الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله تعالى والهب في قلبه التشدد بأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم ما يلقيه إليهم من الوحي، فقال جل جلاله «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ» من هذا القرآن مخافة عدم قبولهم به «وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ» من عتو كفرة قومك، فلا تتلوه عليهم ولا تبلغهم أحكامه. قال ضائق لمشاكلة تارك، وليدل على أن الضيق عارض له لأنه صلى الله عليه وسلم أفسح الناس صدرا وأوسعهم خلقا، كيف لا وقد مدحه ربه بقوله عز قوله (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) الآية 5 من سورة نون المارة في ج 1، وقوله تعالى (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) الآية 160 من آل عمران الآتية في ج 3.
مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:
إلا أن الضيق يطرأ عليه أحيانا بسبب ما يلاقي من قومه، ولأن كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحول إلى فاعل، فتقول في سيد وجواد وسمين سائد وجائد وسامن مثلا، وعلى هذا قول اللص إذ يصف السجن:
بمنزلة أما اللئيم فامن
…
بها وكرام الناس باد شحوبها
فعلى هذا أن كل ما يبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير وزن فاعل يرد إليه إن أريد به معنى الحدوث من غير توقف على سماع، وما قيل إن العدول من ضيّق إلى ضائق لمجرد مشاركة تارك ليس بشيء، ولا يوجد في القرآن اسم فاعل من ضاق على وزن ضائق إلا هذا كما لا يوجد فيه فعل خماسي أصالة.
واعلم أن ما قاله بعض المفسرين من أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يدع سبّ آلهتهم ظاهرا حينما قالوا له (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ) بما ليس فيه سبّ آلهتنا ولا مخالفة آبائنا كما تقدم في الآية 15 من سورة يونس المارة غير سديد وحاشاه من ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من الإخبار مما أمر بتبليغه أن يبلغه بخلاف ما هو لا خطأ ولا عمدا، ولا سهوا ولا غلطا، ومعصوم أيضا أن يسكت عن شيء منه أو يكتمه، لأنه محتم عليه أن يبلغ ما أنزل إليه كما أنزل حرفيا، وإن الله تعالى عاصمه من كيد كل كائد كما سيمر عليك في الآية 70 من المائدة في ج 3، وقد
أجمعت العلماء على ذلك، لأن تجويز ترك شيء من القرآن يؤدي إلى الشك في أداء الشريعة والتكاليف المطلوبة من البشر، إذ المقصود من إرسال الرسل تبليغ وحي الله للمرسل إليهم، فإذا لم يحصل فقد فاتت الفائدة المتوخاة من إرسالهم، وهم معصومون من ذلك كله، راجع آخر سورة والنجم المارة في ج 1 تجد ما يطمئن إليه ضميرك ويشرح له صدرك في هذا البحث «أَنْ يَقُولُوا» أي لعلك تترك تبليغ بعض الوحي مخافة قولهم «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ» مال كثير يستغني به عن السعي ويجلب الناس بسبب بثه إليهم، الكنز هو ما يدخر من المال ولا يكون إلا كثيرا، وعبروا بالإنزال دون الإعطاء أو الحصول، لأن مرادهم التعجيز يكون ذلك على خلاف العادة، لأن الكنوز إنما تكون في الأرض فتستخرج منها لا أنها تنزل من السماء «أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ» يصدق كل ما يقوله لنا إنه من عند ربه حتى نصدقه، وإلا بمجرد كلامه فلا، لأنا نعلم أنه مختلقه من من نفسه أو يتعلمه من الغير أو يسمعه من خرافات الأولين، يقول الله تعالى لحبيبه إذا صارحوك بهذه الأقوال التافهة فأعرض عنهم «إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ» لهم من عذاب الله والله شاهد على رسالتك فلست بحاجة إلى المال الذي فيه مطمع قومك ولا إلى الملك ليشهد لك على وحينا، ولست بوكيل على إيمانهم «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ 12» بما فيه أنت وقومك، قال ابن عباس إن هذا القول والقول في سورة يونس الآية 5 المارة قالته طائفة من الكفرة، أي عبد الله المخزومي ورفقاؤه من الضلال وإن حضرة الرسول قال لكل منهم لا أقدر على شيء من ذلك، فنزلت تلك الآية هناك وهذه هنا. وأول الآيتين المدنيتين 13/ 14 في هذه السورة هو قوله تعالى «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ» اختلق محمد هذا القرآن ونسبه إلى الله «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء المفترين «فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ» أي تحداهم يا محمد بذلك، لأنهم عرب مثلك، والقرآن باللغة العربية، فقل إذا كنتم تزعمون أني افتريته فافتروا عشر سور مثله، وكان نزل من القرآن عند هذه الحادثة جميع السور المكية وهي ست وثمانون سورة، وقسم من المدني، لأن هذه الحادثة وقعت في المدينة، وهاتين الآيتين نزلت فيها متأخرتين
عن سورتها المكية التي عددها بحسب النزول، اثنتان وخمسون سورة، فتراهم عاجزين عن الإتيان ببعض سورة من مثل هذا القرآن مهما بلغوا في الفصاحة، لأن كلام الخلق لا يضاهي كلام الخالق، وقد ذكرنا في سورة يونس المارّة عند قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) الآية 38 أن معناها هناك مثل جميع ما نزل، فلما عجزوا تحداهم الآن بعشر سور، وقيل معناها هناك في الإخبار بالغيب والأحكام والوعد والوعيد لا بسورة واحدة، ومثلها الآية 88 من سورة الإسراء المارة في ج 1، ومعناها هنا في الفصاحة والبلاغة من غير إخبار عن غيب ولا ذكر حكم ولا وعد ولا وعيد، ولهذا فلا دليل لمن قال إن هود نزلت قبل يونس، لأنه تحداهم بعشر سور فلما عجزوا تحداهم بسورة واحدة، تأمل وقد بينا أن يونس نزلت قبل هود على ما عليه الجمهور، وهود بعدها بالتنزيل وفي ترتيب القرآن أيضا، فضلا عن أن هذه الآية والتي بعدها مدنيتان، وأن بينها وبين آية يونس سنين وأشهرا وأياما، هذا ولما تحداهم بهذا الكلام أمره أن يقول لهم «وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من شركائكم وأعوانكم وأمثالكم من كل خلقه ليساعدوكم على الإتيان بذلك «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 13» أنه مفترى، ولا تكرار في هذه الآية وآية يونس لأن هذه مدنية وبعشر سور، وتلك مكية،
وبكل سوره النازلة وآية البقرة عدد 23 بخلافها كما سيأتي في تفسيرها في ج 3. وقد بينا عند تفسير آية يونس ما هو أوضح من هذا فراجعه. قال تعالى «فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ» جاء الضمير بالجمع تعظيما لحضرة الرسول وطبعا لم ولن يستجيبوا لأنهم أقل من ذلك «فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ» هذا القرآن كله يا محمد عليكم «بِعِلْمِ اللَّهِ» تعالى بواسطة أمينه جبريل عليه السلام ليس بمفترى، لأنكم وجميع الخلق لا تقدرون على الإتيان بسورة منه، ولا آية معجزة أيضا «وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» وحده الإله القادر على إنزاله وجعله معجزا للخلق أجمع، فقل لعامة الكفار هو كلام الله «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 14» مذعنون له منقادون لعظمته، خاضعون لأوامره ونواهيه. وبعد إظهاركم العجز عن ما تحداكم به لم يبق شائبة شبهة بأنه من عند غير الله بل من عند الله حقيقة، وأن ما أنتم عليه من الشرك والإنكار باطل،