المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

إليه من المواضع التي فيها هذا البحث فراجعها. قال تعالى «وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ» السابقة كقوم نوح وعاد وثمود، وقد بينا ما يتعلق بالقرن في الآية 15 من سورة الإسراء المارة في ج 1 فراجعها «مِنْ قَبْلِكُمْ» يا أهل مكة وقد التفت بالخطاب تعالى خطابه إليهم مبالغة في التشديد والتهديد «لَمَّا ظَلَمُوا» أنفسهم بتكذيبهم آياتنا ونماديهم في الغي والبغي «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» الواضحة فكذبوهم كما كذبتم محمدا يا أهل مكة الذي جاءكم بمثلها «وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» برسلهم مثلكم بل بقوا مصرّين على كفرهم «كَذلِكَ» مثل ما جزيناهم بالهلاك «نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13» منكم فنهلككم أيضا وكذلك نجزي كل طائفة مجرمة لم ترجع عن كفرها بالهلاك «ثُمَّ جَعَلْناكُمْ» يا قريش بعد إهلاك القرون الماضية «خَلائِفَ» لهم «فِي الْأَرْضِ» لإعمارها ونشر السلام فيها وعبادة مكونها وحده «مِنْ بَعْدِهِمْ» أي الهالكين الذين أساؤا التصرف بها وعبدوا الأوثان «لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ 14» هل تقتفون آثارهم فتستحقون الإهلاك مثلهم أو تعملون خيرا فتستوجبون النجاة في الدنيا من عذاب الاستئصال والجنة في الآخرة والنعيم الدائم.

واعلم أن كلمة كيف منصوبة بتعلمون لا بننظر قبلها لأن معنى الاستفهام فيه يمنع تقدم عامله وعليه يكون المعنى أنكم أيها الناس بنظر منّا وتحت مراقبتنا فانظروا كيف تعملون أتعتبرون بمن قبلكم فتفوزون بالنجاح، أم تعترون بما أنتم عليه فتهلكون، والله تعالى لا ريب عالم بما يقع منهم قبل وقوعه ناظر إليه قبل شروعهم فيه، وإنما قال لهم ذلك إظهارا لقوله سبحانه لعباده بأن يعاملهم معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه على حد قوله تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الآية الثانية من سورة تبارك الملك الآتية فيظهره لخلقه ليتيقنوا أن من يعمل صالحا يجازى بأحسن منه، ومن يقترف طالحا يجازى بمثله.

‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الدنيا

ص: 15

حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واحذروا فتنة النساء أي وفتنتها، ولا تعتروا بزخرفها وخذوا منها ما يكفيكم، ودعوا الفضل تكونوا فاضلين. قال تعالى (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) الآية 77 من سورة النساء في ج 3، وليعلم أنه لم يؤت الإنسان في هذا القليل إلا قليلا، وهذا القليل إن تمنّعت به فهو لهو ولعب، قال تعالى (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ) الآية 21 من سورة الحديد في ج 3، وقال تعالى (وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) الآية 14 من سورة العنكبوت ومثلها 32 من سورة الأنعام الآتيتين ومثلها الآية 36 من سورة محمد في ج 3، فعلى العاقل أن لا يشري حياة قليلة فانية بحياة كثيرة باقية، قال ابن عياض لو كانت الدنيا ذهبا يفنى والآخرة خزفا يبقى لوجب أن نختار ما يبقى على ما يفنى، قال تعالى (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) الآية 24 من سورة لقمان الآتية. وقال صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريك الدنيا بما فيها قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رءوس الناس وقذرات وخرق بالية وعظام البهائم، فقال يا أبا هريرة هذه الرءوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم، وهي اليوم صارت عظاما بلا جلد ثم هي صائرة عظما رميما، وهذه القذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها في الدنيا، فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية رياسهم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام رءوس دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك، قال فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا. وروي أن عمر بن الخطاب دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير من الليف وقد أثر الشريط في جنبيه، فبكى عمر فقال صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عمر؟ فقال تذكرت كسرى وقيصر وما كانا عليه فيه من سعة الدنيا وأنت رسول الله وقد أثر الشريط في جنببك، فقال صلى الله عليه وسلم هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا،

ص: 16

وقد تمثل عند ما آلت له الخلافة بالآية الآتية الدالة على معنى قوله صلى الله عليه وسلم هذا وذلك أن ضيفا جاءه ذات يوم وأمامه قصعة يأكل منها وبجانبه ضيفان يأكلان على قصعة أخرى، فجلس معه فرأى عظاما وعصبا، فقال ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال هذا الذي ترى إنا إذا ذبحنا الجزور بعثنا بمطايب اللحم إلى آل محمد، والذي يليه للمهاجرين والأنصار، والذي يليه للضيفان، وما بقي من عظم وعصب لعمر وآل عمر، فبهت الرجل ثم قال له عمر اعلم أيها الرجل أنا أعلم بصلاء الجداء منكم، ولكن نتركه لئلا يقال لنا غدا (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا) الآية 21 من سورة الأحقاف الآتية. قيل أن تيمور لنك لما أسر ببلد رم با يزيد قال له هل أنت آسف؟ قال وكيف لا، فقال لا تأسف فلو كانت الدنيا تساوي عند الله ذرة ما ملكها لمثلك أعور ومثلي أعرج، ثم قال له أتدري من الملك؟ قال أنت، قال لا، الملك من يشهد له الناس في اليوم والليلة على رءوس المنابر خمس مرات.

فتدبر قوله هذا، واعلم أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. قال تعالى «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا» المعنيون بالآيات السابقة، وقد وضع الموصول فيها موضع الضمير إشعارا بالذّم لهم أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد أن نؤمن بك «ائْتِ» لنا «بِقُرْآنٍ» ليس فيه عيب آلهتنا ولا ترك عبادتها «غَيْرِ هذا» الذي تتلوه علينا المملوء بما نكره المحشو بتنديد ما نعبده «أَوْ بَدِّلْهُ» بأن تجعل الآية المشتملة على سب آلهتنا آية أخرى في مدحها، ومن هؤلاء الخبثاء عبد الله بن أمية المخزومي والوليد ابن المغيرة ومكرز بن حفص وعمر بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام، وقد قالوا هذا لحضرة الرسول على طريق التجربة والامتحان ليعلموا صدق قوله وعدمه، فأجابهم الله تعالى عن التبديل لأنه في طوق البشر بقوله «قُلْ يا محمد لهؤلاء العتاة «ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي» لأني لم آت به من جهة نفسي كي أتمكن من تبديل شيء منه، ولا ينبغي لي أن أفعل هذا «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» من ربي فلا أقدر أن أزيد فيه شيئا ولا أنقص البتة «إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي» بالإقدام على تبديل

ص: 17

حرف أو زيادته أو نقصه «عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 15» هو يوم القيامة الذي لا أعظم منه هولا، وهذا جواب لكم عما طلبتموه من التبديل، أما الإتيان بقرآن آخر غير هذا فهو خارج عن طوق البشر، فلا أقدر أنا ولا غيري عليه البتة، وهذا وما بعده في الآية رد صريح على من يقول إن القرآن أتى به محمد من عند نفسه، وكثير من آيات هذه السورة جاءت بمعرض الرد على هذا وآيات غيرها في السور الأخرى أيضا صريحة بالردّ على هؤلاء الذين يشكون يكون هذا القرآن من عند الله، وقد أكد ذلك بقوله جل قوله لحبيبه «قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ» لأني أمي كما تعلمون لا أحسن القراءة والكتابة وإن تلاوتي له عليكم أمر غريب أبرزه لكم، وإن إظهار أمر عجيب خارج عن العادة وخارق لها وإن أمّيّا مثلي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء أو يجالسهم وقد قضى ردحا من عمره بين أظهركم وأنتم تعلمون ذلك إذ أنتم أميون مثلي فقراءتي عليكم كتابا بكلام فصيح يعلو على كل فصيح مشحونا بالأخبار الغيبية مما لا يعلمه إلا الله لمن أغرب الأمور وأعجبها إن كنتم تعقلون، واعلموا يا قومي أن الله تعالى لو شاء لم ينزله علي ولم يأمرني بتلاوته «وَلا أَدْراكُمْ بِهِ» ولا أعلمكم بذلك على لساني لأن الأمر منوط به وليس لي شيء منه أصلا، لأني عاجز عن الإتيان بشيء منه مثلكم وقرىء (ادرأتكم) بإسناد الفعل إلى حضرة الرسول عطفا على ما تلوته لتوحيد الضميرين، والقراءة المشهورة هي ما في المصاحف بإسناد الضمير إلى الله تعالى وهي أبلغ في المعنى «فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً» مدة أربعين سنة «مِنْ قَبْلِهِ» قبل إنزاله علي من قبل الله وتلاوتي إياه عليكم، فلو كان شيء منه في نفسي لتلوت عليكم خلالها شيئا منه وهذا دليل كاف على ردّ زعمكم بأن هذا القرآن من عندي أو أني تلقيته من الغير، أو أني أقدر على الإتيان بشيء منه، وإلا لوقع منّي ولو بعض آية على طريق السهو على الأقل طيلة تلك المدة. وبما أنكم يا قوم تعلمون عدم وقوع شيء مني من هذا القرآن، ولم أقل لكم إنه أنزل علي شيء منه، ولم أدّع النبوة التي شرفني الله بها إلا بعد مضي الأربعين من عمري، وإذا علمتم هذا وتحققتم عدم ادعائي شيئا من ذلك فاعلموا أنه من عند الله، وأن البشر كلهم عاجزون عن الإتيان بآية

ص: 18

منه أو أقل، وعاجزون عن تبديل ما أوحي إلي منه أيضا، وإني أبرأ مما تتوهمونه وما تسندونه إلي مخافة عذاب الله ربي «أَفَلا تَعْقِلُونَ 16» ما وضحته لكم وتعترفون بأني نشأت بينكم ولم أغب عنكم لأنهم بالتعليم من الغير، فمن له منكم مسكة من عقل سليم وذهن مستقيم يعلم صحة ذلك، ويعرف بأن هذا الذي أتلوه عليكم منزل من عند الله العزيز الحكيم وكما أنكم عاجزون كلكم عن الإتيان بمثله فأنا مثلكم عاجز أيضا لأني من أحدكم فاتقوا الله وآمنوا به يا قوم لعلكم تفلحون.

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة (أي بعد كما لها لأن النزول بدأ في الإحدى والأربعين من عام ولادته صلى الله عليه وسلم فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه (أي القرآن إلا شهورا) ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث فيها عشر سنين (أي يوحى إليه أيضا) ثم توفي صلى الله عليه وسلم، فيكون عمره الشريف ثلاثا وستين سنة وهو الصحيح من أقوال ثلاثة، لأن من قال إن عمره ستون سنة اقتصر على العقود وترك الكسر وهو ما بين العقدين وكل عشر سنين يسمى عقدا، ومن قال خمس وستون حصل له اشتباه في مدة الإقامة بمكة والمدينة من حساب السنة مرتين، قال تعالى «فَمَنْ أَظْلَمُ» لا أحد أكثر ظلما ولا أعظم ذنبا «مِمَّنِ افْتَرى» اختلق من تلقاء نفسه «عَلَى اللَّهِ كَذِباً» فنسب إليه ما لم يكن من الشريك والصاحبة والولد «أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» المنزلة على أنبيائه فكان مجرما بافترائه هذا «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ 17» المقترفون أوزارا توجب هلاكهم في الدنيا وإهلاكهم في الآخرة وإذا كان كذلك، فاعلموا يا قوم أن من أعظم الإجرام أن آتيكم بشيء ليس من عند الله وأقول لكم هذا من عنده فكيف يسوغ لي أن أجرؤ على ذلك أو يتسنى لي الإقدام عليه كلا لا يجوز لي ذلك أبدا فأكون مفتريا على الله مزورا عليكم بهتا واختلافا، ولكنكم أنتم افتريتم على الله تعالى فنسبتم له شريكا وصاحبة وولدا وهو منزه عن كله، ونسبتم لي الافتراء والسحر والكهانة والتعليم من الغير، وأنا بريء من ذلك كله، فكنتم مجرمين مستحقين عذاب الله، قال تعالى «وَيَعْبُدُونَ» هؤلاء الكفرة المكذبون أوثانا «مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ» إن تركوا

ص: 19

عادتها «وَلا يَنْفَعُهُمْ» إن عبدوها لأنها حجارة لا تحس بالتعظيم والتبجيل والعبادة التي هي أعظم أنواع التعظيم لا تليق إلا لمن يضر وينفع بأن يقدر على الإحياء والإماتة والخير والشر والصحة والمرض والفقر والغنى «وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ» الأوثان جهلا منهم وسخافة بهم «شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» مع علمهم بأنها لا تضر من جحدها ولا تنفع من اعترف بها، ويقولون ما حكى الله عنهم في الآية 3 من سورة الزمر الآتية (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) كما سيأتي بعد من أن هؤلاء العتاة توهموا أن عبادة الأوثان أشدّ وأكثر، في تعظيم عبادة الله وحده لزعمهم أنهم ليسوا بأهل لأن يعبدوا الله الإله الواحد رأسا، بل يعبدون هذه الحجارة والأخشاب، تقربا إلى الله تعالى، ويقولون إنها واسطة بينهم وبينه وإنها تشفع لهم عنده في الدنيا لإصلاح معاشهم، إذ جعلوها على صور رجال صالحين بزعمهم ذوي خطر عندهم ومكانة عالية، أما الآخرة فلا يحسبون لها حسابا لأنهم لا يعتقدون بالبعث بعد الموت، وقد حكى الله عنهم بقوله عز قوله:(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) الآية 39 من سورة النحل الآتية، ومن يقول منهم على طريق الشك إن هناك آخرة فيعتقدون أنها تشفع لهم فيها أيضا عند الله إن كان هناك آخرة على ما يزعم محمد وأصحابه فيها بعث ونشور وحساب وعقاب وجزاء، وإن الشفاعات تنفع لأن محمدا يقول بها فإنا نتخذها لتشفع لنا أيضا وقد عبدناها في الدنيا لتكون شافعة لنا في الآخرة، أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كان النضر بن الحارث يقول إذا كان يوم القيامة شفعت اللّات والعزّى وفيه نزلت هذه الآية ونزولها فيه لا يقيدها بل تشمل كل من قال قوله بشفاعة الأوثان أو اشتراكها مع الرحمن «قُلْ» يا أكرم الرسل «أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ» وجوده «فِي السَّماواتِ» «وَلا فِي الْأَرْضِ» وتسمونه شريكا له وشفيعا عنده، وهو لا يعلم له شريكا البتة ولم يعط الشفاعة لديه أحدا من أهل السموات والأرض إلا لمن يرضاه ولم يفوض من يرضاه بالشفاعة إلا لمن يرتضيه «سبحانه وتعالى» من أن يتفوّه أحد بمثل ذلك عليه، وله البراءة والتنزيه «عَمَّا يُشْرِكُونَ 18» معه من الأنداد والأضداد، تعالى عن ذلك كله علوا كبيرا. قال تعالى «وَما كانَ النَّاسُ»

ص: 20

في عهد آدم عليه السلام «إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً» حنفاء لله متفقين على عبادته وطاعته واستمر الأمر كذلك إلى

أن أغوى إبليس قابيل فقتل أخاه هابيل «فَاخْتَلَفُوا» بعد هذه الحادثة الأولى من نوعها لأنه أول شر وقع على وجه الأرض، فتفرقوا من أجلها، إذ أن قابيل أخذ أخته وهرب من وجه أبيه، وبقي آدم ومن معه على عبادة الله وطاعته، وكفر قابيل ومن معه، فصاروا قسمين مؤمنين وكافرين، وهذا التفسير أولى من القول بأن الناس كانوا أمة واحد متفقين على الكفر والمكر من زمن نوح عليه السلام، مستدلا بقوله تعالى (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الآية 13 من سورة البقرة في ج 3، لأن هذه الآية تنطبق على قوم نوح عليه السلام إذ بعث فيهم وكلهم كافرون، ولذلك عمهم الله بالعذاب ولم يبق على وجه الأرض منهم أحدا إلا نوحا ومن آمن به، كما فصلناه في الآية 58 من الأعراف في ج 1، ولهذا البحث صلة في الآية 24 من سورة هود الآتية. هذا إذا كان المراد بالناس على الإطلاق فيجوز أنهم كانوا كذلك وتفرقوا ببعثته عليه السلام، إذ خالفوا أمره واختلفوا فيما بينهم على إجابة دعوته، هذا إذا كان المراد بالناس العرب خاصة، فيكون المعنى أنهم كانوا على دين الإسلام من عهد إسماعيل عليه السلام، إذ أن أباه إبراهيم عليه السلام سمى أتباعه المسلمين كما سيأتي في الآية الأخيرة من سورة الحج في ج 3، وبقوا مسلمين إلى أن غيرّه عمرو بن لحى، إذ سن لهم عبادة الأوثان، وهو أول من عبدها، إذ أنهم كانوا على الفطرة السليمة الصحيحة أول الخلق، ثم اختلفوا في الأديان وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه والمراد بالفطرة في الحديث فطرة الإسلام لأنه دين الفطرة دين الحق والصدق.

والتفسير الأول أولى، لأن الاختلاف وقع بعد حادثة ابني آدم عليه السلام كما ذكرناه آنفا. وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يخبره ربه عز وجل بأن لا مطمع لصيرورة الناس كلهم على دين واحد كما يريد لأن الله أراد ذلك كما سيأتي في الآيتين 117/ 118 من سورة هود الآتية، قال تعالى «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» وهي جعله لكل أمة أجلا وقضى بسابق أزله تأخير العذاب عن

ص: 21

قومك وإمهالهم للإيمان به «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» بتعجيل عقوبة المكذبين وعدم إمهالهم، ولكان إنزال العذاب العاجل بهم فصلا بينهم «فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19» ولأراهم المحق من المبطل وأهل النعيم من أهل الجحيم حالا، ولكن اقتضت حكمته ذلك التأخير ليبلغ كل منهم جهته المتجه إليها بأعماله التي يزاولها وإظهار ما خفي في نفسه إلى الناس، ليعلموا أن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه، لأن من مفاد رحمته التي سبقت غضبه تأخير القضاء فيهم ليوم القضاء، قال تعالى حاكيا جنايتهم الأخرى «وَيَقُولُونَ» لبعضهم كفرة قومك يا سيد الرسل «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» محسوسة مشاهدة كآية موسى عليه السلام اليد والعصا وآية عيسى عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص لآمنا به، وبما أنه لم يأت بشيء من ذلك ولا مما اقترحناه عليه مما ذكر في آية الفرقان 6 فما بعدها، وآية الإسراء 90 فما بعدها المارتين في ج 1 فلا نؤمن به «فَقُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء العمه القلوب الذين أعمى الطيش أبصارهم وملأ الحمق قلوبهم إنما تطلبونه من الغيب و «إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ» وحده اختص به نفسه وليس من خصائص البشر مثلي «فَانْتَظِرُوا» حصول ما تطلبونه من الآيات من الله الذي أعطاها للأنبياء قبلي «إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ 20» ذلك لأن الأنبياء لم يأتوا بالآيات من أنفسهم، وهذه الآية جواب لهم وتهديد ووعيد بأنهم إذا لم يكتفوا بما أنزل الله من القرآن والآيات الأخر كانشقاق القمر والأخبار بالغيبات فإن الله تعالى ينزل بهم عذابه فلينتظروه لأن سؤالهم هذا بعد ما أراهم الله من الآيات على يد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عبارة عن تعنت وعناد، ولو أنصفوا لاكتفوا بالقرآن العظيم الباقي إعجازه على ممر الدهور، لأنه الآية الكبرى والنعمة العظمى،

قال تعالى «وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً» من خصب وسعة وصحة وجاه «مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ» قحط وفقر ومرض وذلة «مَسَّتْهُمْ» حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، أسند جل شأنه ضمير إذاقة الرحمة إليه وضمير الضراء إليهم ليتعلمّ الناس الأدب بتعاليم الله تعالى المبينة في هذا القرآن، فيسندوا كل ما يدل على الخير إليه تعالى وما يدل على الشر إليهم أنفسهم، وليتأدبوا أيضا بعضهم مع بعضهم بمقتضى تفضيل الله

ص: 22