الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعلاه ولا أكثر من ثلاثمائة وخمس وخمسين يوما، وقدمنا ما يتعلق بهذا، وفي السنة الشمسية أيضا في سورة البروج بصورة مفصلة في ج 1 فراجعها. ولما ذكر الله تعالى حال منكري النبوة وكانت متفرعة على التوحيد وقال جلّ شأنه لو رأوا الآية المطلوبة من السماء لما آمنوا ولبقوا مصرين على كفرهم عقب ذلك بذكر الدلائل السماوية والأرضية، فقال وأن في السماء لعبرا منصوبة غير هذه، فقال «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً» هي عبارة عن أجزاء الفلك الأعظم المحدد المسمى بالفلك الأطلس وفلك الأفلاك وسماه الشيخ الأكبر قدس سره فلك البروج ويسمونه الفلك الثامن وفلك التوايت، وقد أوضحنا ما يتعلق فيها أول سورة البروج أيضا في ج 1 فراجعها. قال تعالى «وَزَيَّنَّاها» أي السماء بالشمس والقمر والميزان والثريا والكواكب السبعة والمحيرة وغيرها زينة بديعة «لِلنَّاظِرِينَ 16» حديدي النظر في ملكوت الله يستدلون بها على قدرة مكونها ليؤمنوا بخالقها ويرشدوا أقوامهم إلى الإسلام والإيمان «وَحَفِظْناها» أي النجوم، وإنما أعيد الضمير إلى السماء لكون النجوم فيها من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه، فالسماء المحل والنجوم حالة فيها «مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ 17» مرجوم بالشهب ملعون مطرود عنها، كما هو مطرود من رحمة الله «إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ» منها استثناء منقطع أي الذي يقع منه الاستراق يعرض نفسه للهلاك.
مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:
لأنه إذا تصدى ذلك فيتبعه ما يحرقه وجاء بالماضي «فَأَتْبَعَهُ» راجع الآية 172 من الأعراف المارة في ج 1 تجد معنى هذا الفعل «شِهابٌ مُبِينٌ 18» أو شعلة ساطعة من نار سمي الكوكب شهابا لما فيه من البريق كشهاب النار. واعلم أن قوله تعالى وزيّناها يعود إلى السماء باعتبار أل فيها للجنس فتشتمل السموات السبع، لأن الكواكب ليست بسماء الدنيا فقط بل فيها كلها يدل على هذا قوله:
زحل شرى مرّيخه من شمسه
…
فتزاهرت لعطارد الأقمار
لأن زحل في السابعة والقمر في الأولى والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والزهرة في الثالثة وعطارد في الثانية، وكل منها معها نجوم لا تعد ولا تحصى، وإن قالوا إنهم أحصوها، وأن قوله تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ) الآية 5 من سورة تبارك الملك الآتية بالنسبة لما يبدو لنا وإلا فالتزيين لكل السموات، والمراد بحفظها من الشياطين عدم قربانهم لها كما يحفظ الإنسان داره من العيون والجواسيس، وإلا فهي محفوظة بحفظ الله لا قدرة للشيطان على هدمها وإفساد ما فيها وإنما يحفظها من استراقهم ما يقع فيها من الكلام الذي تتلقاه الملائكة من رب العزّة، راجع تفسير أول سورة الجن المارة في ج 1 وما يأتي عليك الآن روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قضى الله الأمر في السما حتى ضربت الملائكة أجنحتها خفقانا لقوله كالسلسلة على صفوان إذا فزّع عن قلوبهم (قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا) للذي قال (قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) الآية 22 من سورة سبأ الآتية، فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض. ووصف سفيان بكفيه فحدقهما ومدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال له أليس قد قال لنا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. قال ابن عباس لما ولد عيسى عليه السلام منعت الشياطين من ثلاث سموات، ثم منعوا من الكل عند ولادة محمد صلى الله عليه وسلم، والرمي بالنجوم كان موجودا قبل مبعثه وإنما زاد وشدد بعده.
وقد جاء له ذكر في الشعر الجاهلي قال بشر بن أبي خازم:
فالعير يرهقها الغبار وجحشها
…
ينقض خلفها انقضاض الكواكب
وقدمنا في بحث أولاد الحيوانات في الآية 148 من الأعراف المارة في ج 1 أن الجحش ولد الحمار فراجعه. وقال أويس بن حجر الجاهلي:
فانقض كالدرّي يتبعه
…
نقع يثور تخاله طينا
بما يدل على أن الانقضاض لم يكن قبل بمجرد كوفه غير جاهلي، وإذ كنا
أوضحنا ما يتعلق بهذا أول سورة الجن المارة في ج 1 وأوردنا الحديث الذي رواه ابن عباس وغيره فلا حاجة للإطالة في هذا البحث هنا، وستأتي له صلة في سورة الصافات الآتية الآية 6 فما بعدها وفي سورة سبأ الآية 24 أيضا ان شاء الله «مَدَدْناها» على وجه الماء أو بسطناها بالنسبة لما نراه، لأن النّملة إذا مشت على البيضة تحسبها مفروشة ممهدة مبسوطة وقال أهل الهيئة بعضها في الماء وبعضها خارج عنه وهو الجزء المعمور، ولعظمها يكون بالنظر كل جزء منها ممدودا مبسوطا، ولا منافاة بين الآية على ما قاله المفسرون وبين قولهم هذا من حيث المعنى كما ذكرنا، لأن الكرة إذا كانت عظيمة كان كل جزء منها سطحا عظيما بالنسبة لمن فوقه «وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ»
أراد وهو أعلم بالرواسي الجبال العظام الثوابت حيث ثقلها بها لئلا تتحرك قال تعالى في الآية 16 من سورة النمل الآتية (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) » والآية 22 من سورة الأنبياء الآتية أيضا بمعناها مما يدل على أنها طائفة والقرآن يفسر بعضه فلولا تثقيلها بالجبال لبقيت مضطربة لا يستفاد منها قال ابن عباس أن الله لما بسط الأرض على الماء ما لت كالسفينة فأرساها بالجبال الثقال لئلا تميل بأهلها، وما قاله الإمام الرازي في أنه يجوز أن يكون المراد أنه تعالى فعل ذلك لتكون الجبال دالة على طرق الأرض ونواحيها فلا تحيد الناس عن الجادة المستقيمة، ولا يقعون في الضلال، لا يسوغ الذهاب إليه، لأن الأخبار تأباه، وكان هو رحمه الله لم يرض به لتصدير قوله بيجوز، لأن العالم إذا تردد في شيء صدره بكلمة يجوز إعلاما بعدم تحققه لديه لعدم العثور على مايجزم به فيه «وَأَنْبَتْنا فِيها» أي الأرض بما فيها الجبال لأنها منها، وإن أحسن النبات يكون فيها فضلا عن أن أكثر المعادن تكون فيها، وقد يوجد فيها ما لا يوجد في غيرها، كيف لا وهي مخازن المياه، لهذا فإن من قصر عود الضمير على الأرض فقد قصر كما أن تخصيص عود الضمير للجبال فقط غير جائز، ولهذا فإن عود الضمير لكليهما أولى وأوفى بالمرام «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ 19» بميزان الحكمة معلوم القدر والثقل، فكل ما ينبت أو يكون في الأرض والجبال والأودية له وزن خاص به سواء