الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ» حالتكم وما تتمكنون أن تعملوه، وهذا الوعيد تهكم بسوء عاقبتهم إذا بقوا مصرين على ما هم عليه على حد قوله تعالى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) الآية 47 من سورة فصلت الآتية «إِنَّا عامِلُونَ 121» دائبون على ما أمرنا به «وَانْتَظِرُوا» بنا ما تتصورونه أن يقع بكم من الدوائر «إِنَّا مُنْتَظِرُونَ 122» ما يحل بكم من العذاب وينتقم منكم كما انتقم ممن قبلكم أمثالكم المكذّبين «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» من كل ما يقع فيها وفوقها وتحتها، ومن كان كذلك فلا يخفى عليه شيء من أعمال من هو بينهما وأعلاهما وأسفلهما «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فيما يتعلق فيكم وفي غيركم، وعليه فلا بدّ من مصيركم إليه فينتقم من الكافر، وينعم المؤمن، ثم التفت إلى صفيّه محمد صلى الله عليه وسلم فقال عزّ قوله وأنت يا أكمل الرسل «فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» فهو كافيك وكافلك، وقد جاء في الحديث الشريف من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى. ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم متوكل على ربه حق التوكل، وإنما يراد منه الدوام والاستمرار، أي فداوم على ما أنت عليه يا سيد الرسل ولا تبال بالذين لا يؤمنون بك، ولا يضيق صدرك من تكذيبهم «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 123» أنت ومن آمن بك وأمتك كلهم مؤمنهم وكافرهم، لأن أعمالكم جميعا يحصيها عليكم ويجازيكم عليها السيء بمثله والحسن بأمثاله. وفي هذه الآية إشارة إلى أن العبد غير الموفق غافل عن عمله لا يدري ما يفعل به، حتى إذا وقع أمر الله به انتبه فندم من حيث لا ينفعه الندم. أجارنا الله من ذلك. هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12
نزلت بمكة بعد سورة هود عدا الآيات 2 و 3 و 7 فإنهن نزلن بالمدينة، وهي مئة واحدي عشرة آية، ومثلها في عدد الآي سورة الإسراء فقط، وألف وستمئة كلمة، وستة آلاف وستون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى «الر» تقدم ما فيه أول سورتي هود ويونس المارتين فراجعهما وما يرشدانك إليهما «تِلْكَ» الآيات المنزلة عليك يا سيد الرسل هي «آياتُ الْكِتابِ» الأزلي المدون في اللوح المحفوظ «الْمُبِينِ» 1 لكل شيء من علوم الدنيا والآخرة. وهاتان الآيتان المدنيتان من هذه السورة، قال تعالى «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا» سمي بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، وكما يطلق على الكل يطلق على البعض، ولا يرد ما قيل إن بعض كلماته أعجمية في الأصل على قوله عربيا كاليم والقسطاس وغيرهما، لأنها عربية قبل نزول القرآن والعرب يتكلمون بها قديما بما يدل على أن الأصل استعمالها في اللغة العربية والأعاجم أخذوها منها كغيرها من الكلمات المستعملة عندهم، راجع الآية 182 من الشعراء المارة في ج 1 تجد ما يتعلق في هذا البحث مستوفيا، وقد يكون بعضها من باب توارد اللغات كما يكون في الشعر أحيانا من باب توارد الخاطر، وسبب إنزاله باللغة العربية «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» 2 معانيه وتتدبرونها فتعلمون المراد منها، ولو أنزله بلغة أخرى لا حتججتم وتقدمتم بالأعذار من عدم فهمه وصعوبة تعلمه، فيا أكمل الرسل إنا «نَحْنُ» إله السموات والأرض «نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ» في هذه السورة قصة واقعة قبل زمنك مدونة في الكتب القديمة، ولكن كل ما نقصه في هذا القرآن أحسن مما قصصناه قبل وأوسع وأصح، لأن الكتب الموجودة لعبت فيها أيدي غير طاهرة فبدلت وغيرت فيها لذلك لا يعتمد على ما جاء فيها إذا كان مخالفا لما في هذا القرآن، وقد قصصناها عليك الآن كاملة لنقصها على قومك لما فيها من العبر والحكم، والنكت، والفوائد الدينية والدنيوية، وسير الملوك، والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد اللقاء، والعفو عند المقدرة، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، بصورة مفصلة لم يعلمها غيرك، كما سنقص عليك في غير هذه السورة قصصا أخرى غير ما تقدم لتحيط علما بما كان وما سيكون من علمنا الأزلي. قال خالد بن سعداه: يتفكه أهل الجنة بسورة يوسف وسورة مريم وسماعهما يريح كل محزون. والقصص بفتح القاف اتباع الخير
بعضه بعضا، وبالضم جمع قصة وهي الحكاية تذكر شيئا فشيئا، أي إنا نبين لك يا أكرم الرسل أخبار الأمم الماضية أحسن بيان، ولذلك قال أحسن القصص وكل قصص القرآن حسن، وفيه ما هو أحسن، قال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول الله فتلاه على أصحابه زمانا، فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزلت هذه السورة. وقيل إن كفار مكة أمرتهم طائفة من اليهود أن يسألوا رسول الله عن السبب الذي أحل بني إسرائيل في مصر، فسألوه، فنزلت. وقيل قالت اليهود لمشركي مكة صلوا محمدا عن أمر يعقوب وقصة يوسف مع اخوته، وكانت عندهم بالعبرانية، فأنزل الله هذه السورة ليفهمها للعرب. وقدمنا في المقدمة أن القرآن منه ما نزل بسبب أو على سؤال أو حادثة، ومنه ما نزل بغير ذلك، فلا يشترط للنزول سبب، بحيث لم ينزل بشيء من القرآن إلا بسبب، تدبر «بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ» قبل نزوله وإيحائه إليك «لَمِنَ الْغافِلِينَ» 3 عنه يا محمد وعما فيه من أخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وكيفية الخلق مما لم يخطر ببالك أننا ننزل عليك وحينا ولم تتصور إخبارنا لك عن عجائب أخبار الأولين. وما في صدر الآية مصدرية، وإن مخففة من الثقيلة، واللام في لمن الفارقة بينها وبين ان النافية، انتهت الآيتان المدنيتان الأوليان.
قال تعالى واذكر يا محمد لقومك «إِذْ قالَ يُوسُفُ» وهو الكريم بن الكريم بن الكريم «لِأَبِيهِ» يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام المتصل نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إليه وهو:
نسب كان عليه من شمس الضحى
…
نورا ومن ضوء الصباح عمود
«يا أَبَتِ» بتاء التأنيث المعوضة عن ياء الإضافة لتناسبها، لأن كل واحدة منها زائدة في آخر الاسم، ولهذا تقلب هاء بالوقف، وجاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر كما في رجل ربعة، وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة، ومن فتح التاء فقد حذف الألف في يا أبتاه، واستبقى ما قبلها كما فعل في حذف الياء في غلام، ومقول القول قوله «إِنِّي رَأَيْتُ» رؤيا منامية. واعلم أيها القارئ أنا سنأتي على هذه القصة تدريجيا بحسب نزولها ليكون أوقع في النفس وأقرب للفهم، وأخصر للفظ، وحذرا من تكرارها، فتدبرها تباعا من أولها في هذه الآية إلى آخر