادته فإذا كان كذلك فلا شيء عليكم بل تستحقون الثواب لأنكم اتبعتم ما أراده الله عن علم ولكنكم فعلتم ذلك عنادا وعتوا وتبعا لشهوات أنفسكم وتسويلات شياطينكم وجهلا بمقام الإلهية المقدسة واستهزاء برسله العظام وسخرية بكلامه الجليل ولم تتبعوا في ذلك حقيقة ناصعة «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» الذي لا يغني عن الحق شيئا «وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ 148» تكذبون على الله وتختلقون أشياء من أنفسكم باطلة لا أصل لها في الشرائع السماوية. وليعلم أن الله تعالى حكى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا لو شاء الله ما أشركنا ثم ذكر عقبه قوله (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
وهذا التكذيب ليس هو في قولهم (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا) لأنه قول حق وصدق إذ لا يقع شيء إلا بإرادته ومشيئته بل هو في قولهم (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) ورضي ما نحن عليه كما أخبر عنهم في سورة الأعراف الآية 28 في ج 1، فردّ الله عليهم بقوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) ثم جهلهم وأنّبهم إذ ختم الآية بقوله (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) والدليل على التكذيب هو في قولهم (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) ورضيه منا لا في قولهم (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا) ولهذا صار قوله تعالى (كَذلِكَ كَذَّبَ) بتشديد الفعل ولو كان إخبارا عنهم بالكذب في قوله (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا) لقال كذب بالتخفيف بأن ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب ولو أنهم قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا لحضرته ومعرفة بحقه وبما يقولون لما عاب الله عليهم قولهم ذلك، ولكنهم قالوها تكذيبا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون، وعليه فلا دلالة إذا في هذه الآية الكريمة لمذهب القدرية والمعتزلة، ولا يتجه تأويلهم إياها على رأيهم بخلاف ما هي عليه من قولهم إنّ الكفار لما قالوا (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا) كذبهم الله ورد عليهم بقوله (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كما مر تفصيله، وأيضا فإن الله تعالى حكى عن هؤلاء القوم مذهب الجبرية القائلين لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك ولمنعنا من الشرك، وإذ لم يمنعنا عنه ثبت أنه مريد له وإذ أراده منا امتنع تركه لنا إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد، والجواب عن زعمهم هذا ما قدمناه في الآية 98 من سورة يونس، والآية 118 من سورة هود المارتين لأن أمر الله تعالى بمعزل عن مشيئته وإرادته لأنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريده، فعلى العبد أن يتبع أمره الذي أمر به على لسان رسله وليس له أن يتعلق بمشيئته التي لا يعلمها، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله، فهو جل شأنه يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به، قال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) الآية 7 من سورة الزمر الآتية، ومع هذا فإنه يبعث الرسل إلى عباده يأمرهم بالإيمان مع إرادته الكفر منهم، وإنك أيها الإنسان قد تأمر عبدك أحيانا بشيء لا تريده
بل تريد منه فعل غيره راجع نفسك وتفكر في هذا وتدبره تجده واقعا لا مرية فيه فعلى هذا أن كل خير يقع هو بمشيئه الله ورضاه وكل شر بإرادته وقضاه، قال في بدء الأمالي:
مريد الخير والشر القبيح
…
ولكن ليس يرضى بالنكال
ولا يخفى أن ورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع، لهذا فإن ما قيل إنهم كانوا يقولون الحق في هذه المقالة (أي لو شاء الله ما أشركنا) إلا أنهم كانوا يعدّونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لهم في ترك الايمان قول لا حقيقة له هذا وإن الله تعالى حكى عن الكفار انهم يتمسكون بمشيئة الله في شركهم وكفرهم، وأخبر أن هذا التمسك فاسد باطل غير ثابت فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام والله أعلم. قال تعالى يا أكرم الرسل «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» عليكم أيها الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب ولا حجة لكم عليه بإرادته ومشيئته «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ 149» ولكنه لم يشأ ذلك ولم يرده لأنه خلق أناسا إلى الجنة وآخرين إلى النار (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ) الآية 5 من سورة القمر ج 1 فبطلت حجة المعتزلة وغيرهم لأن هذا دليل على عدم إشائته إيمان الكافر وثبت الحق وزهق الباطل لأنه جل شأنه هدى من صرف اختياره إلى طرق الهدى وأضل من صرف اختياره إلى سبل الضلال (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) الآية 24 من سورة الأنبياء الآتية، وإن استعداد الفريقين يقتضي ما صرف كل منهما اتباعا لما قدر له في قضاء الله الأزلي ولا يقال حينئذ لا فائدة من إرسال الرسل كما زعم القائلون الذين حكى الله عنهم بقوله، (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) الآية 164 من سورة الأعراف في ج 1، لأن فائدة إرسال الرسل تحريك الدواعي للفعل والترك باختيار المكلف الناشئ من ذلك الاستعداد وقطع اعتذار الظالمين إذ قال جل قوله جوابا للسائلين آخر تلك الآية (مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) هذا وإذا تدبرت صدر الآية المفسرة وجدته دافعا لصدور الجبرية، وإذا تأملت عجزها وجدته معجزا للمعتزلة إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة
والعصيان، والثاني مثبت لنفوذ مشيئة الله تعالى في العبد وان جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل السنة والجماعة على المعتزلة ومن نهج نهجهم، واقتفى أثرهم، ولهذا البحث صلة في الآية 35 من سورة النحل الآتية فراجعه وقل الحمد لله رب العالمين القائل «قُلْ» يا محمد لهؤلاء المعاندين «هَلُمَّ» هذه كلمة دعوة إلى الشيء يستوي فيها المذكر والمؤنث والجمع والمفرد وفيها لغة أخرى وهي هلم للواحد وهلما للاثنين وهلموا للجمع وهلمي للأنثى والأول أفصح أي هاتوا «شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» الذي ذكرتموه في هذه السورة وغيرها مما لم يحرمه الله «فَإِنْ شَهِدُوا» على زعمهم بالتحريم فشهادتهم زور وقولهم بهت وكلامهم إفك «فَلا تَشْهَدْ» أنت يا حبيبي «مَعَهُمْ» لأنهم كاذبون «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» وعليك أن تتمسك بما أوحي إليك في ذلك وتنبعه وترفض افتراءهم، لأنهم كفرة لا يهمم الكذب، إذ ليس بعد الكفر ذنب فليس ببعيد ان اتبعوا أهواءهم في الشهادة الكاذبة «وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» لا يكترثون بذلك كيف «وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ 150» به غيره فيسوون أصنامهم الباطلة التي صنعوها واتخذوها بجلال الإله العظيم الجليل ومن كان كذلك استوى عنده الحق والباطل تبعا لهوى نفسه لهذا عليك باتباع الوحي وإدامة نشر الدعوة ولا يضرك فجورهم وليس لك أن تقاتلهم عليه الآن فاهجرهم هجرا جميلا حتى يأتي الوقت المقدر لاقارهم على الإيمان. وهذه الآيات المدنيات الثلاث الأخيرة المتضمنة الوصايا العشر الموجودة في الكتب القديمة المكلف بها جميع الأمم من لدن آدم إلى يوم القيامة
قال تعالى يا محمد «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» حقا يقينا لا مرية فيه ولا زعما ولا ظنا ولا تقليدا، وليس مما تزعمونه وتنسبونه إلى الله جهلا وتطاولا وتجاوبون به مكابرة وعنادا وتصرون عليه تجبرا أو عتوا، فاعلموا أن أول وأعظم ما حرم عليكم هو «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» من خلقه ولا من صنعكم ولا تطيعوا مخلوقا في معصية وقد حرم عليكم عقوق الوالدين بعد الإشراك به وأوجب عليكم برهما فقال «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» أحسنوا إليهما إحسانا
كثيرا إذ لا نعمة أعظم بعد نعمة الله على عبده بالإيمان الذي أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الهدى إلا نعمة حق الوالدين لما لهما من حق التربية والحفظ حال الصغر ولأنهما السبب الظاهري في وجود الولد، لذلك قرن الإحسان إليهما بعبادته وتوحيده قال تعالى (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الآية 23 من سورة الإسراء في ج 1 وقرن الشكر لحقهما بحقه فقال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) الآية 15 من سورة لقمان الآتية وقد اسهبنا ما يتعلق بحقهما في هاتين الآيتين فراجعهما تعلم أن عقوقهما محرم كبير موجب لعقاب كبير والمحرم الثالث «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» خوف الفقر وخشية الفاقة والإملاق هو الاقتار، لأنا «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» لا نكلفكم رزقهم وانكم لو علمتم انكم لا تقدرون أن ترزقوا أنفسكم فكيف تقدرون على رزقهم لأنا ضمنا لكم رزقكم قبل خلقكم أنتم وإياهم والخلق أجمع راجع الآية 23 من الذاريات الآتية ولا تقتلوهم أيضا لمظنة السبي فإنا نحفظهم لا أنتم، ثم ذكر المحرم الرابع فقال «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ» تقدم ذكرها وبيانها في الآية 32 من سورة الأعراف فراجعها، ولا يخفى أن النهي عن القربان يؤذن بشدة جرم الوقوع وهو أشد من التحريم، لأنه إذا كان قربانها محرما منهي عنه، فكيف بالوقوع فيها والعياذ بالله؟ ولفظ الآية شامل لكل ما يستقبح ويستفحش مادة ومعنى سرا وجهرا قليلا أو كثيرا مألوفا أو غير مألوف، ثم أكد هذا التعميم بقوله «ما ظَهَرَ مِنْها» بينك وبين الخلق «وَما بَطَنَ» فيما بينك وبين الخالق لأنه إذا امتنع بالعلانية وفعل بالسر كان مثل الجاهلية الذين لا يرون بأسا بالسر فيكون امتناعه ليس خوفا من الله وحياء منه بل خجلا من العبد فيضاعف له العذاب لمخالفته أمر الله ويكون امتناعه رياء، والمحرم الخامس «وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» بأن ارتد عن الإسلام بعد أن دخل فيه أو قتل نفسا تعمدا أو زنى وهو محصن فيكون قتله بحق إذا ارتكبت احدى هذه الثلاث، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك
لدينه المفارق للجماعة. «ذلِكُمْ» ما ذكر من التكاليف الخمسة المارة الذكر «وَصَّاكُمْ بِهِ» بالكتب المنزلة قبلا على لسان الرسل السالفة ربكم الجبار المنتقم وأكده الآن لكمال أهمية هذه الوصية فحافظوا عليها أيها الناس «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 151» فوائدها وتعون منافعها فتستعملون عقولكم بكف نفوسكم وحبس شهواتكم عن مباشرة شيء منها وأجيبوا دعوة ربكم بالمحافظة عليها لتفوزوا برضائه وتدخلوا جنته، والمحرم السادس هو أكل مال اليتيم لقوله تعالى «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
له إذ لا يجوز في حال من الأحوال قربان ماله إلا في حالة واحدة وهي ما يكون له فيها الحظ والنفع كحفظه وتنميته وإصلاحه والمداومة على ذلك «حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»
راشدا، لأن مطلق البلوغ لا يكفي بل يشترط الرشد معه فادفعوه إليه كاملا مع ربحه يعمل هو برأيه فيه، أما إذا بلغ سفيها فيبقى المال بيد الولي أو الوصي راجع الآيتين 5 و 6 من سورة النساء في ج 3 والآية 34 من سورة الإسراء في ج 1 تقف على التفاصيل المتعلقة بهذا، وإذا كان قربانه منهي عنه فكيف بأكله أجارنا الله منه، والمحرم السابع نقص الكيل والميزان لقوله تعالى «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ»
بالحق العدل، والأمر بالإيفاء يتضمن النهي عن التطفيف والتنقيص ومعنى القسط يؤذن بعدم الزيادة كما يحرم القص، واعلم أن الوفاء فيها من كرم الإنسان ومروءته التي يحمد عليها عند الله والناس، ومن جملة الوصايا العشر المذكورة في التوراة
والملمح إليها في الإنجيل بلفظ لا تسرق لأن نقص الكيل وتطفيف الوزن سرقة فيكونان داخلين فيها وإذا كان هذا النقص منهى عنه فالسرقة من باب أولى كيف وقد جعل الله حدها قطع اليد راجع الآية 38 من سورة المائدة ج 3، وقال تعال في عدم الحرج «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها»
طاقتها لأن الوسع هو الطاقة وهو عندنا بذل الإنسان جهده في عدم قربان شيء من المحرمات ولهذا لم يأمر الله بالزيادة لما فيها من الحرج على البائع ونهى عن النقص لما فيه من الظلم على المشتري والضيق لحاجته، فأمر الله تعالى ببلوغ الوسع في ذلك، وما وراء الوسع عفو مع لزوم الضمان لأن للجائع الذي لا يجد شيئا وقد أشرف على الهلاك، أكل مال غيره
دون اذنه، بقصد الضمان سواء كان بطريق السرقة والغصب، ثم ذكر المحرم الثامن فقال «وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا»
في قولكم وشهادتكم وحكمكم لأن القول يشمل ذلك كله وضدها حرام وهي الكذب وشهادة الزور والجور في القضاء وكذلك الغيبة والنميمة والسب والشتم والقذف أيضا «وَلَوْ كانَ»
المقول فيه والمشهود عليه والمقضي له «ذا قُرْبى»
ويدخل في القول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير زجر ولا شدة ولا ميل للغير ولا غضب لنفسه ويكون حنقه من أجل المنكر لله تعالى ليكون أرجى للإجابة وأكثر تأثيرا للقبول وأدعى للامتثال، والمحرم التاسع الغدر ونقض العهد، قال تعالى «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا»
لأن الأمر بالمحافظة على العهد يقتضي تحريم نقضه وهو يشمل عهد العبد مع ربه وعهده مع عباده وعهد العباد فيما بينهم والنّذر الواجب لأنه من جملة العهود أيضا والوعود، وقدمنا ما يتعلق بهذا الشان في تفسير الآية 24 من الإسراء في ج 1، ولا يخفى أن الوفاء بالوعود والعهود من أخلاق المؤمن والخلف والنكث من خلق المنافق قال صلى الله عليه وسلم: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أوتمن خان «ذلِكُمْ»
التكاليف الأربعة المتممة مع الخمسة الأول تسعة «وَصَّاكُمْ»
بها الرب الجليل المنعم «بِهِ»
على من قبلكم والتي وصى بها آبائكم الأقدمين والأمم السالفة بواسطة أنبيائهم «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»
في هاتين الآيتين المتضمنة تسعة من الأمور المهمة لتأمروا بالمأمور منها وتنهوا عن المنهي عنها، ثم بين الوصية العاشرة الجامعة لأنواع كثيرة من المحلات المانعة عن تعاطي كثير من المحرمات والتي هي نبراس يهتدى بها في الظلمات المبينة بقوله عز قوله «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً» لا عوج فيه ولا زيغ له ولا حيف فيه ولا محيد عنه لمن أراد الوصول إليّ والتنعم بجنّتي والخلاص من عذابي، وكلمة مستقيما منصوبة على الحال بمعنى الإشارة كما أشرنا إليه في الآية 126 المارة، لا تحيدوا عنه أبدا ليهديكم إلى الرشد ويقودكم إلى الصواب ويوصلكم إلى الدين الذي ارتضاه لكم بعد أن رضيه لنفسه المقدسة فاقتفوا أثره واعملوا به فهو الطريق السوي الذي يأخذ من اتبعه إلى السداد ويدله على سبل الخير والرشاد، واعلم أن جميع ما تقدم في الآيتين المارتين والخمس عشرة آية
من سورة الإسراء من 23 إلى 38 وما قبلها وما بعدها والآيات العشر من سورة الفرقان من 165 إلى 175 المارة في ج 1 من الأوامر والنواهي، والأحكام الشرعية داخلة في هذه الآية العظيمة ومؤذنة بان كل ما بينه الرسول الأعظم هو من دين الله القويم الواجب اتباعه. ثم أكد الأمر بسلوكه والنهي عن الانحراف عنه بقوله «وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» الطريقات الصغار المتشعبات عن الطريق العام والجادة المسلوكة، المختلفة يمينا وشمالا، المكنّى فيها عن اتباع الأهواء الفاسدة والبدع المضلة وشهوات النفوس الخبيثة وزخارف الدنيا الدّنية التي تؤدي بصاحبها إلى الهلاك لأنها توصل المعقود، وغايتها الضياع ونهايتها التلف كما كنّ عن الطريق المستقيم باتباع الدين الحق والمنهج الصدق الواضح المؤدي بصاحبه إلى النجاة بايصاله لمقصوده ونهايته الفوز بالمطلوب وإنما نهى الله تعالى عن اتباع السبل (نيات الطريق) لأن في اتباعها البعد عن الله ورسوله المنوه عنه بقوله «فَتَفَرَّقَ بِكُمْ» أيها المتبعون لها «عَنْ سَبِيلِهِ» السوي وتميل بكم إلى الدمار «ذلِكُمْ» المذكور في الوصايا التي وصى الله بها أسلافكم بواسطة أنبيائهم من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام وأوجب عليكم العمل بها «وَصَّاكُمْ بِهِ» الآن فعضوا عليها
بالنواجذ وتمسكوا بوصية ربكم «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153» طرق الهلاك ومواقع الضّلال وتصلون إلى بغيتكم في الدنيا والآخرة روى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله فقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه وقرأ هذه الآية، هذا وإنه تعالى ضرب مثلا في هذه الآية لدينه القويم الناصع بطريق عام معبد مار بالبيداء يوصل من يسلكه إلى البلد الذي يريده فاذا سلكه أوصله الى قصده بأمن وسلام وللأديان المعوجة الباطلة بطرق صغار متشعبة عن يمين وشمال الطريق السوي الضاربة في الصحاري لا يعلم مداها، ولا يعرف منتهاها، فإذا ترك الرجل ذلك الطريق المستقيم وسلك هذه الطرق تاه وتحير ووقع في حيص بيص فلا يزال يتخبط فيها حتى يهلك جوعا وعطشا وليعلم أن هذه الآيات مذكورة في الكتب السماوية كلها المنزلة على الرسل كما أشرنا إلى هذا قبل والوصايا العشر المذكورة في التوراة والإنجيل داخلة فيها
بدليل قوله تعالى عند ختام كل آية من الآيات الثلاث (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) أي وصى بها من قبلنا وأنزلها على رسولنا ليعمل بها هو وأمته إلى يوم القيامة ولا تزال طائفة من هذه الأمة عاملة بها حتى لا يبقى على الأرض من يقول الله قال تعالى «ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» التوراة الجليلة «تَماماً» للنعمة عليه وكرامة له «عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ» أي على من كان محسنا صالحا لاثقا للقيام به كائنا من كان، لأن الذي هنا للجنس، ولهذا قرأ ابن مسعود على الذين أحسنوا وقرأ الحسن على المحسنين وهما قراءتان تفسيريتان لأنهما مخالفتان لما في المصاحف، وقد ذكرنا أن كل قراءة لا تطابق ما في المصاحف لا عبرة بها ولا يجوز قراءتها لعدم ثبوتها بالتواتر المطلوب في صحة القراءة وإن هكذا قرئت لا تعد قراءة وإنما هي تفسير لبعض الألفاظ القرآنية وسبك بعضها ببعض ليس إلا قال الفراء إن الذي هنا في هذه الآية مثلها في قوله:
وإنّ الذي جادت بفلج دماؤهم
…
هم القوم كل القوم يا أم خالد
وإنما قلنا تفسير لأن الذي تأتي بمعنى الذين على اعتبار الجنسية في القراءة الأولى مثل من تأتي للفرد والجمع، والثانية مأخوذة من قوله (الَّذِي أَحْسَنَ) في الآية، فقال على المحسنين وهو تفسير لا قراءة كما لا يخفى «وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» يحتاج إليه قومه في دينهم ودنياهم «وَهُدىً» من الضلال «وَرَحْمَةً» عظيمة له ولقومه شاملة من تبعه في دينه ومات عليه إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم «لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ 154» بالبعث والحساب على الأعمال والجزاء عليها لأن من أيقن بهذا خاف فانتهى عن المنكر وعمل بالمعروف، قال تعالى «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ» إليك يا سيد الرسل «مُبارَكٌ» كثير النفع والخير «فَاتَّبِعُوهُ» أيها الناس واعملوا بما فيه يا أمة محمد من الأوامر والنواهي وحافظوا على أحكامه «وَاتَّقُوا» مخالفته وخافوا منزله «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 155» في الدنيا بالعافية وسعة الرزق وفي الآخرة بالنعيم الدائم، واعلموا أن ما أنزلناه إليكم إلا كراهية «أَنْ تَقُولُوا» لنبيكم إذا أمركم أو نهاكم «إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا» وهم اليهود والنصارى «وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ» جمع باعتبار
أن ما فوق الواحد جمع على حد قوله تعالى (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) الآية 36 من سورة النمل المارة، ولبحثها صلة في الآية 78 من الأنبياء الآتية وما ترشد لغيرها وأن أل في الكتاب للجنس فيشمل الزبور وغيره من الصحف المتقدمة ولذلك جاء الضمير بلفظ الجمع أي عن قراءتهم «لَغافِلِينَ 156» عن ما فيها من الأحكام لأنها لم تبلغنا وليست بلغتنا، وان هنا مخففة من الثقيلة واللام في لغافلين هي الفارقة بينها وبين ان النافية وهكذا كلما جاءت المخففة أعقبها اللام وإذا لم يعقبها فهو دليل على أنها نافية لا مخففة، قال تعالى «أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ» كما أنزل على من قبلنا «لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» أي من الأمم قبلهم الذين أنزل عليهم الكتب والجمع هنا باعتبار الفرقة والطائفة أو كما تقدم آنفا، وفي هذه الآية والتي قبلها إثبات الحجة على أهل مكة وقطع عذرهم لأن الله تعالى أنزل عليهم القرآن الكريم بلغتهم فلم يبق لهم ما يعتذرون به من أن الكتب القديمة أنزلت على من قبلهم وبلغتهم فهي خاصة بهم لأنها ليست بلغتهم كي يتعلموها، ونظير هذه الآية الآية 42 من سورة فاطر المارة في ج 1 فراجعها، قال تعالى «فَقَدْ جاءَكُمْ» يا أهل مكة «بَيِّنَةٌ» واضحة وحجة قاطعة وبرهان ساطع «مِنْ رَبِّكُمْ» الذي منّ عليكم بهذا القرآن الذي هو نور «وَهُدىً» لكم من الضلال «وَرَحْمَةٌ» بكم لتسلكوا سبل الرشد والسداد وترجعوا عن غيكم «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ» بعد أن جاءته على يد رسوله «وَصَدَفَ» أعرض ومال «عَنْها» ولم يلتفت إليها أي أن هذا لا أحد أشد منه ظلما البتة ومن هذا شأنه يكون داخلا في قوله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) الآية 124 من سورة طه في ج 1، وقال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) الآية 27 من سورة الزخرف الآتية، ولهذا أعقب الله هذه الآية بالتهديد والوعيد فقال «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ 157» أي بسبب ميلهم وانصرافهم وإعراضهم عما أمروا به من الحق «هَلْ يَنْظُرُونَ» هؤلاء المكذبون، وهذا استفهام بمعنى النفي كأن الله تعالى يقول لا يؤمن بك هؤلاء