المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

وكيفية العثور عليه في الآية 50 من سورة البقرة ج 3، أي زمن موسى عليه السلام إذ أخرجه من النيل عند خروج بني إسرائيل ودفنه مع آبائه في الأرض المقدسة. قالوا وانما ابتلى الله يعقوب بهذا البلاء، لأنه ذبح شاة فقام على بابه مسكين صاثم فلم يطعمه منها، أو انه شوى عناقا وأكله ولم يطعم جاره منه بعد أن شم ريح قترها، أو أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور عليه فلم يرحمها.

وهذه روايات لو فرض صحتها فلا تقدح بعصمة الأنبياء لانها ليست بسيئات، إلا أنهم عدوها سيئات إذ يطلب من الأنبياء أعمالا بحسب علو تاجهم وشريف مراتبهم، وكل منهم امتحن وصبر وفوض أمره إلى الله، قالوا والسبب في إتيان الفرج هو أن يعقوب عليه السلام كان له أخ في الله فقال له ما الذي أذهب نور بصرك وقوس ظهرك ولم تبلغ في السن ما بلغه أبواك؟ قال البكاء على يوسف والحزن على بنيامين، فأتاه جبريل فقال له إن الله يقرؤك السلام ويقول لك أما تستحي أن تشكوني إلى غيري فقال إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله، وانما رجل سألني فأجبته لا على طريق الشكوى، فقال جبريل الله أعلم بما تشكو. فقال يعقوب يا رب تلك خطيئة أخطأتها فاغفرها لي، فقال غفرتها لك، قال يا رب أردد علي ريحانتي ثم اصنع بي ما شئت، فقال جبريل ان الله يقرئك السلام ويقول أبشر فو عزّتي وجلالي لو كانا ميتين لنشرتهما لك أتدري لم وحدت عليك؟

قال لا، قال لأنكم ذبحتم شاة فقام على بابكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها شيئا، وأن أحب عبادي إلي الأنبياء ثم المساكين، اصنع طعاما وادع إليه المساكين، فصنع طعاما ثم نادى من كان جائعا فليفطر عند آل يعقوب،

‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

وصار بعد ذلك إذا تغدى أو تعشى نادى مناديه من أراد أن يتغدى أو يتعشى فليأت آل يعقوب فهو أول من سن النداء للطعام وجدد هذه السنة السيد هاشم جدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشاركه في هذه الخصلة أحد من العرب، وفي عصرنا هذا أحباها الشيخ جدعان بن مهيد من عشائر عنزة، أما الكرم المطلق فيكثر

ص: 261

في العرب وغيرهم ممن خالطهم، بارك الله فيهم، وأدام الكرام وأسبل عليهم ستره ونشر عليهم خيره، ودرّ عليهم من بركاته ووفقهم لما يحبه ويرضاه. وهنا بحث آخر وهو أنه عليه السلام طلب الوفاة قال قتادة لم يسأل نبي من الأنبياء الوفاة غير يوسف عليه السلام، وأنه توفى بعد هذا التمني بسبعة أيام، وذلك لأنه بعد أن تم له ملك مضر وحواليها وبلغ كل ما تمناه البشر الكامل لا سيما بعد جمع شمله مع أبيه وأهله، وهو يعلم أن مصير الدنيا بما فيها إلى الفناء لا محالة، ولو عمر ما عمر تاقت نفسه الطاهرة إلى الملك الدائم بجوار ربه الكريم، ولا يبعد بالرجل الكامل أن يتمنى ذلك رغبة بالنعيم الذي لا يزول، ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا يتمنى أحدكم الموت لأمر نزل به، وفي رواية لا تمنوا الموت فإن هول المطلع عظيم وان من سعادة المرء أن يطول عمره ويحسن عمله، وعليه فإن الموت عند وجود الضرر ونزول البلاء مكروه، والصبر عليه أولى، لأنه عليه السلام لم يتمنّه إبان شدته عند ما كان في الجبّ أو السجن، بل تمنّاه بعد ما تم له كل شيء تتوق النفس إليه، وفيه معنى آخر وهو محبة لقاء الله تعالى، فقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. وقد تمناه إلياس عليه السلام كما سيأتي في قصته في الآية 123 من الصافات الآتية، وروى البخاري في صحيحه حديث عدم تمني الموت، وهو تمناه رضي الله عنه، وذلك أن أهل بلدته اختلفوا فيما بينهم حينما رجع إلى بلده بعد غيابه عنها بسبب طلب العلم، فكان منهم من يريد دخوله، ومنهم من لا يريده، ولما رأى خلافهم يؤدي إلى المقاتلة فيما بينهم، ويسبب موت بعضهم، تمنى الموت، فتوفاه الله حالا خشية حصول الفتنة، والإفساد بين أهل بلدته، وهذا لا بأس به أيضا، لهذه الغاية، أما تمنيه للفاقة والفقر وما ضاهاها من البلاء فلا يجوز، إذ عليه أن يلجأ إلى الله وينقي محارمه ونواهيه، ويسأله الفرج، قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) ولو تأمل هذه الآية 4 من سورة الطلاق الذين ينتحرون والعياذ بالله لضيق ذات يدهم أو لأمر آخر داهمهم أو لمرض مزمن ألم بهم لما انتحروا وعجلوا بأنفسهم إلى النار،

ص: 262

فعلى الرجل الذي يمتحن بمثل ذلك أن يطلب من الله تعالى العافية فهو أحسن وأجدر بالعاقل، ويعلم أن الله قادر على معافاته مما هو فيه فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الذي يكشف السوء عن عباده، وما قيل انه عليه السلام كيف يتمنى اللحاق بالصالحين والصلاح أول درجات المؤمنين، وهو من الأنبياء مردود، لأن القصد بالصالحين آباؤه عليهم السلام، وكلهم أنبياء لا مطلق الصالحين كما جرى عليه بعض المفسرين الذي فتح طريقا لمثل هؤلاء المعترضين، على أنه قد يكون لهضم النفس على طريق استغفار الأنبياء من بعض ما يقع منهم بالنسبة لدرجتهم. واعلم رعاك الله أن الملاذ الدنيوية كلها خسيسة وأهمها الأكل والجماع والرياسة، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع وهو ترطب الطعام بالبزاق الذي هر مستقذر في نفسه، وأنه عند ما يصل إلى المعدة يتعفن، وقد يشاركه في لذته الحيوان، وأن يتلذذ بالروث تلذذ الإنسان بأكل الفستق مع الحلوى، وقال العقلاء من كان همه ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منها، ولذة الجماع عبارة عن دفع الألم الحاصل من الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعيته، فهو إخراج تلك الفضلات المتولدة في الطعام بمعونة جلدة وأعصاب مدبوغة بالبول ودم الحيض والنفاس، مع حركات لو رأيتها من غيرك لأضحكتك ولعبته بها، ولهذا قال الشافعي رحمه الله الجماع عبارة عن ساعة جنون، ويكفي الرجل أن يجنّ في السنة مرة

واحدة، ويشاركه فيها الحيوان أيضا. ولذة الرياسة عبارة عن دفع ألم الذل وطلب السمعة والشهرة وحب الانتقام، وهذه إذا لم يكن فيها سوى أنها على شرف الزوال في كل آن لكثرة من ينازعه فيها ويحسده عليها لكفى بها هما وغما، لأن صاحبها لا يزال خائفا وجلا مترقبا الحوادث بسببها. فإذا كل ما في الدنيا خسيس، وفي الموت التخلص من الخسيس والرجوع إلى الحسن النفيس، فعلى العاقل أن يعمل صالحا في دنياه لتصلح له عقباه، ويحب لقاء الله، ولله در المعرّي حيث يقول:

ضجعة الموت رقدة يستريح

الجسم فيها والعيش مثل السهاد

تعب كلها الحياة فما

أعجب الا من راغب في ازدياد

ص: 263

إن حزنا في ساعة الموت أضعا

ف سرور في ساعة الميلاد

فاتق الله أيها الإنسان وارض بما قسم الله لك، واحسن يحسن الله إليك. قال تعالى «ذلِكَ» الذي ذكرناه لك يا أكرم الرسل من هذه القصة البديعة «مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ» الذي «نُوحِيهِ إِلَيْكَ» كأمثاله من الأخبار والقصص الأخرى الماضية والآتية، «ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ» أي أولاد يعقوب عليهم السلام فيما فعلوا أخيهم ما فعلوا «إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ» على إلقائه في الجبّ بعد إرادة قتله «وَهُمْ يَمْكُرُونَ 102» به إذ احتالوا عليه وعلى أبيهم لأخذه معهم إلى المرعى كي يمكروا به كما صوروه بينهم، وإنما أخبرناك بتفصيل هذه الحادثة لتخبر بها قومك والسائلين عنها فيتحققوا أنها بإخبار الله تعالى إياك، لا كما يزعمون أنك تلقيتها من الغير سماعا أو تعليما، لأنك أمي وبينك وبينها قرون كثيرة، فلم يكن في زمنك من حضرها، وهذا آخر ما قصّ الله على نبيه من قصة يوسف ووفاته، وليعلم أنه لا يجوز أن يقال ما تقوله العامة (وليد ضاع ووجده أهله) لما فيه من التصغير بحق هذه القصة وعدم المبالاة بشأنها، مع لزوم تعظيمها وإجلالها، لأن الله تعالى سماها أحسن القصص، كما لا يجوز أن يقال أنت أو هذه أقصر من سورة الكوثر، أو هذا ما عنده شيء كالسماء والطارق، أو هذا فارغ كفؤاد أم موسى، إلى غير ذلك لما علمت من وجوب الأدب والاحترام لكلام الله، وإن أقصر آية منه لها معان عظيمة يكل أكبر عالم عن الإحاطة بها «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ» وبالغت في الجهد على أن يؤمنوا بك فما هم «بِمُؤْمِنِينَ 103» بك أنك مرسل من لدنا لأنهم مصرون على الكفر والعناد مهما بالغت بالحرص على إيمانهم، «وَما تَسْئَلُهُمْ» أي كفرة قومك «عَلَيْهِ» على تعليم هذا القرآن أو قبول ما فيه أو الإصغاء لأخباره وأحكامه «مِنْ أَجْرٍ» يثفلهم إعطاؤه ليتهموك بأنك إنما تتلو عليهم لطمع نفسي مادّي مما يكن في صدورهم الخبيثة «إِنْ هُوَ» ما هذا القرآن «إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ 104» تذكرهم به مجانا، وتنصحهم وتعظهم لعلهم يرجعون عن عنادهم، فيتذكرون ما ينفعهم ويضرهم، وهذا تسلية لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أنه بعد أن أخبرهم بهذه القصة التي وعدوه أنهم يؤمنوا به إذا

ص: 264

هو أخبرهم بها كما هي عند أهل الكتاب الذين سألوهم عنها وقد قصها بأوضح من ذلك، فلم تزدهم إلا عتوا ونفورا، قال تعالى «وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ» بينة وعبرة ظاهرة دالة على الإله الواحد وصفاته مما هو موجود «فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» لا يتفكر بها هؤلاء الكفرة ولا يعتبرون بمبدعها «يَمُرُّونَ عَلَيْها» بأسفارهم، لأن آثار الأمم الماضية وأطلالهم فيها أي الأرض ظاهرة للعيان مشاهدة، وقد بلغهم بالتناقل عن كيفية إهلاك أهلها وهم لا يتعظون بها، أما آيات السماء فهي ملازمة لهم يشاهدونها أيضا كل ليلة ويرون اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب فيها، والانتظام العظيم الذي أبدعه الخالق الذي لا ينخرم قيد شعرة على ممر العصور وكرّها، ومع ذلك فلا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على صانعها، لأن الله تعالى طمس على قلوبهم لما فيها من الخبث وأعمى أبصارهم تبعا لبصائرهم، لذلك يقول تعالى قوله «وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ 105» عن ذلك كله وإعراضهم هذا ليس بأعجب من إعراضهم عنك يا حبيبي، فاصبر عليهم، ولا تجزع من أفعالهم «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ» بأنه هو الذي خلق هذين الفلكين العظمين وما فيها من أنس وجن ووحش وحوت وطير وديدان، وألهم كلا ما ينفعه ويضره، وقدر أرزاقهم لكل بما يناسبه بحكمة عظيمة، ومع هذا فإن كل من كلف بالإيمان به منهم لا يؤمنون «إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ 106» به غيره من الأوثان، لأنهم يعلمون أن الله تعالى الخالق الرازق ويستغيثون به إذا دهمهم أمر، ومع ذلك يعبدون غيره. قال ابن عباس وغيره إن أهل مكة يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إلا شريكا وهو لك، تملكه وما ملك! فنزلت هذه الآية، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أحدهم يقول لبيك لا شريك لك يقول له قط قط يكفيك ذلك ولا تزد إلا شريكا هو لك إلخ، قيل إن كفار العرب مطلقا، وقيل هم الذين قالوا إن الملائكة بنات الله، والكل

جائز، فكما يجوز نزول آية لأسباب كثيرة يجوز أيضا انطباق أسباب كثيرة على سبب نزول واحد. قال تعالى مهددا لهم «أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ» عقوبة عظيمة مسجّاة محلّلة لا يعلمون ما فيها تشملهم وتغشاهم داهية «مِنْ عَذابِ اللَّهِ»

ص: 265

فتهلكهم جميعا «أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» على حين غرة وغفلة تفاجئهم من غير سبق علامة أو أمارة فتأخذهم «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 107» بها فيموتون على كفرهم موتة رجل واحد، القائم قائما والقاعد قاعدا، وهكذا بحيث لا يستطيع أحد أن يتغير عن حالته التي هو عليها عند نزول العذاب «قُلْ» يا أكرم الرسل «هذِهِ» الحالة التي أنا عليها من الإيمان بالله وحده والتصديق بما جاء من عند الله والإيمان بالبعث بعد الموت «سَبِيلِي» طريقي ومنهجي «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» عباده إليها «عَلى بَصِيرَةٍ» معرفة واضحة تميز الحق عن الباطل أسير عليها «أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» وصدق بما جئت به من عند ربي، قال ابن مسعود رضي الله عنه من كان مستنّا فليستنّ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة وأبرّها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم واسلكوا طريقهم فهو الطريق القويم والسبيل المستقيم، كيف وهم معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن، أفضل الناس هداية وأحسنهم طريقة، وقل «وَسُبْحانَ اللَّهِ» أنزهه وأبرئه عن الإشراك «وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ 108» البتة وهذا لما سبق في الدعوة إلى التوحيد واتباع الطريق التي هو عليها وأصحابه ونفي الإشراك، قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» مثلك بالنسبة لأهل مكة ومن حولها. وفي هذه الآية ردّ لقول من قال (لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) الآية 23 من سورة المؤمنين الآتية، وإنما خص أهل القرى في هذه النعمة العظمى لأنهم أكمل عقلا وأفضل علما من أهل البوادي، لأنهم أهل جفاء وقسوة، وأهل المدن أهل لين وعطف غالبا، ولهذا قالوا إن التبدّي مكروه إلا في الفتن، وجاء في الحديث من بدا فقد جفا، ومن اتبع الصيد غفل، قال قنادة ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى، أي المدن والأمصار. ونقل عن الحسن أنه قال: لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن. وجاء في الخبر من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة. هذا وإن يعقوب عليه السلام تنبأ قبل

ص: 266