الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالله وحده وموقن بأن هذه الكواكب مخلوقة لله
لا تعبد ولا يليق بها أن تعبد وقصده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطال عبادتها ولما لم يقبلوا أعرض عنهم وقال معلنا براءته مما هم عليه من الشرك وعبادة الأوثان والكواكب مبينا الأسباب الداعية إلى عدم أهليتها للعبادة ومصرحا بعقيدته بقوله «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» شقهما بعضهما عن بعض وابتدعهما الذي دل عقلاء خلقه بتغيير الكواكب في السماء والأنهار في الأرض على أنه منشئهما وقادر على طمس الكواكب في السماء وتغوير الأنهار في الأرض «حَنِيفاً» مائلا عن كل ما تعبدونه وعن كل دين لا يكون مرماه عبادة الله الواحد الأحد «وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ 79» به غيره البتة، وما قيل إن مخاطبة إبراهيم بلفظ الضلال وغيره كانت بقصد إيذاء أبيه لا صحة له لأن مثله لا يجوز أن يقع منه مثل ذلك كيف وقد وصفه الله بالحلم والحليم لا يستفزه الغضب ولا يليق أن يصدر منه بل لا يجوز أن ينسب صدور الجفاء منه على أبيه بل لا يتصور إيقاعه على الغير منه، لهذا فإن هذا القيل مردود على أن ما صدر من إبراهيم عليه السلام على أبيه لا يعد من الإيذاء ولو فرض أنه نوع منه فلا يكون محرما لأنه لله وفي طريق الله ويقصد إرشاده إلى الله وما قصد به إلا نفعه وخيره ورشده لا إضلاله واحترامه لا إهانته، ولا يرد عليه أن موسى عليه السلام كلم فرعون باللين والرقة كما مر في الآية 44 فما بعدها من سورة طه المارة في ج 1 مراعاة لحق التربية وإبراهيم خاطب أباه بالخشونة والغلظة ولم يراع حق الأبوة لما ذكرنا ولم يذكر صاحب هذا القيل مخاطبته لأبيه في الآية 42 من سورة مريم فما بعدها المارة في ج 1 التي هي على غاية من اللين والأدب.
مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:
هذا على أن الإنسان قد يقسو أحيانا على شخص لمنفعته وأي منفعة أكبر من الهداية إلى الله، هذا والأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات قال أبو تمام:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما
…
فليقس أحيانا على من رحم
وقال المعري في هذا المعنى:
اضرب وليدك وادلله على رشد
…
ولا تقل هو طفل غير محتلم
فربّ شق برأس جرّ منفعة
…
وقس على شق رأس السهم والقلم
وقال ابن خفاجه الأندلسي:
نبه وليدك من صباه بزجره
…
فلربما أغضى هناك ذكاؤه
وانهره حتى تستهل دموعه
…
في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه
فالسيف لا يذكو لكفك ناره
…
حتى يسيل بصفحتيه دماؤه
هذا وكون الرفق أكثر تأثيرا على الإطلاق غير مسلم لأن المقامات متفاوته يدلك على هذا إرشاده تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في دعاء قومه فمرة يقول له (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وتارة (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وقال لقمان عليه السلام ضرب الوالد ولده كالسماد للزرع، وقد أجاز الشارع ضرب الولد للتعليم ولكفه عن المساويء، حتى ان اليتيم الذي أرضى الله به يجوز ضربه لهذه الغابة، لأن المنهي عنه الضرب عبثا أو عدوانا، قال تعالى «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ» خاصموء في توحيد الله لما أظهر عيوب آلهتهم وصرح لهم بعقيدته وصدع بما أمره الله به «قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ» الحق الذي يجب أن يعبد «وَقَدْ هَدانِ» إلى سبيله المستقيم وتخوفوني بآلهتكم العاجزة المحتاجة لكم «وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ» بإلهي القادر القوي المستغني عن كل شيء، وإن أوثانكم مهما بلغ أمرها لا وزن لها ولا قيمة عندي، لأنها أحجار وأخشاب من صنع أيديكم لا تقدر أن تدفع ضرا عن نفسها ولا تضر من يعتدي عليها ولا تنفع من يلتجىء إليها، وإني معتمد على ربّي لا أخاف من كل شيء تنصورونه أو تظنون أنه يوقع في مكروها أبدا «إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله رَبِّي شَيْئاً» من إضراري وإذلالي فهو وحده القادر على ذلك، وهو الذي يخاف ويخشى منه، وهذا الاستثناء منقطع لا علاقة له بما قبله، وإلا فيه بمعنى لكن «وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» أي وسع علمه كل شيء لأن علما تمييز محول عن الفاعل، كقولك تفقأ زيد شحما أي تفقأ شحم زيد، فلا يخرج شيء عن علم الله، ولا يصاب أحد بشيء إلا بعلمه، فهو المحيط بكل شيء «أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ 80»
يا قوم فتميزون بين القادر والعاجز وتعلمون أن الضار والنافع هو خالق السموات والأرض وما فيهما
«وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ» مع علمي أن الأمن والخوف من الله لا من أوثانكم «وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ» من لا يصلح للإلهية وإن الإشراك أعظم ذنب ارتكب على وجه الأرض، وإذا تدبرتم وتفكرتم علمتم أن هذا مما «لَمْ يُنَزِّلْ» الله تعالى «بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً» حجة ولا برهانا لأن الإشراك محض اختلاق وبهت خالص وكذب مفترى، وانكم تجرون الأمور معكوسة فتجعلون الأمن موضع الخوف والخوف موضع الأمن «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ» أنا أم أنتم نبئوني «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 81» علما حقيقيا يعرف به الحق من الباطل، ولم يقل فأيّنا احترازا من تزكية النفس ومن المكابرة في الرّد عليه عتوا وعنادا، وهذه الآية على حد قوله تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الآية 24 من سورة سبأ الآتية، على أني أقول لكم إن الأحق بالأمن من العذاب «الَّذِينَ آمَنُوا» إيمانا خالصا «وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» بشرك، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين وقالوا أيّنا لا يظلم نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الآية 13 من سورة لقمان الآتية، تدل هذه الآية على أن من مات لا يشرك بالله شيئا كانت عاقبته الأمن من النار أي من الخلود فيها، لأن العصاة لا بد وأن يطهروا من درن عصيانهم فيها، لأن من أسلم ولم يعمل خيرا ما ثم مات فجدير أن يدخل الجنة، لأن الإيمان يجب ما قبله «أُولئِكَ» المؤمنون الموصوفون «لَهُمُ الْأَمْنُ» من مخاوف الدنيا والآخرة «وَهُمْ مُهْتَدُونَ 82» بهداية الله إلى سبيل الرشد والسداد وهذا فضل من الله تعالى وقضاء بين إبراهيم وقومه، إذ بين فيه الذين يستحقون الأمن من الذين يستوجبون الخوف «وَتِلْكَ حُجَّتُنا» الإشارة إلى ما حاج به إبراهيم قومه بما صار له من الغلبة عليهم بحكم الله القائل «آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» بإلهام ووحي منا وهي حجة واضحة دامغة أفحمتهم وأخرستهم لأنهم تكلموا معه عن جهل، وهو
خاطبهم عن علم «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» من عبادنا بالعلم والنبوة والحكم والحكمة «إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ» برفعة من يشاء «عَلِيمٌ 83» بمن يؤهله لهذه الرفعة، فهو جل شأنه لا يفضل أحدا على غيره ولا يعزّ ولا يذل ولا يغني ولا يفقر ولا يصح ولا يمرض ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع إلا لحكمة، وخلاصة القصة على ما ذكره الأخباريون أن نمرود بن كنعان أول من وضع تاج الملك على رأسه إذ لم يعرف قبله، وأول من دعا الناس إلى عبادته، ولم يعرف الناس قبله غير عبادة الله والأوثان، وكان له كهان ومنجمون أخبروه بأنه يولد ولد في بلده يكون هلاكه على يده وزوال ملكه، وكان هو رأى كوكبا طلع وقاد الشمس والقمر، فانتبه فزعا مرعوبا مما رأى، وقصها على السحرة والكهنة والمنجمين، فأولوها بما ذكروا له فأمر بعزل الرجال عن النساء وذبح كل من يولد ونصب حراسا على النساء والحبالى، وكانت أم إبراهيم صغيرة لا يظن فيها الحبل، ولما أتمت مدتها خافت على مولودها من الذبح فأخفت نفسها عن الحرس حتى إذا وضعته جعلته في نهر يابس خارج البلدة وخبأته بين الحلفاء وأخبرت زوجها بذلك، فذهب وحفر له سريا ووضعه فيه وسدّ بابه في حجرة خوفا عليه من السباع، وصارت أمه تتعاهده وتتردد عليه خلسة فترضعه وتنظفه وتتركه بمكانه وتعود لبيتها، وكانت تراه يمص إصبعيه فيخرج منها حليبا وعسلا وماء، وتراه يشب في اليوم ما لا يشبه غيره في الشهر، وهكذا جميع الأنبياء يكون نموهم واحدا وكلامهم مع أقوامهم واحدا وطريقهم مع ربهم واحدا، لأن إلههم واحد يرسلهم على نهج واحد ويلهمهم الحجج المتوانقة، كما أن رد أقوامهم عليهم متشابه، قالوا ولما كبر أخرجته أمه من الرب وجاءت به إلى المدينة وكان من يراه لا يظنه من المواليد الذين ولدوا بعد الأمر بذبح الأولاد لكبر جثته وحسن مخاطبته وفصاحة لسانه، وهذا من أسباب حفظ الله له ومن يحفظه لا خوف عليه من أحد البتة، وقد أمنت أمه وأبوه عليه لأن أحدا لا
يشك أنه ولد بعد الأمر بذبح الأولاد، وقالوا فقال لأمه ذات يوم يا أماه من ربي؟ قالت أنا، قال وأنت من ربك؟ قالت أبوك، قال ومن رب أبي؟ قالت له أسكت وأخبرت زوجها، وقالت لا شك
إن هذا المولود هو الذي أخبر عنه الكهنة بأنه يغير الدين ويسلب الملك من الملك، وهو المقصود في الرؤيا التي رآها الملك وعبرها له المنجمون والسحرة، فجاء إليه أبوه وقال له يا بني إن ربي الذي سألت عنه أمك هو النمروذ، قال ومن رب النمروذ؟
فاطمه وقال له أسكت، وصارا دائما يحذرانه من أن يتكلم بذلك لئلا يصاب بسوء من قبل الملك، وحذرا من أن يفسد دينهم وبسبب هلاك الملك وضياع الملك كما أخبر الكهنة، ثم صنع له أبوه أصناما من حجر وأعطاه إياها ليبيعها في السوق، فأخذها وصار ينادي من يشتري ما لا يضره ولا ينفعه، وصار يسخر ويستهزىء بها، فلما رآه أبواه كذلك أخذا منه الأصنام وحذراه من الطعن بها لئلا تمسه بسوء أي جنون، ووضعاه في بيت فيه صنم عظيم ليستأنس به ويتمرن على عبادته، ورغباه بذلك، ولما رأى إصرارهم عليه بملازمة الصنم ترك أمه وأباه وصار يتفكر في مخلوقات الله ويتدبر في تكوين السموات والأرض والطير والحوت والحيوان والجماد ويهزأ بما عليه أبواه وقومه من توغلهم في عبادة الأصنام والكواكب، ولم يزل يتحمل أبويه ويرفض عبادة الصنم الذي أمراه به ويعتبر بما في الكون من آيات وعظات حتى شرفه الله بالنبوة، فأراد أن يبين لهم أن هذه الكواكب والأصنام المنكبين على عبادتها ليست بشيء ولا تصلح للعبادة، لأن الكواكب من صنع الله الواحد والأصنام من صنع أيديهم وأنها لا تستحق العبادة، وكذلك الشمس والقمر والكوكب ليست بآلهة، فاجتمع بقومه ذات ليلة وخاطبهم بما قصه الله علينا من الآيات المارة، وكانت كلها في ليلة واحدة لأن القمر كان متأخرا عن أول الليل فاحتج عليهم بالزهراء إذ كانت مشرفة على المغيب، وبعد غيابها احتجّ عليهم بالقمر، ولما طلعت الشمس غطت نوره فاحتج عليهم بذلك على طريق التقريع والتوبيخ، فأراهم النقص الداخل على الزهراء بغيابها وعلى القمر بتغطية نوره بالشمس حتى صار كأن لم يكن، ولما قالوا له هذا الإله الأكبر يعنون الشمس قال مصيرها كذلك، وعلموا أنهم إذا أنكروا عليها الأفول وقت القول فإنها تغيب حتما بالمساء، فكتوا وبهتوا من قوة حجته، وقد أثبت خطأهم في اعتقادهم إلهيتها، وبين لهم عدم صلاحيتها للعبادة، وأن الذي يجب أن يعبد هو الذي لا يفنى ولا يغيب، وأن الكواكب والأوثان
عليها علائم النقص بادية والإله لا يكون إلا كاملا من كل وجه، وأنه عليه السلام لم يقل لهم (أهذا ربي) بحرف الاستفهام لأن العرب تكتفي بنغمة الصوت عن حرف الاستفهام، وأن الأنبياء كلهم يحسنون اللغة العربية، ولم ينزل وحي إلا بها، كما أشرنا إليه في المقدمة، وأنهم يسقطون حرف الاستفهام لهذه النكتة، ومثله في القرآن كثير منه (فَهُمُ الْخالِدُونَ) الآية 34 من سورة الأنبياء الآتية، ومنه (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) الآية 10 من سورة البلد المارة في ج 1، ومنه (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) الآية 87 من سورة هود المارة، ومنها (تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ) الآية 32 من سورة الشعراء المارة في ج 1، وغيرها كثير، وفي أقوال العرب كثير أيضا فمنه قوله:
ثم قالوا تحبّها قلت بهرا ومنه: فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وستأتي تتمة هذه القصة في الآية 83 فما بعدها من سورة الصافات الآتية إن شاء الله، وإنما فعلنا ذلك أي لم نأت ببعض القصص كاملة حذرا من التكرار لأنا إذا اكملنا كل قصة عند ذكرها يحصل تطويل وملال، وإذا أتينا بها تدريجا كنا قد أوفينا بوعدنا من عدم التكرار إلا لحاجة ماسة وأبقينا القارئ يتشوق لإكمالها وسيأتي في الآية 288 من البقرة في ج 3 ما يتعلق ببقية قصص إبراهيم مع قومه، ومع ربه، ومع النمروذ قبل إلقائه في النار، وبعد تكسير الأصنام، فراجعها.
قال تعالى بعد أن أظهره ونجاه وأهلك عدوه وأمره بالهجرة إلى الأرض المقدسة «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ» وهبنا لإسحق «يَعْقُوبَ» حفيدا لإبراهيم بحياته، وفي هذه الآية بشارة من الله بطول عمر إبراهيم بحيث يبقى حيا حتى يكبر ويزوج ابنه إسحق ويولد له ولدا ليراه «كُلًّا هَدَيْنا» إلى طريقنا المستقيم إذ جعل فيهم النبوة والكتاب «وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ» إبراهيم وولده وحفيده لأنه هو أبو البشر الثاني على القول بأن دعوته شملت كل من على وجه الأرض والغرق عمها كلها وهو القول المعتمد المناسب لظاهر القرآن والأولى من غيره راجع الآية 25 فما بعدها من سورة هود المارة وما ترشدك إليه «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» ذرية نوح
إذ عد يونس ولوطا وهما ليسا من ذرية إبراهيم، أمّا «داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ» فكلهم من ذريته «وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 84» كما جزينا إبراهيم وآله «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى» من ذريته أيضا. ومن هنا استدل بجواز النسب للأم، ولما أنكر الحجاج كون أولاد فاطمة رضي الله عنها أولاد محمد صلى الله عليه وسلم أفحم في هذه الآية، إذ ذكر عيسى في عداد الأنبياء المنسوبين إلى إبراهيم، لأن أمه منهم وألقمه الحجر وأنه سيلقمه في سقر إن لم تشمله الرحمة «وَإِلْياسَ» ابن سنا بن فتحاص بن العيزار بن هارون، وقد أخطأ من قال إنه إدريس جد نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام «كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ 85» لرسالتي وهداية الخلق «وَإِسْماعِيلَ» أخّره مع أنه أخو إسحق إذ ذكر إسحاق وأولاده وأحفاده على نسق واحد، ثم إسماعيل لأنه لم يأت منه ولد نبي غير محمد صلى الله عليه وسلم فيكون أولى بالترتيب، وهؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم «وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً» من ذرية نوح وإبراهيم من ذريته أيضا، وإنما سمي إبراهيم أبا الأنبياء لأن الأنبياء الذين جاءوا بعده كلهم من ذريته أما لوط فكان معاصرا له وهو من ذرية نوح «وَكلًّا» من هؤلاء الصالحين «فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ 86» جمع عالم وهو اسم لكل موجود سوى الله.
واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثمانية عشر نبيا لا بحسب الزمان والفضل، لأن العطف جاء بالواو وهو لا يفيد ترتيبا ولا تعقيبا، بل ذكر أولا أصول الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثم أهل الملك والسلطان وهما داود وسليمان، ثم أهل الصبر أيوب وممن جمع بين الصبر والملك وهم يوسف وموسى وهرون، ثم أهل الزهد وهم زكريا وعيسى ويحيى وإلياس، ثم من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط، قال تعالى «وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ» من هنا للتبعيض إذ لم يكن كل آبائهم وأبنائهم أنبياء وصالحين، ولم يولد لكل منهم «وَإِخْوانِهِمْ» الذين على نهجهم القديم «وَاجْتَبَيْناهُمْ» للنبوة والرسالة «وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 87» هو الدين الحق الموصل لخير الدنيا والآخرة، وهذه الآية تدل على أن سعي الغير ينفع كما نوهنا به في الآية 39 من
سورة والنجم في ج 1 ومثلها الآية 20 من سورة الطور الآتية «ذلِكَ» الذي دان به هؤلاء الكرام هو «هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» الذين قدر لهم السعادة الأبدية في الأزل «وَلَوْ أَشْرَكُوا» على فرض المحال والتقدير الباطل «لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 88» من الطاعات وبطل ثوابها، قال تعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الآية 65 من الزمر الآتية، مع أن الإشراك مستحيل بحقه مقضى باستحالته أزلا، يعني أن الأنبياء على ما هم عليه من الفضل والقرب لو فرض أنهم حادوا عن طريق الصواب لأبطل عملهم وخسروا الدنيا والآخرة واستحقوا العذاب، فكيف بغيرهم ممن هم بعيدون عن الله بعيدون عن الخير «أُولئِكَ» المحسنون المهديون هم «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها» بالكتاب والحكم والنبوة أو بأحدها «هؤُلاءِ» المتلو عليهم وحينا هذا من قومك يا أكرم الرسل «فَقَدْ وَكَّلْنا بِها» الثلاثة المذكورة «قَوْماً» عظاما شرفاء وهم الأنبياء وأتباعهم الصادقون الذين قدرنا لهم في أزلنا أنهم «لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ 89» أبدا يدل على هذا قوله تعالى «أُولئِكَ» الموكلون هم «الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» ومن يهد الله فلا مضل له البتة «فَبِهُداهُمُ» يا سيد الرسل «اقْتَدِهْ» أثبت الهاء هنا استحسانا لإيثار الوقف، وقرأ حمزة وعلي بلا هاء، أمر الله جل أمره في هذه الآية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتفي آثار الأنبياء بأصول الدين الثلاثة التوحيد والإيمان بالنبوة والبعث بعد الموت، فهؤلاء فيها الهدى والخير لكلل الأنبياء وأتباعهم، وليس القصد اتباع شرايعهم لأنها مختلفة في الفروع وشريعته صلى الله عليه وسلم نسختها، وما قيل إن المراد بالموكلين هم الملائكة لا يصح، لأن لفظ قوم لا يطلق عليهم بل هو خاص ببني آدم، وفي هذه الآية دليل على أن الله تعالى ينصر نبيه محمدا ويقوّي دينه ويجعله غالبا على الأديان كلها، وقد جعله والله فتكون هذه الآية من الإخبار بالغيب، أما تأخر نفوذ هذا الدين في هذا العصر فبسبب تأخر أهله عن القيام به وأنهم إذا عادوا إليه وتمسكوا به كما كان فإن الله تعالى لا بد وأن يعيد لهم الشوكة والغلبة على سائر أهل الأديان، كيف وقد قالَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
الآية 47 من سورة الروم الآتية،