الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11
نزلت بمكة بعد سورة يونس عدا آيتي 13/ 14 وآية 114 فإنها نزلت بالمدينة، وهي مئة وثلاث وعشرون آية، وألف وستمئة كلمة وتسعة آلاف وخمسمائة حرفا، وقد بينا الآيات بما بدئت به أول سورة يونس المارة، وختمت بما ختمت به سورة النمل المارة في ج 1.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: «الر» اسم للسورة وللقرآن وإشارة لأسماء الله الحسنى وصفاته أي بعضها، وقال بعض المفسرين معناه أنا الله أرى، وقد تقدم ما فيه من البحث الوافي أول سورة الأعراف والسور المصدرة بالحروف المنقطعة المارة في ج 1 وفي السورة قبلها وقولنا الله أعلم بمراده بما فيها أحسن ما قيل فى معناها لأنها عبارة عن رموز بين الله ورسوله لا يعلمهما غيرهما على الحقيقة، وهكذا حكم الآيات المتشابهات في هذا القرآن العظيم إذ يوكل معناها إلى الله، قال الإمام الرياني الشيخ نعمة الله بن محمود النخجواني في تفسيره الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية في تفسير هذه اللفظة: أيها الإنسان الأحق الأليق لإعلاء لوامع أنوار الإلهية وارتفاع رايات رموز أسرار الربوبية بين الأنام بالبيان والتبيان هذا «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ» إحكاما مبرما لا تنسخ ولا يطرأ عليها تبديل أو تعديل إذ لا كتاب بعده، وقد نسخت آياته أكثر أحكام الكتب القديمة وعدلتها إلى أحسن نظما وأخف عبئا وأعظم أجرا، وإني لأعجب ممن يقرأ هذه الآية ويقول بالنسخ إذ ما بعد الاحكام إلا التسليم بجميع ما جاء فيه. واعلم أن الر تقرا كما هو الأصل بتفخيم الراء وهكذا في كل راء مفتوحة أو كان ما قبلها مفتوحا ولا عبرة بالحرف الساكن بينهما أي بينهما وما قبلها لأنه حاجز غير حصين «ثُمَّ فُصِّلَتْ» تفصيلا بديعا ونظمت تنظيما رصينا فبيّنت الحلال من الحرام والحق من الباطل أكمل بيان وأتم تبيان وأوضحت القصص والأخبار أحسن إيضاح، وهذا الإحكام والتفصيل واقع ومنزل «مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1» بأفعاله عليهم بأقواله يضع الأشياء مواضعها بما يصلح أحوال عباده شاهد لما يقع منهم وقد أمركم أيها الناس «أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ»
وحده لا شيء ولا أحد أبدا، وأن هنا مفسرة على ما جرينا عليه وهو أحسن من جعلها على تقدير اللام كما مشى عليه بعض المفسرين، والمعنى على الأول أن الله الذي أنزل هذا الكتاب وأحكم آياته وفصلها أمركم أن لا تعبدوا غيره وذلك لما في التفصيل من معنى القول دون حروفه، وعلى الثاني تكون مصدرية وتقدر اللام معها تعليلا وعليها يكون المعنى هذا كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله، ويجوز أن تكون هذه الجملة مبتدأة للإغراء على التوحيد أي الأمر بالتبري عن عبادة غير الله تعالى أي الزموا التوحيد واتركوا عبادة الغير وارجعوا إلى الله ربي وربكم «إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ» أي يقول الله تعالى يا محمد قل لقومك إنني أيها العصاة «نَذِيرٌ» لكم من عقاب الله تعالى «وَبَشِيرٌ 2» لكم أيها الطائعون بثوابه «وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» مما اقترفتموه من الذنوب واخترقتموه من العيوب «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» بعدها عما سلف منكم حال حياتكم من كل ما يغضب الله فإذا فعلتم ذلك فإن الله تعالى «يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً» في هذه الدنيا بسعة الرزق والعافية والعزّ «إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» عنده، واعلم أن ما جاء في الحديث الشريف: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر لا يرد على هذه الآية لأنها سجن المؤمن بالنسبة لما أعده الله تعالى له في الآخرة من النعيم المقيم فكل ما أعطاه له في هذه الدنيا من النعم لا يعد شيئا بجانبه على أن ما يصيبه فيها من البلاء يكون مكفرا لذنوبه كي يلقى ربه وليس عليه ذنب يستوجب المجازاة وهذا لطف من الله بعباده المؤمنين، وكذلك الكافر فإن الدنيا له جنة بالنسبة لما أعده له من العذاب الأليم في الآخرة، فكل ما يصيبه في الدنيا من النعيم لا يوازيه عذاب ثانية واحدة من عذابها وأن ما يناله من الخير فيها فهو بمقابل حسناته التي يعملها كصلة رحم وإقراء ضيف وشبههما كي يلقى الله تعالى وليس له حسنة تستحق الجزاء الحسن وهذا زيادة في شؤمه وعذابه «وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ» زيادة من عمل صالح «فَضْلَهُ» جزاءه لا يبخس منه شيئا أبدا، قال أبو العالية من كثرت طاعاته في الدنيا زادت حسناته ودرجاته في الجنة لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال، وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له
عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها بالدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول ابن مسعود ملك من غلبت آحاده أعشاره. فعلى العاقل
أن يكثر من الخير إبان شبابه وسعته، لأنه قد يعجز في الكبر والفقر عن القيام بما يريده من القربات، ولهذا قال الحافظ:
أترجو أن تكون وأنت شيخ
…
كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس شيىء
…
دريس كالجديد من الثياب
«وَإِنْ تَوَلَّوْا» تتولوا وتعرضوا عن ما جئتكم به من الهدى وأسديت لكم من النصح والتوجيه والإرشاد «فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ» بمقتضى الشفقة والرحمة أن يحيط بكم «عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ 3» هو يوم الجزاء على الأعمال يوم مهول لا أعظم منه. واعلم أن كل عمل منعم عليه في الآخرة منعم على صاحبه في الدنيا أيضا بتزيين عمله في نظره وراحة ضميره إليه وتعلقه برضاء ربه، ورجاء ثوابه عليه، واطمئنان نفسه فيه، وانشراح قلبه له، وثناء الناس عليه، وترغيب الغير لمثله، وضرب المثل فيه بالخير والسماحة والعمل الطيب والفعل الحسن، كما أن كل عمل معذب عليه في الآخرة معذب ضمير صاحبه عليه في الدنيا بقبح صورته في نظره وسوء تصوّر عمله في قلبه، وإن كان ذاق لذته الظاهرة الزائلة بحينها وضيق صدره لما وقع بعد قضاء شهوته الحيوانية وتخوفه من سوء عاقبته إن كان له وجدان أو دين، وندمه على ما فرط منه وحسرته على تفريطه، وذم الناس له وتحذيرهم من عمله، وضرب مثل السوء به.
مطلب كل ما ينعم عليه العبد في الدنيا ينعم عليه في الآخرة وبالعكس:
روى الإمام أحمد بن حنبل والدارمي رحمهما الله بإسناد حسن في سنديهما عن وابصة بن معبد رضي الله عنه دفين الرقة من أعمال دير الزور- سابقا-، قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت تسأل عن البر؟ قلت نعم (وهذا من الإخبار بالغيب لأنه صلى الله عليه وسلم أخبره بما جاء يسأل عنه قبل أن يبديه له) قال استفت قلبك، البر ما اطمأنت
إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك بالفاء وفي رواية بالقاف- فعلى الأول من الفتيا وهي الجواز والرخصة والثاني من الإقتاء وهو الإرضاء، أي وإن أرضوك فلا تركن لقولهم.
وروى مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البرّ حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس. وروى الترمذي والنسائي عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته رضي الله عنهما قال حفظت من رسول الله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. قال تعالى «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ» أيها الناس بعد الموت «جميعا» بركم وفاجركم «وَهُوَ» الذي أحياكم في الدنيا وأماتكم فيها ويحييكم ثانيا يوم القيامة ذلك الإله الواحد المتجلي في الآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق هو «عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 4» لا يعجزه شيء «أَلا إِنَّهُمْ» أولئك الكفرة عند سماع آيات الله المنزلة عليك يا أكمل الرسل من ربك الملك الجبار القهار العلام «يَثْنُونَ» يلوون ويعطفون ويصرفون عنك «صُدُورَهُمْ» يزوّرونها عن رؤيتك وينحرفون بكليتهم عنك ويخفون ما فيها من عداوتك، يقال أزوّر عنه وثنى عنه لأن من يقبل على الشيء يقبل بصدره، ومن يدبر يزوّر وينحرف بصدره ويطوي كشحه، وهذه الآية في معرض الجواب عما تقدم من الترغيب والترهيب فكأن أولئك الكفرة بعد ما سمعوا من حضرة الرسول ذلك القول العظيم الإلهي الذي تخر له صم الجبال تمادوا في كفرهم وأصروا على ضلالهم ودارموا على إعراضهم المشار إليه بقوله (فإن تولوا) الجملة المارة في الآية 3، وإنما خص الصدور بالازورار لأن ما فيها مكتوم، فكأنهم يظهرون له خلاف ما يبطنون، يدل عليه قوله تعالى «لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ» صلى الله عليه وسلم والله لا تخفى عليه خافية فإنه جلت عظمته يخبر نبيّه بما يقع منهم ظاهرا وباطنا «أَلا» تنبيه ثان لما بعده بأنه شيء يهتم له ويجب الاعتناء به، وهو أن الله يعلم كل ما يقع منهم حتى أنهم «حِينَ» وقت وزمن «يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ» فيه فيغطون بها رءوسهم كراهية رؤية من تخطب
رؤيته صلى الله عليه وسلم وكراهية سماع قوله الذي يشتاق إليه الجماد لا لأمر آخر، قاتلهم الله، فإنه تعالى يعلم قبل وقوعه منهم بأنهم فاعلوه وهؤلاء مثلهم مثل قوم نوح عليه السلام إذ أخبر الله عنهم حينما يتكلم معهم نوح عليه السلام بقوله (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) لئلا يسمعوا كلامه (وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) لئلا يروه كما سيأتي في الآية 7 من سورته الآتية تشابهت قلوبهم، أخزاهم الله الذي «يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ» في أنفسهم «وَما يُعْلِنُونَ» من كلامهم كما هو عالم من قبل ما يقع منهم سرا وجهرا قبل وقوعه «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ 5» بما فيها من الأسرار المستكنة فكيف يخفى عليه حال هؤلاء؟! وفي هذه الآية دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها بل قبل وجودها الخارجي وهو مما لا ينكره أحد إلا بعض المعتزلة القائلين بأنه تعالى يعلم الأشياء بعد حدوثها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لما فيه من تشبيهه بخلقه، لأن العلم بالشيء بعد حدوثه يعلمه بعض خلقه فلا مزية فيه، وهذا كقول بعضهم إن الإسراء وقع مناما لأنه قد يقع لبعض خلقه من غير نكير، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، وكان يلقى رسول الله بما يحب ويطوي بقلبه عليه ما يكره، وما قيل إنها نزلت في بعض المنافقين الذين كانوا يلقونه صلى الله عليه وسلم بوجه منطلق ويبطنون له غير ذلك لا يتجه، لأن هذه السورة مكية والآية كذلك، والنفاق إنما ظهر في المدينة وهم فيها لا شك يقع منهم ذلك وأكثر، ولذلك سموا منافقين وهذه الآية تنطبق عليهم، إلا أنها لم تنزل بحقهم، اللهم إلا إذا كان هذا من قبيل الإخبار بالغيب عن شيء لم يقع، لعلمه تعالى بوقوعه فيما بعد، فيكون جائزا، ومثله كثير في القرآن، لأنه من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم ومعجزات القرآن العظيم، وهو من قبيل ما تأخر حكمه عن نزوله، راجع أول سورة الطارق المارة في ج 1، قال تعالى «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ» اسم لكل حيوان دب على وجه الأرض أي مشى عليها، ويطلق على ذوات الأربع عرفا، والمراد هنا ما هو عام للإنسان وغيره «إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» تفضلا منه وتكرما لا واجبا «وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها» وبقاءها في عالم الشهادة، ومقدار ثباتها فيه وانفكاكها عنه، ومكامنها
ومساكنها، ومحل وكرها الذي تأوي إليه في الأرض والبحار والجبال والهواء وغيرها، «وَمُسْتَوْدَعَها» قبل خروجها إلى عالم الظهور وقبل استقرارها في الأصلاب والأرحام والبيوض وغيرها، وبعد انعدامها من المحلات التي تدفن فيها أو تضمحل بها، وما قيل إن تفسير المستودع بهذا لا يلائم
تكفل الله بأرزاقها إذ لا مجال له ولا حاجة للرزق فيه مردود، لأن المراد بالتكفل مدة بقائها في برزخ المادة واحتياجها للرزق، فتنتهي مدته بالأجل المقدر لكل دابة، فكأنه قيل إن الله تعالى متكفل برزق كل دابة، ويعلم مكانها أول ما تحتاج إلى الرزق ومكانها آخر ما تحتاج إليه. ولهذا البحث صلة في الآية 98 من سورة الأنعام الآتية، وقد ألمعنا إليه في الآية 9 من سورة مريم المارة في ج 1 «كُلٌّ» من الدواب دوّن اسمه ورزقه ومستقره ومستودعه، وما يطرأ عليه في مدة أجله «فِي كِتابٍ مُبِينٍ 6» ظاهر مثبت فيه كل شيء قبل خلقه وبعد خلقه، وموضح فيه آجال الأشياء ومصيرها بعد موتها وانعدامها بأي صورة كانت وتكون، والدبّ مأخوذ من الدبيب وهو الشيء الخفيف وعليه قوله:
زعمتني شيخا ولست بشيخ
…
إنما الشيخ من يدب دبيبا
ويفهم من هذه الآية أن الله تعالى يسوق رزق كل دابة إليها دون أن تسعى إليه بمقتضى تكفله لها بدليل قوله تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) الآية 22 من الذاريات الآتية، وقوله صلى الله عليه وسلم: لو توكلتم على الله لحق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. وما جاء في الخبر: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. وتؤذن أيضا في حمل العباد على التوكل، إلا أنه لا يمنع من مباشرة الأسباب، مع العلم بأن الله تعالى هو المسبب لها وجاء في الخبر:(اعقل وتوكل) وقال تعالى (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الآية 16 من سورة الملك الآتية، ففيهما إيذان بتعاطي الأسباب مع التوكل على الله، إلا أنه لا ينبغي أن يعتقد عدم حصول الرزق بدون مباشرة سبب، فإنه تعالى يرزق كثيرا من خلقه دون مباشرة الأسباب أصلا، فقد جاء في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي تعلق قلبه بأحوال أهله
إذ أمره الله تعالى بالاشتغال بتبليغ الرسالة إلى من يعلم عتوه له وعناده وبغضه له بسبب قتل الرجل من قومه قاتله الله ولم يحسب قتل الألوف من قبله من قوم موسى، فأمره الله تعالى أن يضرب صخرة بعصاه، فضربها فانشقت عن صخرة ثانية، فضربها فانشقت عن صخرة ثالثة، فضربها فانشقت عن دودة كالذرة، وفي فمها شيىء يجري مجرى الغذاء لها، وسمعها تقول سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ولا ينساني، فتنبه موسى عليه السلام لذلك وصرف نظره عن ذكر أهله. وما أحسن قول ابن أذينة:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
…
إن الذي هو رزقى سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلبه
…
ولو أقمت أتاني لا يعنيني
وقد صدقه الله تعالى حيث وقد على هشام بن عبد الملك، فلما رآه قرّعه بقوله هذا فقال له وتشد رحلك من المدينة إلى الشام بطلب الرزق، فتركه ورجع، فلما غاب عنه ندم هشام على ما وقع منه نحوه، وكانوا يخشون الشعراء حفظا لكرامتهم، لأن الشاعر قد لا يترك عادته من الهجاء كما لا يتركها في المدح، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ذبوا بأموالكم عن أعراضكم، فأرسل بجائزته إليه من دمشق إلى المدينة، فلما رأى أنه أرسلها رغما عنه دون طلب منه، قال للرسول قل له قد صدقت في قولي ولو أراد الله لما بعثك بها من الشام إلى المدينة، فأخبر الرسول هشام بن عبد الملك بما قاله ابن أذينة فسمعه ورجع عن كلامه.
مطلب إرسال الرزق عفوا وكون العرش على الماء وكيفية الخلق:
ولا ينبغي لمثله أن يفعل ذلك، ويوجد أخبار وآثار كثيرة في هذا الشأن، وقد ألغى أمر الأسباب إلغاء تاما القائل:
مثل الرزق الذي تطلبه
…
مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا
…
وإذا وليت عنه تبعك
وهذا يكون بحسب مكابرة الأشخاص واعتقاداتهم، وبالجملة فينبغي الوثوق بالله وربط القلب به فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وتشير هذه الآية أيضا إلى
أن الحرام رزق وإلا فمن يأكل طول عمره حراما يلزم أن لا يكون مرزوقا، وهو خلاف الواقع، وقدمنا ما يتعلق في هذا عند الآية 59 من سورة يونس المارة وما يتعلق بالكسب في الآية 20 من سورة المزمل، والآيتين 40/ 39 من سورة والنجم، وفي الآية 13 من سورة فاطر المارات في ج 1، قال تعالى «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» راجع تفسيرها في الآية 60 من سورة الفرقان المارة في ج 1 وفيها ما يرشدك إلى المواقع الأخرى التي تعرضنا فيها للبحث عما فيها، وله صلة في الآية 9 من سورة فصلت الآتية «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» قبل خلق السموات والأرض، فتدل هذه الآية على أن العرش والماء خلقا قبل السموات والأرض، وفي وقوف العرش على الماء مع عظمته اعتبار لأهل الأفكار، وفيه من كمال القدرة ما فيه، لأن البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس على أرض صلبة لم يثبت فكيف بهذا الخلق العظيم قد وضع على الماء، ولم يخرج عن حيّزه الطبيعي؟ ولا يقال كيف، لأن افعال الله تعالى لا تعلل وقدرته لا تضاهى كما قدمنا في الآية 92 من سورة يونس المارة، روى مسلم عن عبد الله بن عمر وبن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء. وروى البخاري عن عمران بن حصين قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم، فقالوا بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشر يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا قبلنا يا رسول الله، ثم قالوا جئنا نتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال كان الله سبحانه وتعالى ولم يكن معه شيء، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء، ثم أتاني رجل فقال يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت،
فانطلقت أطلبها، فإذا السراب يقطع دونها، وأيم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم.
هذا ومعنى كان الله ولم يكن معه شيء، يعني لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، ومعنى كان عرشه على الماء، يعني خلق الماء وخلق العرش فوقه، ومعنى العماء سحاب رقيق ليس معه شيء، ومعنى قوله ليس فوقه هواء أي ليس فوق العماء هواء، وكذلك وما تحته هواء، وفي رواية في عمى بالقصر لا بالمد، وعليه يكون المعنى أن لا شيء ثابت في ذلك، لأنه من عمى معرفته عن الخلق أي كان قبل أن يخلق خلقه، ولم يكن شيء غيره، ويكون معنى ما فوقه هواء ليس فوق العمى هواء ولا تحته هواء، لأنه لا شيء، وإذا كان لا شيء فليس يثبت له هواء بوجه ما.
وقيل العمى كل أمر لا يدركه الفطن والله أعلم، لأن هذا التأويل على كلام العرب المعقول عنهم، وإلا فلا أحد يدري كيف كان ذلك العماء، فيجب الإيمان به بلا تكييف، لأن الأمور المتشابهة ينبغي الإيمان بها حسب ظاهرها والوقوف عندها، وذلك طريق السلامة، راجع الآية 5 من سورة طه المارة في ج 1 تجد ما يسرك «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» في هذه الدنيا وأكثر ورعا عن محارم الله، وأعظم شكرا لنعمائه، وأحسن تفكرا في موضوعاته، وأشدّ تدبرا في مكوناته أي لهذا خلقها وخلق ما فيها من الخلق الذي من جملته أنتم أيها العقلاء، ورتب فيها ما تحتاجون إليه من بدء وجودكم وأسباب معايشكم، وأودع فيها ما تستدلون به على بدائع مكوناته، وتعتبرون بها على ما يقع من مقدراته ليعاملكم معاملة المختبر الممتحن فيرى المحسن منكم لخلقه ويجاز به على إحسانه، والمسيء التصرف في ذلك فيعاقبه على إساءته، وإلا فهو عالم بالصالح والطالح قبل إيجادهما «وَلَئِنْ قُلْتَ» يا سيد الرسل لكفار قومك «إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ» أحياء كحياتكم هذه فتسألون عما عملتم وتحاسبون عما وقع منكم في الدنيا، فيثاب المؤمن على إيمانه ويعاقب الكافر على كفره «لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا» الذي يقوله محمد ويزعم أنه من القرآن الذي أنزل عليه من ربه ما هو «إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ 7» ظاهر خداعه باطل لا أصل له، يريد به أن نقول ما يقوله من الحياة بعد الموت وعبادة الإله الواحد ليغرينا به، قال تعالى «وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ