الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:
قالوا ولما دخلوا عليه حيوه بالعربية فرد عليهم بها، وكلمهم وسألهم، فأخبروه بهويتهم وحالهم ومحلهم والسبب الذي جاء بهم إليه، فقال لهم عليكم جئتم تنظرون عورة بلادي؟ فقالوا ما نحن بجواسيس وإنما نحن أخوة أولاد أب واحد، وكنا اثنى عشر وها نحن عشرة ولنا أخ آخر لأب تركناه عند والدنا حيث كان له أخ أحبنا إلى أبينا وقد هلك بالبرية، فأمسك أخاه يتسلى به، وان مجيئنا للميرة ليس إلا كما ذكرنا. قالوا وبعد إكرامهم أراهم من لين الجانب ما قرت أعينهم به، قال ومن يعرفكم ويعلمنا صدق قولكم؟ قالوا لا أحد لأنا غرباء، قال ائتوني إذا بأخيكم لأبيكم الذي هلك أخوه كما زعمتم ليظهر لي حقيقة قولكم، قالوا ان أباه يحزن لفراقه، قال اتركوا أحدكم عندي رهينة حتى إذا تبين أنكم جواسيس أجريت معه ما يستحقه الجاسوس من الجزاء، لأن هيئتكم تدل على أنكم عيون لا ممتارون كما تزعمون، وإنما قال لهم ذلك مع علمه بخلافه توطئة وتقدمة لأن يستنزلهم لجلب أخيه وإلا فبعيد عليه عليه السلام أن يتهمهم بذلك لأن هذا إذا كان على حقيقة يكون من البهت والبهت لا يليق صدوره منه ويصرف هذا عن معناه الحقيقي زيادة إكرامهم وحسن مكالمتهم وايفاؤه الكيل لهم وتزويدهم لما يحتاجون من الطعام في سفرهم وقوله لهم بعد هذا «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ 59» فوافقوه على ما قال وافترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا بعد يهوذا، فسلموه إليه قال تعالى «وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ» بفتح الجيم، وكسرها لغة رديئة، إذ حمل لكل منهم بعيرا وبالغ بملاطفتهم وإكرام وفادتهم واحسان ضيافتهم، فلما غادروه «قالَ» لهم «ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ» يطلق على الأخوة لأب بنو الأعيان والإخوة لأم بنو العلّات ويقال للأخوة من أم واحدة وآباء متفرقين بنو الأخياف وللأخوة من أب وأم أشقاء وقد نكر الأخ مبالغة في عدم معرفته لئلا يتهموه بمعرفتهم أو ينتبهوا لها، والأخ قد يكون أكثر شفقة من الابن وقد أثنى الله على الأخوة بقوله جل قوله (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) الآية 110 من آل
عمران في ج 3، وقال «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» الآية 48 من سورة الحجر الآتية وقال صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها أتلف وما تناكر منها اختلف وقال صلى الله عليه وسلم ان روحي المؤمنين يلتقيان في مسيرة يوم، وما رأى أحدهما صاحبه، وقد سنّ الإخاء وندب إليه وآخى بين أصحابه، وجاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم كم أخ لك لم تلده أمك، وقال عليه الصلاة والسلام الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين. وقال جعفر الصادق عليكم بالإخوان فأنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة. وقال الشاعر:
أخاك أخاك إن من لا أخا له
…
كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وقال زياد خير ما اكتسب المرء الإخوان، فإنهم معونة على حوادث الزمان، ونوائب الحدثان، وعون في السراء والضراء. قال ابن السماك أحق الإخوان ببقاء المودة الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب ولا ينساك على البعد ان دنوت منه داناك، وان بعدت عنه راعاك، وان استعنت به عضدك، وان احتجت إليه رفدك، وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله، فهو الذي يواسيك في الشدة أكثر من الرخاء، ويغار عليك كما يغار على نفسه ويساوي حاجتك بحاجته بل تقتضى مروءته تقديمها على حاجته ولو أضرّت به. وفي هذا قيل:
دعوى الإخاء على الرخاء كثيرة
…
ولدي الشدائد تعرف الإخوان
وقال الآخر:
إن أخاك الحق من يسعى معك
…
ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك
…
شتّت فيك شمله ليجمعك
وقيل لخالد بن صفوان أي اخوانك أحب إليك؟ قال الذي يسد قلّتي، ويغفر زلّتي، ويقبل عثرتي وقيل من لم يوأخ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه وكثر تعبه. وقيل في ذلك:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا
…
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مرارا على القذى
…
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وقالوا إذا رأيت من أخيك أمرا تكرهه، أو خلة لا تحبها فانصحه وانهه واضرب له الأمثال على قبح عاقبتها، ولا تهجره رأسا، ولا تقطع صلته ولا تصرم ودّه، ولكن داو كلمته، واستر عورته، وابقه وابرأ من عمله قال تعالى (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) الآية 267 من سورة الشعراء في ج 1، فإن الله لم يأمره بقطعهم بل بالبراءة من سيء عملهم، وقيل:
أخاك الذي إن تدعه لملمة
…
يجبك كما تبغي ويكفيك من يبغي
وان تجفه يوما فليس مكافئا
…
فيطمع ذو التزوير والوشي ان يبغي
وقالوا ليس سرورا يعدل لقاء الاخوان ولا غم يعدل فراقهم، ولكن من هؤلاء الإخوان فإن اخوان أهل هذا الزمن خوّان، ان أبديت لهم شيئا أحبوك وان منعتهم رفدك بغضوك، وهم كما قالوا شر الإخوان الواصل في الرخاء الخاذل في الشدة، وهذا الصنف منهم كثير، وفيهم يقول القائل:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه
…
ومن أين للحر الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلهم
…
ذئابا على أجسادهن ثياب
وأتى هؤلاء ممن نوه بهم حضرة الرسول بقوله ما تحابّ اثنان في الله الا كان أفضلهما عند الله أشدهما حبا لصاحبه، وما زار أخ أخا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا نادته الملائكة من ورائه طبت وطابت لك الجنة. وما أحسن ما قيل:
وزهدني في الناس معرفتي بهم
…
وطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلأ تسرني
…
مباديه إلا ساءني في العواقب
راجع الآية 29 من سورة الفرقان في ج 1 تجد ما يتعلق بهذا البحث، وله صلة في الآية 67 من سورة الزخرف الآتية فراجعها، قال تعالى «أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ» لكم ولغيركم إيفاء مستمرا بدلالة استقبال الفعل لأن هذا الكلام وقع بعد أن كال لهم «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ 59» المقرين للضيف سابقا ولا حقا بدلالة الجملة الاسمية ولم يقل هذا بطريق الامتنان بل قاله حتما لهم على تحقيق ما أمرهم به يدل عليه قوله «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي» مرة أخرى ففيه إيعاد لهم على عدم الإتيان بأخيهم المتضمن مخالفة أمره وزاد في
الوعيد بقوله «وَلا تَقْرَبُونِ 60» البتة إذ يظهر له عدم صحة قولكم هذا على قراءة الكسر، وعلى قراءة الفتح يكون المعنى لا تدخلوا بلادي لأني سأعاملكم معاملة العيون. وتأتوني تقرأ بالهمز وبدونه مثل يأكل ويأكل، أي أنه يعاملهم معاملة الجواسيس فضلا عن عدم الإيفاء بالكيل والإحسان في الضيافة أي لا أمدكم ولا أدخلكم بلادي وسأردكم خائبين وذلك عبارة عن ترهيب وتضييق ووسيلة لاهتمامهم بجلب أخيه
«قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ» فنحتال عليه حتى ننتزعه منه ونحضره لك وأكدوا له تنفيذ ما أمرهم به بقولهم «وَإِنَّا لَفاعِلُونَ 61» ما أمرتنا به إذ لا غنى لنا عن العودة لحاجتنا إلى الميرة لأنا آل بيت معروف تطرقه الضيفان من كل مكان وما تصدقت به علينا لا يكفينا، وأذن لهم بالانصراف «وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ» من طعامهم الذي ابتاعوه منه «فِي رِحالِهِمْ» أوعيتهم التي يحملون فيها أشياءهم «لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 62» إلينا، لأن ديانتهم وأمانتهم تحملهم على ردها فيحصل المطلوب من قصد حضورهم بأخيهم، وهذا التفسير أولى بالمقام وبسياق الكلام من أن يراد بالبضاعة معرفة كرمه وسخائه لأنهم قد علموا ذلك مما تقدم، أوانه رأى أخذ الثمن من أهله لؤما مع أنه ليس بشيء عنده، وقد صمم على بيعهم إليه أو أنه أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم به عيب فرده إليهم، فهذه الأوجه كلها وان كان يحتملها التفسير إلا أنها بعيدة عن المرمى نائية عن المغزى، والله أعلم. قال تعالى «فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» قال لهم ولم ذلك قالوا إن ملك مصر أحسن وفادتنا وأكرمنا إكراما لو كان من ولد يعقوب ما فعل بنا مثله، إلا أنه ظن أنّنا جواسيس وعيونا على مملكته لأنا من قطر غير قطره، طلب أولا منا من يعرّفنا بعد أن عرفناه بحالنا ونسبنا فقلنا له إنا غرباء لا يعرفنا أحد، فازداد تنكرّه منا وأخذ أخانا شمعون رهنا على أن نحضر له أخانا بنيامين دلالة على صدقنا إذ ذكرنا له قصتنا وفقد أخينا الذي هو أحبنا لأبينا، وإننا لم نأت به لأن أبانا أبقاه يتسلى به، وقال لنا إن لم تأنوا به فلا أميركم بعد أبدا «فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا
نَكْتَلْ»
ثانيا لأن الزمن زمن قحط وإنا بحاجة للطعام كما تعلم، ولا تخف عليه فاتركه يذهب معنا «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 63» لا نفرط به البتة، فلم يجب طلبهم، لأنه لما أجاب طلبهم بيوسف فعلوا ما فعلوا به، ولهذا «قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ» أي كيف آمنكم عليه وقد فعلتم في أخيه ما فعلتم وقد قلتم مثل هذا القول المؤكد بأصناف التوكيد وأكثر ثم فرطتم به لا أسلمه لكم ولا آمنكم عليه «فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً» منكم ومني ومن الخلق أجمع «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 44» بي وبه وبكم وبسائر مخلوقاته ولكن اذهبوا إليه وقولوا له إن أبانا يصلي عليك أي يدعو لك على ما أوليتنا من معروف وهو يجيب طلبكم إن شاء الله، ولما رأوا جزم أبيهم على عدم إرساله سكنوا «وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ» إذ رأوها مدسوسة بين أمتعتهم فدهشوا وعادوا إلى أبيهم «قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي» أيّ شيء نعمل وراء ما فعل بنا من الإحسان ملك مصر وأوفى لنا الكيل وأكبر وفادتنا فما نطلب منه بعد ذلك كله و «هذِهِ بِضاعَتُنا» التي أعطيناها له من ثمن القمح الذي باعه لنا «رُدَّتْ إِلَيْنا» أيضا فلا نحتاج إلى ثمن آخر، فهيء لنا أخانا لنذهب به إليه ثانيا «وَنَمِيرُ» نحمل الطعام ونجلبه من بلد آخر من مار يمير والمصدر الميرة، أي نمير «أَهْلَنا» به «وَنَحْفَظُ أَخانا» من كل ما نخاف عليه مما خطر ببالك ومما لم يخطر حتى نرده إليك سالما «وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» على السفرة الأولى، لأن الملك لا يعطي الرجل الواحد أكثر من حمل واحد «ذلِكَ» القمح الذي جلبناه في المرة الأولى «كَيْلٌ يَسِيرٌ 65» قليل لا يكفينا وأهلنا فضلا عن الضيفان، وأن الملك يسهل عليه ما يعطينا ولا يتعاظمه علينا لما شاهدنا منه من العطف واللطف «قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ» بالتاء والياء «مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ» عهدا موكدا باليمين «لَتَأْتُنَّنِي بِهِ» سالما كما أخذتموه وتحسنوا رفقته، وهذا اليمين لا أقبله منكم على الانفراد بل من جميعكم، على أن لا تتركوه «إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ» من قبل الأعداء فتغلبوا جميعكم عليه، بحيث لا تقدرون على خلاصه والرجوع به إليّ، بأن تقاربوا الهلاك، في ذلك تقول العرب أحيط بفلان إذا هلك أو قارب الهلاك.