المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

من الإحراق وشرفه بالنبوة واتخذه خليلا وفدى ولده إسماعيل من الذبح «وَإِسْحاقَ» إذ أخرج من صلبه يعقوب ومن صلب يعقوب الأسباط الاثني عشر الذين أنت أجدهم وشرفهم بالنبوة ومنّ على أبيهم فجعله أبا الأنبياء كلهم من بعد نوح «إِنَّ رَبَّكَ» الذي رباك وحفظك مما قدره عليك «عَلِيمٌ» بمن يستحق الإعطاء والاصطفاء «حَكِيمٌ 6» يضع الأشياء مواضعها، ولا يفعل شيئا إلا بحكمة وعن حكمة لحكمة وفي حكمة، وقد حقق الله تعالى لسيدنا يوسف ذلك، إذ تاب عليهم بعد فعلتهم به، وحفظه منهم بعد أن هموا بقتله، وردّه على أبيه بعد أن قارب قلبه اليأس منه وخلصهم جميعا من قشف البداوة وجعل فيهم الملك والنبوة، وهذه الآية المدنية الثالثة من هذه السورة.

‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

قال تعالى «لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ» أي في خبرهم وقصتهم معه وهم شمعون ولاوى ويهوذا وزلبون ويشجز من ليّا زوجته يعقوب الأولى بنت ليّان بنت خاله ودان وتفتوتا وجاد واستين من جاريته زلفه وبلهة ويوسف وبنيامين من راحيل أخت ليا. وأسماء الكواكب التي رآها في منامه هي: 1 أجريان 2- والطارق 3- والدنيال 4- وقابس 5- وعمودان 6- والفليق 7 والصبح 8- والضروع 9- والفرخ 10- ووثاب 11- وذو الكتفين. وهم كناية عن أخوته الأحد عشر المار ذكرهم، والشمس والقمر عن أمه وأبيه، وكان بين مبدأ الرؤيا وتحقيقها أربعين سنة، إذ كان عمره حين الرؤيا اثنتي عشرة سنة، وحين الإلقاء في البئر سبع عشرة سنة، وحين الخروج ثماني عشرة سنة، وحين الخروج من السجن أربعين سنة، إذ أدخل فيه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ومكث في بيت العزيز خمس عشر سنة وحين السجود اثنتين وخمسين سنة ووقع خلال ذلك «آياتٌ» عظيمات وعبر وعظات «لِلسَّائِلِينَ 7» عنها أخيرا في المدينة المنورة وهم اليهود إذ وجدوها موافقة لما في كتبهم وأوضح وأنصح وأبلغ مما فيها ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم سمعوها منه وهو أمي فكانت برهانا على أنها وحي من الله

ص: 178

عز وجل بلا شك ولا شبهة وكون هذه الآية والآيتين قبلها 2/ 3 مدنيات مروي عن قتادة وابن عباس رضي الله عنهم ومثبت في الكتب التي ذكرناها بالمقدمة في بحث مأخذ هذا التفسير، لذلك لا يلتفت إلى قول من قال أنهن مكيات والبينة تقام على الإثبات لا على النفي، قال تعالى واذكر لقومك يا سيد الرسل تفاصيل هذه القصة التي كثر السؤال عنها «إِذْ قالُوا» أخوة يوسف إلى بعضهم والله «لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ» بنيامين «أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ» أقسموا قسمين على جهتين أصابوا في الأولى هذه وأخطأوا في الثانية، وهي «إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ 8» ظاهر في عمله هذا. والعصبة الجماعة جمع لا واحد له من لفظه كالرمط والنفر والفلك والنساء، والواو للحال أي كيف يكون هذا وهما اثنان ونحن جماعة ويفضلهما علينا ويحبهما أكثر منا مع أنه لا فائدة له منهما لصغرهما، فكيف إذا كبرا ورأى منهما ما يرى منا الآن من المنافع والخدمة ونحن القائمون بمصالحه، ونحن أحق بمودته منهما. واعلم أن سبب هذه المودة والمحبة لهما لصغرهما ووفات أمهما أو لأمر تفرسه فيهما، وهذا أقرب لأنه لو كان الحب بسبب الصغر لأحب بنيامين أكثر من يوسف، ولكنه عليه السلام رأى فيه من مخايل الخير ما لم يره فيهم، وزاد ذلك ما فهم من مغزى الرؤيا وليس هو بالصغير ليقال لصغره، والصغير محبوب عند كل أحد، قيل لابنة الحسن أي بنيك أحب إليك؟ قالت الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يحضر، والمريض حتى يشفى.

وقيل في هذا المعنى:

إن البنان الخمس أكفاء معا

والحلي دون جميعها للخنصر

وإذا الفتي فقد الشباب سماله

حب البنين ولا كحب الأصغر

وهذان البيتان وقبلهما بيتان للوزير أبي مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري.

هذا وأنه عليه السلام لم يفضله إلا بالمحبة القلبية، وهي خارجة عن وسع البشر لأنها أمر باطني، وليس في طوقه دفعها، يؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم اللهم هذا قسمي فيما أملك ولا قدرة لي على ما لم أملك. وذلك لأنه من مقتضيات حس الأرواح التي هي من أمر الله وقد وقع منهم هذا قبل النبوة على القول المعتمد فلا يعد حسدهم

ص: 179

هذا لأخويهما ورمي أباهما بالعقوق المستفاد من قولهم (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) وإلقائهم أخاهم في البئر قادح في نبوتهم، لأن العصمة بعد التشرف بالنبوة، ويجوز قبلها أن يقع من النبي مثل ذلك، وقدمنا ما يتعلق بعصمة الأنبياء في الآية 23 من سورة الأعراف والآية 2 من سورة طه في ج 1 وكذلك في الآية 15 من سورة القصص المارة فراجعها. ثم بين تعالى ما قرّ عليه رأيهم من الكيد ليوسف بقوله «اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً» بعيدة بدلالة التنكير أي أن التخلص منه بأحد أمرين: إما بقتله أو تغريبه في مكان بعيد، لأن التغريب يحصل به المقصود كالقتل وجرمه هين خفيف، وقيل في هذا:

حسنوا القول وقالوا غربة

إنما الغربة للأحرار ذبح

وقال بعضهم لبعض إذا فعلتم أحد هذين الأمرين بيوسف «يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» من يوسف وأخيه ويقبل عليكم بكليته لا يلتفت إلى غيركم، والمراد بالوجه الذات، قال تعالى (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) الآية 35 من سورة الرحمن في ج 3، ولفظ الوجه بهذا المعنى مكرر كثيرا في القرآن، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه فلذلك خص الوجه «وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ» أي تنفيذ الأمر الذي تجمعون عليه من أحد الأمرين «قَوْماً صالِحِينَ 9» بأن تتوبوا إلى ربكم من جرمكم فيعف عنكم «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ» هو يهوذا على الأصح لأنه صاحب مشورتهم وأحسنهم رأيا، يدل عليه لفظ قائل المنوّن وإلا لقال أحدهم أو أكبرهم «لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ» لأن القتل جريمة عظيمة أخاف أن لا تغفر لكم، وإذا كنتم لا بد فاعلين يا اخوتي خذوه «وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ» قعره المظلم وأسفله العميق. والغيابة كل موضع ستر شيئا وغيبه عن النظر. والجب البئر الكبيرة غير المطوية، فإذا طرحتموه فيها حصل المقصود من تغريبه، إذ قد «يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» الواردين على الجب فيأخذونه إلى بلادهم، هذا رأي لكم «إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ 10» به ما ترومون افعلوا ما أشرت به عليكم، وهذا الجب معروف عندهم لذكره بال التعريفية، قيل هو بئر بيت المقدس، وقيل في الأزرق، والأحرى أن يكون البئر الموجود الآن قرب صفد في فلسطين

ص: 180

المسمى حتى الآن ببئر يوسف، فاستصوبوا رأيه مع أن فيه إشارة إلى عدم الفعل بدليل قوله (إِنْ كُنْتُمْ) إلخ، أي إذا كنتم مصرين على الإيقاع بيوسف فافعلوا فيه ما ذكرت لكم فهو أهون جرما عند الله، وفيه أمل، ثم ذهبوا إلى يوسف وصاروا يرغبونه بالذهاب معهم إلى البرية وحسنوا له النزهة في البادية، وأروه من اللطف والعطف ما حدا به أن يكلفهم بأن يقولوا لأبيهم ليأذن له بالذهاب معهم إلى المرعى، وأنه هو موافق ومحبذ ذلك، ويمنعه أدبه أن يتقدم لك بهذا، وكان ما كان وجاءوا إلى أبيهم

«قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ» أنطقهم الله تعالى بما يوقع الريبة في قلب أبيهم، حتى إذا وقع منهم ما يلام عليه يلوم نفسه، لأنهم لم يقولوا له مالك لا ترسل يوسف معنا، بل قالوا مالك لا تأمنا عليه ليذهب إلى المرعى يتسلى بين أزهار الأرض ويستنشق ريحها العذب مع رغبته بذلك، لأنه كلفنا أن نستأذنك بالسماح له «وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ 11» فلا تخف عليه فإنا نشفق عليه ونريد له الخير، ولا غرو إنه عليه السلام أحس منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه من إيماء هذه الآية، ثم ألحّوا عليه بقبول رجائهم، فقالوا «أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ» معنا في البرية الواسعة ليتمتع بنضارتها وبهجتها، ومعنى الرتع الاتساع في الملاذ وأصله أكل البهائم في الخصب من الربيع، ثم أكدوا له رعايتهم إليه وعنايتهم به ومناظرتهم إليه بقولهم «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 12» له من كل مكروه، وكيف لا تكون له كذلك وفيه رضاك ولم يزالوا به راجين ليأذن لهم بأخذه ليتسع صدره بالتفرج على الصيد والرمي والجري الذي يفعلونه بالبادية، وبعد أن أكدوا له مقالتهم بأصناف التأكيد، إذ أوردوا الجملة اسمية وحلوها بأن واللام وأسندوا حفظه إليهم جميعا «قالَ» يعقوب عليه السلام «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» أي مجرد ذهابكم به يؤلمني لشدة مفارقته علي وقلة صبري عن رؤيته، وقرىء ليحزني بالإدغام ثم قال وإنه ليريبني أن تهملوه وتتركوه وحده بانشغالكم عنه بالرعي والصيد «وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» وقرىء بالياء كما قرىء يأكله بدون همز، ولم يأت لفظ الذئب بغير هذه السورة، قالوا إنما قال هذا لأنه رأى في منامه ذئبا شدّ عليه ولم يعلم أن قوله هذا الذي

ص: 181

أنطقه به الله فيه تعليم لمكيدتهم، إذ لم يقع في نجواهم شيء من هذا ولم يخطر ببالهم أن الذئب يأكل البشر إذ ذاك، قال الشاعر:

ومن سرّه أن لا يرى ما بسوءه

فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا

ثم ألهمه الله زيادة على ذلك بأن بين لهم ما يعتذرون به فختم كلامه بقوله «وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ 13» لاهون بصيدكم ولعبكم ورميكم، فقد لقنهم عليه السلام ما يحتجون به وما يعتذرون منه إليه وقد وقع هذا القول منه عليه السلام لأولاده لأن الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتهم واقعة، ومن الأمثال: البلاء موكل بالمنطق. أخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلقنوا الناس فيكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا أكله الذئب. والحزن ألم القلب لفقد محبوبه. والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه «قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ 14» عاجزون هالكون إذا لم نقدر على حفظه من الذئب بل من الأسد، كيف وهو أعزّ شيء عندنا، فلما رأى عزمهم على حفظه وحزمهم على محافظته بعد أن أقسموا إليه بإزالة ما خطر بباله واطمأنوا على سلامته ورأى رغبة يوسف بالذهاب معهم، عهد إليهم بمراقبته، وتعهدوا إليه بذلك كله، أذن لهم به، ففرح يوسف لموافقة أبيه ولم يصدقوا متى ينقضي الليل، فلما أصبحوا أخذوه معهم «فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ» إلى البادية وبعدوا عن العمران وصرفوا النظر عن قتله اتباعا لقول يهوذا صاحب مشورتهم «وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ» المار ذكره فعمدوا إليه وقبضوه وطرحوه فيه. هذا ما قصه الله علينا في كتابه. أما الأخباريون فقالوا لما بعدوا به عن العمران أظهروا له الجفاء والعداوة مما هو كامن في صدورهم، طفقوا يضربونه، وصار كلما استغاث بواحد منهم ضربه، فلما رأى عزمهم على قتله شرع يصيح يا أبتاه لو رأيت ما نزل بيوسف من اخوته لأحزنك وأبكاك، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك، فأخذه روبيل وضرب به الأرض وجثم على صدره ليقتله، فاستغاث بيهوذا فأدركته رحمة الأخوة ورقّ له، فقال يا اخوتي

ص: 182

ما على هذا عاهدتموني فخلّصه من يده، وقال ألقوه بالجب، فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيّارة. فذهبوا إلى بئر هناك ضيق الرأس واسع الأسفل فشدوه بحبل ودلوه فيه، فتعلق بشفيرها وكانوا شلحوه قميصة، فقال دعوه أستتربه، فلم يفعلوا، وقال لهم أتتركوني في هذه البرية وبهذا الجب فريدا وحيدا؟! فقالوا له دع الشمس والقمر والكواكب يسترونك ويؤنسونك، وأرسلوه في البئر وهو يستغيث بهم ولا مغيث، ولما بلغ نصف البئر ألقوه إرادة موته، وكان في البئر ماء فسقط فيه، وتركوه ورجعوا وقالوا إن ملكا أرسله الله إليه فحلّ وثافه، وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها، وقالوا إن يعقوب لما بعثه مع إخوته أخرج له قميص إبراهيم الذي كساء الله إياه في النار حين ألقي فيها وهو من الجنة، فجعله في قبعته وجعلها في عنقه، فأخرجه الملك وألبسه إياه، فأضاء له الجب من بريقه، وعذب ماء الجب، وصار له غذاء وشرابا، ولما نهض الملك ليذهب وكان جبريل عليه السلام قال له يوسف إذا خرجت استوحشت، فقال له إذا رهبت فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، قد ترى مكاني، وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فقالها فاستأنس وحفته الملائكة. قال تعالى «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ» في البئر حال صغره كما أوحينا إلى عيسى ويحيى من بعده في صغرهما، وكان عمره سبعة عشرة سنة كما قدمناه في الآية 7 المارة «لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا» الذي فعلوه بك وأنت صاحب السلطة عليهم «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 15» أنك أنت يوسف كما أنهم لم يشعروا كيف آنسناك بالبئر وجعلنا ماءه لك طعاما وشرابا، ولا يعلمون حينما يأتونك في مصر ليمتاروا لأهلهم وأنت عامل فيها، ولا يعرفونك إذ يأتونها وأنت ملكها لطول العهد وعدم تصور أذهانهم بما تصير إليه إذ ذاك من علو الشأن وعظمة السلطان ولا يدرون بأنا أعلمناك بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا معك، وفائدة هذا الوحي تطبيب قلبه وإزالة الهم عنه وغم الوحشة تقوية لجنانه، وهذا الوحي إما بواسطة الملك الذي كان معه في البئر أو بإلهام من الله، والأول أولى لما مر.

قالوا ولما أتموا فعلتهم هذه لم يروا ما يعتذرون به إلا ما لقنهم أبوهم، فعمدوا إلى

ص: 183

ذبح سخلة ولطخوا ثوبه بدمها ليعرضوه إلى أبيهم علامة على صدقهم المموّه قال تعالى «وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً» تأخروا عن موعدهم كل يوم تبريرا لعذرهم وصاروا «يَبْكُونَ 16» بأعلى صوتهم عند ما دخلوا الدار، فقال لهم يعقوب ما لكم هل أصاب أغنامكم شيء؟ قالوا لا وإنما أصابنا ما هو أعظم، فأحسّ هنالك وقال أين يوسف «قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ» في العدو والرمي في البادية «وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا» ثيابنا وزهابنا «فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» حال غفلتنا عنه «وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا» ونعلم أنك لا تصدقنا بهذا «وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ 17» حقيقة فيما ذكرناه لك من واقع الحال لشدة محبتك له بل قد تتهمنا بالكذب، وقد تقدموا له بعدم تصديقهم لأنهم كاذبون مختلقون ما قالوه، وقالوا له إن الدليل على صدقنا هو هذا المحكي عنهم بقوله تعالى «وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ» دم سخلة، ومما يثبت كذبهم أن القميص غير ممزق ولا يعقل أن ذئبا يأكل إنسانا وهو لابس قميصه ولا يمزقه، كما لا يعقل أنه نزع عنه القميص ثم أكله، لذلك كذبهم «قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» عظيما أوقعتموه بيوسف، فاذكروا إلي ما هو حقا، قالوا لا غير ذلك، وأنكروا عليه أمره وأصروا على أقوالهم، فأعرض عنهم وقال «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» لا شكوى فيه إلا إلى الله، ولا جزع ولا تحدث بالمصاب لغيره، ولا تزكية للنفس «وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ» به على ما أنا عليه لا أطلب العون من غيره «عَلى ما تَصِفُونَ 18» من الكذب في أمر يوسف، قال هذا إظهارا للتجلد وعزما على الصبر، وتفويضا لأمر الله، قال ابن الفارض:

ويحسن إظهار التجلد للعدى

ويقبح غير العجز عند الأحبة

أي لا يحسن إظهار التجلد والصبر على صدمات الدهر مطلقا، بل يحسن للأعادي، أما عند الأحبة فيحسن العجز، لأن إظهار التجلد عندهم قبيح جدا، قال سحنون يخاطب ربه:

وليس لي في سواك حظ

فكيفما شئت فاختبرني

قالوا فابتلاه الله تعالى بحصر البول، فاعترف بعجزه، فصار يطوف بسكك

ص: 184

بغداد ويقول للأولاد أدعوا لعمكم الكذاب يعني نفسه، فعفا الله عنه. وإنما كذبهم عليه السلام لأنهم احتجوا بما قاله لهم، ولأنه وقع في خلده كذبهم، ولأنه يعلم حنقهم عليه، ولذلك فعلوا فعلتهم أول يوم ذهبوا به إذ لم يبق بوسعهم تصوّره، عفا الله عنهم، هلا صبروا عليه يوما أو أسبوعا ليرى صدقهم فيما تعهدوا به، ثم يفعلوا فعلتهم هذه، وإن مغزى قوله تعالى (أَنْ تَذْهَبُوا) وقوله (فذهبوا) ينمّ على ذهابهم به أي إهلاكهم إيّاه، لو قدرهم الله عليه، ولكن منعهم فألقوه في البئر وأوقع في قلوبهم أن هذا الإلقاء هلاك له، وبعد أن رأوا من أبيهم ما رأوا برد صدرهم، وقالوا قضي الأمر بهذه الكلمات وسيزول من صدره أولا بأول، وقد تم ما أردناه وانصرفوا لعملهم، قال تعالى «وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ» الذي يستسقي لهم الماء، قالوا إنه مالك بن ذعر الخزامي من أهل مدين «فَأَدْلى دَلْوَهُ» في ذلك البئر لإخراج الماء لقومه، فتعلق يوسف بالدّلو فلما خرج إلى فمه ورآه الوارد على أحسن صورة من الغلمان، وقد جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطي يوسف شطر الحسن، قالوا وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في ثناياه، فلم يتمالك نفسه من شدة الفرح، إذ «قالَ يا بُشْرى» خاطب أصحابه بعد أن ذهب به إليهم وهم قريب منه بقوله «هذا غُلامٌ» خرج مع الدلو فأمسكته وأتيت به إليكم، أن ناسا خطفوه من أهله «وَأَسَرُّوهُ» خبأوه هنا وجعلوه «بِضاعَةً» ليبيعوه كي لا يعلم به أحد «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ 19» لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، فابتهج به كل السيارة وكل تمنى أن يكون له، قالوا وكان أخوه يهوذا يتعهده الفينة بعد الفينة كلما يأتي قريبا من البئر لأجل المرعى وكان يأتيه بطعام خلسة عن أخوته فيطرحه في البئر، ولم يعلم أنه ليس بحاجة إلى طعامهم، إذ كفاه الله بالماء، وأنه جاء كعادته فنظر في البئر فلم يره، وقد مضى على إلقائه ما يقارب السنة، وإن إخوته الآخرين لم يعلموا يعمل يهوذا ولم يتعاهدوه وظنوا أنه قد هلك من وقته، فلما لم يجده رجع وأخبر إخوته بالأمر، فتحسس دمهم عليه وحدا بهم داعي حب الأخوة فندبهم إلى التحري عنه، فأجابوه وأطاعوه وساروا في طلبه

ص: 185