الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:
واعلم ان الصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه والهجر الجميل الذي لا حسد فيه، والقول الجميل الذي لا فظاظة فيه والنظر الجميل الذي لا إصابة فيه، والمدح الجميل الذي لا حسد فيه، والشكر الجميل الذي لا شكوى فيه الَ»
يعقوب عليه السلام ردا لما وصفوه به من عدم التحمل لمقدورات الله ولما ذكروا مما يؤول اليه حاله إذا بقي كذلكِ نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ»
لا لكم ولا لغيركم والبث الغمّ الذي لا يطيق صاحبه الصبر عليه ولم يبق في وسعه حمله فيفرقه على من يعنيه مأخوذ من إثارة الشيء وتفريقه تقول بثت الريح الترابَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
86» من عظيم لطفه وكثير رحمته وجليل عطفه، وإني لارجوه ان يرعاني ولا يخيب رجائي، وان يأتيني بالفرح المزيل لما انا فيه من حيث لا أحتسب، وفي هذه الجملة إشارة إلى أنه عليه السلام يعلم حياة يوسف ويتوقع رجوعه، ولهذا قال «يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ» اطلبوا خبرهما بحواسكم ومثله تجسسوا بالجيم، إلا أنه في طلب الشرّ قال تعالى ولا تجسسوا الآية 13 من سورة الحجرات ج 3، وإنما نهى الله عنه لانه من أقبح الخصال، لا سيما إذا كان في عورات المسلمين وبلادهم وإخبار العدو بمواقعهم وعددهم، فهو أعظم من القتل، أي تحروا يوسف الذي قلتم إنه هلك، وأخاه الذي قلتم أنه سرق، ولم يذكر روبيل لانه بقي باختياره في مصر انتظارا لما يفعل بقضية أخيه «وَلا تَيْأَسُوا» تقنطوا فنقطعوا أملكم ورجائكم «مِنْ رَوْحِ اللَّهِ» فرجه ورحمته وفضله وتنفيسه، وهو بالفتح يقال أراح الإنسان إذا تنفس، ثم استعير للفرج وقرىء بالضم اشتقاقا من الرحمة لانها سبب الحياة كالروح وأضيفت اليه تعالى لانها منه أي لا تقطعوا أملكم من حي معه روح الله فان من بقيت روحه في جسده يرجى لقياه فالتمسوه وعليه قول عبيد الأبرص.
وكل ذي غيبة يؤوب
…
وغائب الموت لا يؤوب
وقوله وفي غير من وارث الأرض فاطمع، ثم حذرهم ترك العمل بما أمرهم فقال «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ 87» لعدم
علمهم بالله وصفاته أما المؤمن العارف فلا يقنط بحال من الأحوال لشدة وثوقه بالله قالوا ثم كتب كتابا إلى ملك مصر وعبارته (من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله إلى ملك مصر، أما بعد فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء، أما جدي ابراهيم فشدت يداه ورجلاه والقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما وأما أبي إسحاق فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب اولادي الي فذهب به اخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فصبرت وتوكلت، ثم كان لي ابن آخر وكان أخاه من أمه، فكنت أتسلى به وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وانا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك) ثم أعطاهم إياه وأمرهم بالرجوع إلى مصر، فأخذوه وذهبوا وعند ما وصلوا الى مصر واتصلوا بأخيهم روبيل واطلعوه على الكتاب فوقع في قلوبهم قبول الملك لما فيه من الترغيب والترهيب فحملوه جميعا، وتوجهوا نحو الملك، قال تعالى «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا» لا بدّ وان يكون القائل واحدا، وبما أنهم كلهم دخلوا عليه فكانوا بمثابة الجمع، لان ما يقوله أحدهم يقول به كلهم، لذلك جاء الضمير بلفظ الجمع، والا لا يعقل انهم كلهم قالوا ذلك بلسان واحد لما فيه من عدم مراعاة الأدب «يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ» الملك المنيع الغالب، قالوا وكان ملوك مصر يلقبون بالعزيز قديما قبل لقب فرعون، وبما أن يوسف كان قائما مقام الملك ومفوضا من قبله بكل أمور الدولة لقبوه بلقب الملك، وفي الحقيقة هو بمثابة وزير مالية مفوض ورئيس وزراء برتبة سلفه، وزاد عليه بلقب مفوض عن الملك بالأمور كلها «مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» الشدّة والفاقة «وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ» رديئة كاسدة لا تنفق إلا بتجوز من البائع وأصل الإزجاء الدفع قليلا قليلا كتزجية الريح اللينة السحاب الكثيف، وقللوا بضاعتهم وصغروها أمام الملك ليستميلوه ويستعطفوه، «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا» بردّ أخينا، لأن رده إلينا صدقة كما أن توفيتك الكيل لنا صدقة، وليس معناه تصدق علينا بالطعام أو أعطنا مالا كما قاله بعض المفسرين،