المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

فاتركوا هذه المكابرة والعناد وآمنوا بالله ورسوله. انتهت الآيتان المدنيتان.

قال تعالى «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها» بأعماله الحسنة فيها ونيته الصادقة، ورضي باستبدال الباقي بالفاني والدائم بالمنقطع «نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها» كاملة زائدة «وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ 15» شيئا منها ولا ينقصون نقيرا والضميران عائدان للحياة الدنيا، الثاني مؤكد للأول، لأن البخس لا يكون إلا في الدنيا من أولى الأمر، ونجس الآخرة ناشىء عن التقصير في الأعمال الصالحة.

نزلت هذه الآية في كل من عمل عملا يبتغي به غير الله، والبخس نقص الحق على سبيل الظلم من أيّ كان، وجاء هنا على ظاهر الحال محافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص، فكأنه نقص لحقوقهم التي يزعمونها، وفعل يبخسون هذا لم يكرر في القرآن. هذا، وما أخرجه النحاس في ناسخه عن ابن عباس بأن هذه الآية منسوخة بآية (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) الآية 18 من سورة الإسراء المارة في ج 1، مردود من وجهين: الأول أن هذه من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ كما نوهنا به في الآية 41 من سورة يونس المارة، الثاني أن آية الإسراء مقدمة على هذه بالنزول، والمقدم لا ينسخ المؤخر كما بيناه في بحث الناسخ والمنسوخ في المقدمة ج 1، فلا معنى للقول بالنسخ البتة «أُولئِكَ» الذين وصفوا أعلاه هم «الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ» لأنهم استوفوا ثواب أعمالهم في الدنيا وقد عملوها لأجلها «وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها» من الخير لأنهم صنعوه للسمعة والرياء فلم يقصدوا فيه رضاء الله، فكافأهم عليه في الدنيا لأن عمل الخير لا بد وأن يكون له ثواب لا يعدمه فاعله بمقتضى قوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) الآية 7 من سورة الزلزلة في ج 3.

‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

قال تعالى «وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 16» في الدنيا من الخير أي في الآخرة لأنه كان لغير الله ولمكافأتهم عليه فيها، والباطل لا ثواب له في الآخرة.

أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك

ص: 104

وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه.

وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار. وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصبب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. أي ريحها. وما قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود لا دليل له لأنها مكية وليست من المستثنيات والآية مطلقة وسبب نزولها ما ذكرناه آنفا، أما الآية المدنية الثالثة فهي قوله تعالى «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» وأراد بأعماله الصالحة وجه الله تعالى ابتغاء ثوابه لأنه يعمل مخلصا على برهان ناصع وحجة واضحة دالة على طريق الحق والصواب فيما يأتيه ويذره لأن البيّنة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا وهاؤها للمبالغة وتنوينها للتعظيم، أي بينة عظيمة الشان، والمراد بها هنا القرآن المعبر عنه بالبيّنة ولذلك ذكر الضمير هنا بتأويل البينة بالبرهان أو القرآن أي الذي يعمل على هذا النور ليس كمن وصف بالآية المتقدمة من الذين يعملون على جهل وظلمة «وَيَتْلُوهُ» أي القرآن الموصوف بما تقدم «شاهِدٌ مِنْهُ» أي يتبع هذا القرآن دليل منه وهو الإعجاز في نظمه وإخباره بالغيب دليل كاف على أنه من عند الله تعالى «وَمِنْ قَبْلِهِ» أي القرآن، وذكر الضمير تأكيدا لأنه يكون المراد به هو هو «كِتابُ مُوسى» أي التوراة الجليلة لا الصحف المنزلة عليه قبلها لعدم إطلاق لفظ الكتاب عليها فهي شاهدة بصحته أنه من عند الله لأنه يخبر عما قبلها، وهذا كاف في الاستشهاد بكونه «إِماماً» في الدين والأحكام يقتدي به المهتدون «وَرَحْمَةً» عظيمة ونعمة كبرى لمن أنزل عليهم واتبعوه وعملوا بما فيه واهتدوا بهديه، لأن التوراة الجلية أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع التي لا بد للبشر منها إذ الكتب والصحف قبلها كانت تحتوي على التوحيد والإيمان واعتقاد بالنبوة فقط، لذلك يقال لها صحف ولا يطلق عليها لفظ الكتاب إلا مجازا، وقد يجوز أن تتطرق الصحف لبعض الأحكام، راجع الآيتين 36/ 37 من سورة والنجم المارتين في ج 1 «أُولئِكَ» الذين اقتدوا في التوراة وعملوا فيها

ص: 105

من أهل الكتابين المخلصين الذين لا يكابرون ولا يعاندون ولا يبدلون ولا يغيرون شيئا منها برأيهم مما يكون مخالفا لمراد الله تعالى ولما أنزله على رسلهم ولا يكتمون الحق المشار إليهم بأنهم على بينة من ربهم «يُؤْمِنُونَ بِهِ» أي القرآن لأنه يشتمل على ما في التوراة «وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ» الذين تجزّبوا على حضرة الرسول من أهل مكة وأهل الكتابين وغيرهم «فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ» يوم القيامة ومصيره فيها، والموعد مكان الوعد قال حسان:

أوردتموها حياض الموت ضاحية

فالنار موعدها والموت لا فيها

«فَلا تَكُ» أيها الإنسان الكامل «فِي مِرْيَةٍ» شك أو شبهة «مِنْهُ» بأنه من غير الله بل هو حقا من عنده راجع الآية 94 من سورة يونس المارة «إِنَّهُ» أي هذا القرآن «الْحَقُّ» الصريح الواقع الواضح «مِنْ رَبِّكَ الذي رباك في أمر دينك ودنياك وفضلك على من سواك «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ 17» أنه من عند الله لكثافة الرين الغاشي قلوبهم ولشدة عنادهم ومكابرتهم وعتوهم، واختلاف انكارهم، ونظير هذه الآية الآية 28 من سورة الأحقاف الآتية. هذا، واعلم أن بعض المفسرين أعاد ضمير منه الأول إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال إن الشاهد هو علي كرم الله وجهه، لاتصاله بحضرة الرسول، مستدلا بما قاله جابر بن عبد الله قال علي بن أبي طالب ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل وأنت أي آية نزلت فيك؟ فقال عليه السلام ما تقرأ الآية التي في هود (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) أي من النبي صلى الله عليه وسلم والمراد تشريفه عليه السلام وهو المشرف على جميع الناس بعد الأنبياء، كيف لا وهو ابن عمه وبمنزلة هرون من موسى، وهو ختنه، وهو الذي فداه بنفسه يوم الهجرة، إلا أن سياق التنزيل يأباه، وهذا الخبر أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، ولا يكاد يصح، ويرده ما روي عن محمد بن الحنفية، قال قلت لأبي (يعني عليا) أأنت التالي، قال وما تعني بالتالي؟ قلت قوله سبحانه (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) قال وددت أني هو، ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط، ووجه هذا القول أن اللسان. يعرب عن الجنان

ص: 106

ويظهره، فجعل كالشاهد له، لأنه آلة البيان، وبه يتلى القرآن وتظهر فصاحته وبلاغته ودلالته على الغيب، قال محمود الآلوسي عليه الرحمة: إن في تقرير الاستدلال على أن المراد بالشاهد علي عليه السلام ضعفا وركاكة بلغت القصوى. ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر رضي الله عنه مستدلا بقوله تعالى (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) الآية 32 من سورة الزمر الآتية، وفيها بحث نفيس فراجعه. ويعني بالذي جاء بالصدق محمدا صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبا بكر رضي الله عنه، لأنه كان الثاني بالغار، والثاني بالإمامة والخلافة، وكان من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة السمع والبصر، ويجعل عود الضمير للنبي بهذا المعنى لقوله صلى الله عليه وسلم (إنهما يعني أبا بكر وعمر) منى بمنزلة السمع والبصر، نعم إنهما كانا كذلك وإن عليا كرم الله وجهه أقرب منهما لكن اختصاصهما أو أحدهما في هذه الآية بعيد ولم يرد القائل إلا تعزيز مكانتهما وتعظيمهما، وهما عظيمان عزيزان من دون هذا، ومن غير أن تقروا لهما ما هو خلاف الواقع، فمكانتهما عند الله وعند خلقه عظيمة بهذا وبغيره وهما عند الناس معظمان به وبدونه، على أن هناك أقوال أخر بأن الشاهد هو جبريل عليه السلام أو هو ملك آخر أو هو الإنجيل لأنه يتلوه في التصديق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن وجود نزولها قبل القرآن يأبى الركون إلى القول به، والقول الأول الذي جرينا عليه هو الصحيح، لمناسبته سياق التنزيل وقبوله من كبار المفسرين، كأبي السعود وأضرابه، وناهيك بمفتى الثقلين قدوة، وإنما نقلنا تلك الأقوال- وإن كنا لا نراها- للوقوف على صحتها وعدمه، وليعلم القارئ بالاطلاع عليها أننا لم نغفل شيئا مما له مساس بالمعاني ولا بالألفاظ. هذا، والله أعلم. انتهت الآية المدنية الثالثة، وهذه الآيات كغيرها من المدنيات واقعة بين ما قبلها وما بعدها كالمعترضة، قال تعالى «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً» لا أحد أظلم منه البتة، ولا أشد تعديا، ولا أكثر تجاوزا، لأن الكذب في نفسه كبيرة، وهو مجانب للإيمان فيما بين الناس، فكيف بالكذب على الله تعالى؟ فهو من أعظم الكبائر كما تشير إليه هذه الآية «أُولئِكَ» المفترون الكذب على الله «يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ» في الموقف العظيم يوم القيامة «وَيَقُولُ الْأَشْهادُ» الملائكة الذين

ص: 107

يحفظون أعمال بني آدم وغيرهم أو الأنبياء أو أهل الموقف حين يسألون عن ذلك

«هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ» في الدنيا، وهذا التشهير والفضيحة يكونان لكل من كذب على الله، وحينئذ يلعنهم أهل الموقف حينما يسمعون قول الله تعالى «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ 18» فيتنبه لذلك من لم يلعنهم، فيلعنهم أيضا.

وهذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام الأشهاد بالنظر لظاهرها، والأشهاد جمع شاهد وشهود، ويجمع على شهداء، فيكون جمع الجمع، وقد جاءت بلفظ الجمع في القرآن، وكلاهما بمعنى واحد، إلا أن الأخير أبلغ من الأول. روى البخاري ومسلم عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر يطوف بالبيت إذ عرض له رجل، فقال يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يدنو المؤمن من ربّه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا وكذا، فيقول أعرف مرتين، فيقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وفي رواية ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد، وفي رواية فينادي بهم على رءوس الأشهاد من الخلق (هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) الآية المارة. وقيل إنه من كلام الله تعالى، والأول أولى بالمقام.

ثم وصف الله تعالى هؤلاء الظالمين أنفسهم بالكذب عليه فقال «الَّذِينَ يَصُدُّونَ» الناس ويمنعونهم «عَنْ» اتباع «سَبِيلِ اللَّهِ» ويحولون دون سلوكه «وَيَبْغُونَها» الطريق المعدلة المستقيمة المؤدية إلى الإيمان السويّ «عِوَجاً» مائلة عن السواء منحرفة عن الإستواء، بإلقاء الشبهات في قلوب الناس وقلب معاني الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ 19» جاحدون وجودها منكرون البعث بعد الموت، وكرر لفظ هم تأكيدا لكفرهم «أُولئِكَ» الصادون الناس عن الإيمان المنكرون النشأة الآخرة الطالبون منهج السبل المضلة «لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ» الإله القدير العليم، ومهما ضربوا «فِي الْأَرْضِ» لا يفلتون عن قبضة الرّب، ولا يتمكنون من الهرب إذا أراد عذابهم للانتقام منهم «وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ» يقدرون على تخليصهم أو يدافعون

ص: 108

عنهم ويقونهم من عذاب الله إذا أراد إيقاعه فيهم، ولكنه تعالى يمهلهم في الدنيا ليزدادوا إثما ويأخذوا ما هو مقدر لهم في الأزل من رزق حرام وعمل سيىء حتى لا يبقى لهم شيء في الدنيا ثم يميتهم و «يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ» في الآخرة على عدم إيمانهم وصدّهم الناس عن الإيمان ومنعهم من سلوك الطريق المستقيم وإنكارهم الآخرة، لأنهم صموا في الدنيا عن سماع هذا الحق و «ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ» لما يبلغهم نبيهم من وحي الله «وَما كانُوا يُبْصِرُونَ 20» نهج السلام لينتفعوا به، وقد حرموا فوائد هاتين الحاستين التي منحها الله الإنسان ليستعملها في طلب الخير ودفع الشر، مع أن الحيوانات العجم تستفيد منها بدفع ما يضرهم برؤية أو سماع

«أُولئِكَ»

الذين هذه صفتهم هم «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ»

بإبدالهم عبادة النافع الضار بعبادة الأوثان التي لا تضّر ولا تنفع «وَضَلَّ عَنْهُمْ»

بسبب صفقتهم الخاسرة «ما كانُوا يَفْتَرُونَ

21» في الدنيا على أنفسهم وغيرهم من أن الأوثان أو ما يعبدونهم من الملائكة وغيرهم يشفعون لهم في الآخرة «لا جَرَمَ» لا محالة حقا وجرم في الأصل فعل ماضي بمعنى كسب، قال الشاعر:

نصبنا رأسه في جذع نخل

بما جرمت يداه وما اعتدينا

وتأتي بمعنى حقا كما هنا أي مع لا وهي اسم لا، أي حقا «أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ 22» لأنهم باعوا الجنة بالنار واستبدلوا المخلوق بالخالق، فلا أخسر منهم أبدا، وهذا هو الخسران المبين، قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» ضميمة على إيمانهم «وَأَخْبَتُوا» خشعوا وخضعوا لله وأنابوا واطمأنوا له فرجعوا «إِلى رَبِّهِمْ» وانقطعوا لعبادته وهذا إشارة إلى أعمال القلوب كما أن العمل إشارة إلى أعمال الجوارح، لأن الأولى لا تنفع في الآخرة بدون الثانية ولا تقبل «أُولئِكَ» الذين هذا نعتهم «أَصْحابُ الْجَنَّةِ» في الدار الآخرة جزاء إيمانهم وإخلاصهم «هُمْ فِيها خالِدُونَ 23» دائبون آمنون لا يخرجون منها أبدا «مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ» أصحاب النار المذكورين أولا «كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَ» مثل أصحاب الجنة المذكورين أخيرا كا «الْبَصِيرِ

ص: 109

وَالسَّمِيعِ»

على سبيل المقابلة أحد أبواب البديع وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم بما يقابل كل منهما من أضداد، فيعود الأول إلى الأول والثاني على الثاني بطريق اللّف والنشر المرتب، فانظروا أيها الناس «هَلْ يَسْتَوِيانِ» هذان الصنفان الأولان مع الصنفين الآخرين «مَثَلًا» كلا، لا يستويان، فقل لهم يا سيد الرسل «أَفَلا تَذَكَّرُونَ 24» معاني هذا المثل ومغزاه فتنتفعون به، وبعد أن بين تعالى ما يدل على توحيده وأحوال المؤمنين والكافرين وموقفهم مع حضرة الرسول بين أنبيه أخبار من تقدم من الأنبياء مع أقوامهم بقوله جل قوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ» ليرشدهم إلى سلوك طريقه، فقال لهم «إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 25» أخوفكم عقاب الله وأحذركم من الإشراك به وآمركم «أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ» وحده فهو المستحق للعبادة «إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ» إن لم تتركوا عباده الأوثان وترجعوا لطاعة الرحمن «عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ 26» شديد عذابه وصف اليوم بالألم لوفوعه فيه «فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ» يا نوح «إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا» مالك ميزة علينا بشيء فكيف تريد أن تستأثر بطاعتنا إليك «وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا» أسافلنا من الحاكة والإسكافية وأشباههم ذرى الحرف الخسيسة الذين أطاعوك «بادِيَ الرَّأْيِ» دون تدبر وتفكر على وهلة بما طليت عليهم من فصاحة لسانك ولين جانبك، ولو أنهم ذوو مكانة عندنا أو أنهم تمعنوا في الأمر الذي دعوتهم إليه وتصوروا العواقب لما اتبعوك حالا وتركوا دين آبائهم، ثم تجارءوا عليه، قاتلهم الله، فقالوا له جهارا «وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» في مال أو جاه أو شرف أو غيره من المميزات التي توجب طاعتك، لا أنت ولا من اتبعك السوقة الذين لا نرضى مجالستهم، فكيف تريد أن ننقاد لك وتكون لك السلطة علينا.

وجوابكم هذا لحضرته على غاية من الجهل وسوء الأدب، لأن الرفعة في الدين ومتابعة الرسل لا تكون بالشرف والسمعة والصيت والرياسة الدنيوية، وأن الدعوة إلى الله للبشر لا تكون إلا من بشر مثلهم اختصه الله تعالى وشرفه برسالته، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله هي الإيمان به والانقياد لأوامره والاجتناب عن مناهيه

ص: 110

لا بما ذكروه من الأمور الدنيوية وشرف الصنعة، وما هذا الجواب منهم إلا لفرط جهلهم وتوغلهم في الدنيا وملاذها وانهماكهم في شهواتهم، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم «بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ 27» في هذه الدعوى أنت وأتباعك، وإن تصديقهم لك عبارة عن مواطئة تمهيد للحصول على الرياسة علينا «قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» فيما بشرتكم به وأنذرتكم منه واضحة شاهدة على صدقي «وَآتانِي» الذي أرسلني إليكم «رَحْمَةً» هديا ومعرفة ونبوة ورسالة «مِنْ عِنْدِهِ» وهو إله الكل «فَعُمِّيَتْ» ألبست وأخفيت «عَلَيْكُمْ» فلم تهدكم ولم تهتدوا إليها، لأن الحجة كما تكون بصيرة ومبصرة تكون عماء وعمها، وإن الأعمى والأعمه كما أنه لا يهتدي لا يقدر أن يهدي غيره، لذلك لا نقدر على إلزامكم بها «أَنُلْزِمُكُمُوها» قسرا وجبرا «وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ 28» نافرون عنها، كلا لا نستطيع على ذلك إذ لا إكراه في قبول الدين بل يجب الإقدام عليه والإقبال إليه طوعا برغبته ومحبته «وَيا قَوْمِ» تدبروا ما أقوله لكم وانظروا عاقبته وتلقوه بحسن نية، واعلموا أني «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا» لتظنوا بي طمعا ولا رياسة لتشتبهوا فيّ من أجلها أو تشكّوا أن إنذاري لكم لأمور دنيوية كلا «إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» الذي أرسلني، وأن ما أبذله إليكم من النصح وأسديه لكم من الإرشاد لمجرد هدايتكم لطريق الله وحمايتكم من عذابه المترتب على إصراركم على الكفر «وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا» بي وصدقوني من أجل قولكم أنهم أراذل خسيسو الحرفة، فقراء وضيعون بالحسب والنسب، فهذا كله لا يمنعي من قبول إيمانهم، ولا يجوز لي أن أتباعد عنهم «إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ» بعد الموت، فيشكونني إليه، فيعاقبني على طردهم، لأن وظيفتي قبول إيمان من يؤمن مهما كان، وإن الإيمان سيجعل لهم شرفا وحسبا أعلى عند الله مما أنتم عليه «وَلكِنِّي أَراكُمْ» يا قوم بأقوالكم هذه وتطاولكم عليّ «قَوْماً تَجْهَلُونَ 29» عظمة الله الذي عنده أكرم الناس أتقاهم لمحارمه وأخوفهم من عذابه، لا الأكثرون أموالا والأكبرون جاها والأحسنون حرفة، ولا العالون نسبا وحسبا، فالمؤمن الحقير بأعينكم خير عند الله من العظيم الكافر، فارتكزوا

ص: 111