المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة يريد حادثة عثمان رضي الله عنه وما وقع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية إذ ألبسوا شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض وبقيت

اثنتان لا بد واقعتان وهما الخسف والرجم وبهذا قال أبي بن كعب ومجاهد وغيرهما فيا أكرم الرسل «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» ونكررها بالوعد والوعيد والرجاء والخوف والرضاء والغضب «لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ 65» معانيها ويتدبرون مغازيها فينزجروا عما هم فيه «وَكَذَّبَ بِهِ» بهذا القرآن «قَوْمُكَ» يا محمد «وَهُوَ الْحَقُّ» الذي لا مرية فيه ولا أصدق منه «قُلْ» لهم إذ جرأوا على ذلك قوا أنفسكم من عذاب الله لأني «لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ 66» حتى أقيكم منه ولا بمنتقم حتى أجازيكم عليه ولا بحفيظ حتى أحفظكم من عذابه إنما أنا منذر مبلغ مرشد فقط ولكن عليكم أن تعلموا أن «لِكُلِّ نَبَإٍ» من أخبار القرآن «مُسْتَقَرٌّ» ينتهي إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما معا في الوقت والمكان الذي قدر وقوعه فيه لا يتقدم ولا يتأخر ولا يتخلف، ولا تزالون أيها الكفرة تتلبسون في حالتي التكذيب والجحود حتى يأتيكم أمر الله «وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 67» إذ ذاك مغبة عملكم وقساوة جزائه، وهذه الآية محكمة بدليل وقوع التهديد والوعيد في آخرها، وما قيل إنها منسوخة بآية السيف قيل لا يصح لأن صاحب هذا القيل فسر وكيل بعبارة (لم أومر بحربكم) وهذا المعنى أبعد من عنقاء مغرب لأن وكيلا بمعنى حفيظ ورقيب ومدافع وزعيم وحميل ومحام ليس إلا ومتى كان كذلك فإنه إنما يطالبهم بالظاهر من الإقرار والعمل لا بما تحتويه ضمائرهم بدلالة قوله (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) تدبر هذا.

‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

واعلم أن الله تعالى يقول «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا» المنزلة عليك يا سيد الرسل وهذا خطاب له ولأمته لأن الآية صالحة للعموم أكثر منها للخصوص، وهذا الخوض هو ما يقع منهم من السخرية والاستهزاء والطعن والذم والتكذيب والإنكار بوجود الإله والنبوة والمعاد ومعناه لغة الشروع في الماء والعبور فيه ويستعار للأخذ بالحديث والشروع فيه بطريق التنقيد والتفنيد، يقال

ص: 355

تخاوضوا وتفاوضوا في الحديث وأكثر استعماله في ذلك قال تعالى (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) الآية 45 من سورة المدثر المارة في ج 1، وقال تعالى (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) الآية 65 من سورة التوبة في ج 3، وقال تعالى (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) الآية 7 منها وأكثر استعمالها في الذم، أي إذا رأيت أيها الإنسان الخوض من أناس ما في آيات ربك «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» واحذر مجالستهم وتباعد عنهم وإياك مقاربتهم «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» مما يحل سماعه ويندب الاشتراك فيه فجالسهم «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ» على الفرض والتقدير الاعراض عنهم ومجالستهم بسائق الغفلة التي هي من شأن البشر أو انشغال فكرك بالله. هذا على أن الخطاب لسيد المخاطبين إذ لم يقع منه قط شيء من ذلك وأنّى للشيطان أن يشغل فكره وليس له عليه سبيل ولهذا عبر بان الشرطية المؤكدة بما لأنهما تفيد الشك وإذا كان الخطاب لغيره فلا مانع من وقوعه، والنسيان مرفوع إثمه عن الناس إذا ترك حين تذكر بأن فارقهم حالا أو أنه جالسهم قبل الخوض فقام زمنه حالا وإلا فهو مؤاخذ به بلا شك ويخشى على إيمانه إذا داوم الجلوس معهم بعد الخوض وحكم كل مجلس يتعدى فيه على حدود الله كذلك «فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 68» أنفسهم بالتجاوز على آيات الله وهذا نهي قاطع ألا فلينته الغافلون عنه، نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين كانوا يجالسون المشركين بأنديتهم فيقعون بالاستهزاء بالقرآن والسخرية بمحمد صلى الله عليه وسلم والجحود لله فنهى الله رسوله والمؤمنين كافة عن مجالستهم في تلك الحالة وإنما كان الخطاب لحضرة الرسول الذي لم يجالسهم في تلك الحالات وأراد المؤمنين الذين وقع منهم ذلك ليكون المنع أبلغ والنّهي أشد، هذا وقد مدح الله الذين يعرضون عن اللغو فقال جل قوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) الآية 3 من المؤمنين الآتية، وقال عز قوله (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) الآية 55 من القصص، وقال تعالى قوله (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) الآية 72 من الفرقان المارتين في ج 1، هذا مطلق اللغو فكيف بما يقع في أمور الدين وفي الله وكتبه ورسله إذ يجب المنع منه باليد فإن لم يستطع فباللسان وعليه حالا ترك ذلك المجلس، فعلى العاقل

ص: 356

أن يتجنب اللغو ومجالسة أهله لئلا يعرض نفسه لما يكره في الدنيا والآخرة، واعلم أن النسيان الذي لا يكون مبعثه انشغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية مما لم يكن في الأفعال البلاغية والعبادات جائز بالنسبة لحضرة الرسول الأعظم أما النسيان الذي في الأقوال البلاغية والعبارات فهو مستحيل عليه وكذلك السهو والخطأ في شيء من ذلك فهو ممتنع في حقه قطعا، أما السهو والخطأ والنسيان في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ في الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة ولا ما يتعلق فيها وكل ما لا يضاف إلى وحي فهو جائز في حقه صلى الله عليه وسلم إذ لا مفسدة فيه ولا يجوز عليهم أي الأنبياء أجمع خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا ولا خطأ لا في صحة ولا في مرض ولا في رضى ولا في غضب وهنا يؤول قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) الآية من سورة والليل المارة في ج 1 الذي استدل به بعض الشيعة على عدم جواز نسبة النسيان له مطلقا في كل ما يؤديه عن الله تعالى من القرآن والوحي لما فيه من المفسدة أما فيما عدا ذلك مما لم يؤد إلى إخلال بالدين فهو جائز وهذا هو القول الجامع بين قول أهل السنة والجماعة وبين إخوانهم الشيعة إذا فلا منافاة ولا اختلاف وهكذا الأنبياء كافة عليهم الصلاة والسلام. هذا وإن سيرة حضرة الرسول وحالته وكلامه وأفعاله مجموعة يفتى بها على ممر الزمان ويتناولها المؤمن

والمنافق والمخالف والموافق والمرتاب والمصدق فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ولا اعتراف بوهم في كلمة واحدة ولو كان لنقل عنه كما نقل سهوه في الصلاة في قصة ذي اليدين وغيرها ونومه عنها وانشغاله في حادثة الخندق وكما نقل عنه استدراك رأيه في تلقيح النخل وقوله بعد ذلك أنتم أعلم بأمور دنياكم وفي نزوله بأدنى مياه بدر إلى غير ذلك من الاعتقادات في أمور الدنيا فلم يمتنع نسبتها إليه وإلى غيره من إخوانه الأنبياء عليهم السلام، ولهذا البحث صلة في الآية 53 من سورة الحج في ج 3، وفي الآية 121 من سورة طه المارة في ج 1 فراجعها، قال تعالى «وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ» قبائح أحوال الخائضين وأعمالهم «مِنْ حِسابِهِمْ» آثامهم التي يحاسبون عليها وجزاؤهم التي يعذبون بسببها «مِنْ شَيْءٍ» أبدا وجيء بمن لتأكيد الاستغراق إذا كانوا متقين ذلك «وَلكِنْ ذِكْرى»

ص: 357

أي عليهم أن يتذكروا ويتعظوا وينبهوا غيرهم ويمنعوهم بما أمكن من العظة ويظهروا لهم الكراهة ليتيقظوا «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» 69 ذلك الخوض ويتركونه وينفضوا عنه حياء أو كراهية لمساءتهم، نزلت هذه الآية لما قال المسلمون لئن كنا نقوم كلما استهزأ المشركون بالقرآن لم نستطيع أن نجلس بالمسجد الحرام ولا نطوف بالبيت وإنا نخاف الإثم إذا لم ننهاهم فبين الله تعالى أن لا بأس لمن يتقي أعمال الخائضين والاكتفاء بتذكيرهم على ما يدل على المنع، هذا إذا كانوا في المسجد ولم يقدروا على منعهم أما في غير المسجد فعليهم ترك المكان الذي هم فيه إذا لم يقدروا على منعهم من الخوض، وهذه الآية محكمة لأنها خير من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ راجع الآية 41 من سورة يونس المارة، وغاية معناها أن كل إنسان مختص بحساب نفسه، وما قيل إنها منسوخة بآية النساء 14 في ج 3 لا وجه له لأن تلك مؤيدة هذه ومؤكدة لها باللفظ والمعنى وهي مدنية وهذه مكية تدبر، راجع تمحيص القول في هذا عند تفسيرها، ومن هنا يعلم كراهة جلوس المرء في المجالس التي يقع اللهو واللعب واللغو والرفث وغيره إذا لم يستطع النهي عنه، روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. أقول ولا ضرورة تقضي بأن يتصف الرجل بضعف الإيمان لأنه لا يقدر إلا على عدم رضاء قلبه في ذلك بل عليه أن يترك هذا المجلس على الأقل فإن بقائه مع عدم قدرته على النهي فعلا أو قولا رضاء به وبما يقع فيه والرضاء بالذنب ذنب كما أن الرضاء بالكفر كفر، لهذا فإن الأحسن للعاقل التقي أن يتجنب هكذا مجالس سوء ويحتفظ بقوة دينه إذ يجب النهي على القادر باللسان وإن لم يسمع منه لأن العمل ثمرة الإيمان وأعلى الإيمان النهي باليد حتى إذا قتل كان شهيدا، قال تعالى حاكيا حال لقمان (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) الآية 18 من سورته الآية إذ أمره بالصبر على ما يصيبه من جراء ذلك وإن النهي بالكلام قد ينال منه في هذا الزمن ما يفضي إلى التحمل

ص: 358

والصبر أو الإهانة والضرب فلذلك الأحسن بمقام الرجل الاعراض بالكلية ليدخل في قوله تعالى (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) الآية 73 من سورة الفرقان في ج 1 وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في الآية 53 من سورة يوسف والآية 113 من سورة هود المارتين والآية 36 من سورة الإسراء في ج 1 وله صلة في الآية 3 من سورة المؤمنين الآتية وفي الآية 254 من سورة البقرة في ج 3 على أنه يكفي في هذا الباب الآيتان المفسرتان لمن كان له قلب حي وفي هذه الآية الثالثة الذي يقول الله جل جلاله فيها «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً» أعرض عنهم لا تخالطهم أبدا لأنهم جهلوا معبودهم الحق ولم يعرفوا قدرته «وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» بزخرفها وخدعتهم بشهواتها وأطمعتهم في الباطل إذ غلب حبها على قلوبهم فأفقدتهم الوعي ومالوا عن السداد وانهكوا في الفساد والإفساد «وَذَكِّرْ بِهِ» يا سيد الرسل خاصتك وقومك واتلوه عليهم فإن فيه حياتهم وصلاحهم لاحتوائه على علوم الأولين والآخرين وأدم قراءته عليهم مخافة «أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ» ترتهن

وتستسلم قال زهير:

وفارقتك برهن لا فكاك له

يوم الوداع وقلبي مبسل علقا

أي لئلا تحبس نفس «بِما كَسَبَتْ» من السوء فتهلك به وتحرم من الثواب في يوم «لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ» لأن كلا مشغول بنفسه فلا قريب ولا صديق ينفع ولا شفيع إلا بإذن الله لمن يأذن به ويرتضيه راجع الآية 28 من سورة الأنبياء الآتية، واعلم أن النفس الخبيثة لا مخلص لها من العذاب «وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ» تفتدي بكل فداء لننجو به من العذاب «لا يُؤْخَذْ مِنْها» ذلك إذ لا يقبل الفداء لو فرض أن هناك فداء ولكن لا فداء ولا يملك أحد شيئا لأن الملك كله لله، وسمي الفداء عدلا لأن الفادي يعدل المفدى بمثله «أُولئِكَ» المتخذون دينهم لهوا ولعبا المغرورون في الحياة الدنيا هم «الَّذِينَ أُبْسِلُوا» أسلموا أنفسهم للهلاك وحبسوها بالعذاب «بِما كَسَبُوا» من القبائح في دنياهم ولم يتورعوا حتى عن مجالسة الأشقياء «لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ 70» بسبب كفرهم الذي ماتوا عليه ولا وجه

ص: 359

لقول من قال إن هذة الآية منسوخة بآية السيف لأنها خارجة مخرج التهديد فهي على حد قوله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) الآية 13 من سورة المدثر في ج 1، وان ما من شأنها ذلك لا يدخلها النسخ لأنها من قبيل الإخبار والإخبار لا يدخلها النسخ ولهذا فهي محكمة، قال تعالى يا سيد الرسل

«قُلْ» لهؤلاء المشركين الذين يدعونك لعبادة آلهتهم «أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا» ونترك النافع الضار «وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا» فنرجع إلى الشرك السافل لأن العقب مؤخر الرجل يقال رجع على عقبه إذا انثنى راجعا، أي أنرجع إلى الضلال «بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ» للإسلام أيكون هذا منا ونحن عقلاء فنصير «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ» خبطته «الشَّياطِينُ» المبثوثة «فِي الْأَرْضِ» وذهبت به في هوئها، والهوى النزول من الأعلى إلى الأسفل على غير انتظام فصار «حَيْرانَ» تائها لا يدري ما يعمل وهذا الممثل به «لَهُ أَصْحابٌ» رفقاء «يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى» لينقذوه مما هو فيه فيقولون له ائتنا» لتنجو وهو لا يأتيهم لاستيلاء الحيرة عليه، هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو لعبادة الأصنام ولمن يدعو لعبادة الملك العلام يقول فيه مثل هذين كمثل رجل في رفقة ضل عن الطريق المستقيم فطفق أصحابه ينادونه هلم إلينا لا تضل فتهلك، وشرع الشيطان يدعوه إليه ليوغله في الحيرة فاحتار إلى أين يذهب فإن أجاب الشيطان هلك وإن أجاب أصحابه نجى وفيها دلالة على وجود الغيلان المتعارفة على ألسنة العامة قديما وحديثا المعنية بقوله صلى الله عليه وسلم إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان راجع الآية 29 من سورة الأحقاف الآتية وما ترشدك إليها لتثق بوجود الجن وأنهم كالإنس، قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وابنه عبد الرحمن إذ كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان بعد أن صار كامل الإيمان وأن أباه يدعوه للإسلام ليكون في المسلمين إمام وإن توجه الخطاب إلى سيد المخاطبين كان تعظيما لشأن ابي بكر فعلى فرض صحته لا يمنع أن تكون الآية عامة مطلقة لعموم لفظها لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب إلا أن هذا القيل لا يوثق به إذ لم ينزل في عبد الرحمن قرآن كما سنراه في الآية 17 من سورة الأحقاف الآتية ومما يؤيد عمومها

ص: 360