الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعضهم على بعض فيعرفوا قدر ذوي المكانة منهم فيخاطبوهم بما يليق بهم، فهو أحرى بقضاء حوائجهم عندهم واحترامهم لديهم «إِذا لَهُمْ مَكْرٌ» كيد (والمكر صرف الشيء عن وجهه الظاهر لنوع من الحيلة) خفي منطوفي قلوبهم المريبة «فِي آياتِنا» إذ كذبوا بها واستهزأوا بمن أنزلت عليه من الأنبياء الأقدمين كفعل قريش بمحمد رسولهم.
مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:
أخرج في الصحيحين عن زيد ابن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء (أي مطر وسمي سماء لأنه يقطر منها) كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس، فقال هل تدرون ماذا قال ربكم، قالوا الله ورسوله أعلم، قال قال أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته ذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب. والنوء جمع أنواء وهي منازل القمر عند العرب فإذا طلع نجم سقط نظيره فيستدلون من ذلك على وجود مطر أو ريح كالمنجمين، فمنهم من ينسب ما يحدث من المطر والريح إلى تأثير الطالع، ومنهم ينسبه إلى تأثير الغارب، ومعلوم أن العلماء استحدثوا الإبرة التي تتأثر من وجود الريح والمطر وغيره في الجو قبل وصوله إلى المحل الذي فيه الإبرة، فيخبرون بما يرون من تأثيرها من تموجات الجو، وقد أشار إلى هذا القرآن الكريم بقوله جل قوله:(هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الآية 57 من الأعراف المارة فراجعها تعلم حقيقة قوله تعالى (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية 38 من الأنعام الآتية، روي أن الله تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة، حتي كادوا يهلكون، ثم رحمهم الله تعالى بالحيا أي المطر، قال الأبوصيري:
إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم. فلما رحمهم وخصبت أراضيهم وكثر عليهم الخير، طفقوا يطعنون بآيات الله ويعادون رسوله ويكذبونه ويقولون لم نمطر بدعائه ولا ببركته، وإنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية.
لحكم الشرعي: هو أن من يعتقد أن للنجوم والأنواء تأثيرا فعليا بإنزال المطر
وغيره من دون الله فهو كافر، وما جاء بالحديث الشريف المذكور أعلاء يصرف لهذه الفئة، أما من يعتقد أن التأثير عندها لا بها وينسب الفعل إلى الله تعالى فلا يكفر، وكذلك من يعتقد أن التأثير بها على معنى أن الله تعالى أودع فيها قوة مؤثرة فمتى شاء أثرت ومتى شاء لم تؤثر، وكذلك من أسند ذلك إلى العادة التي يجوز انخرامها لا يكفر، والأولى عدم اعتقاده بذلك أيضا، وأما من يستدل بذلك على حدوث المطر والريح وأنه قد يحصل بإذن الله تعالى وقد لا يحصل فلا شيء عليه لأنه لم يجزم بالحصول كما أن الإبرة، إنما تدل عند ترطب الجو على حصول المطر أو حصول أرباح وزوابع لتأثرها بذلك كما ذكرنا آنفا، وأنه قد يقع ما تدل عليه خلال أربع وعشرين ساعة، وقد لا يحصل ما تدل عليه لطوارئ طرأت على تبدل حالة الجو التي كانت عليه أولا، وهذه لا تعارض قوله تعالى في الآية الأخيرة من سورة لقمان الآتية الدالة على أن نزول الغيث خاص بعلمه تعالى، لأنه في الحقيقة لا يعلم وقت نزوله إلا الله، كما أن الغيب لا يعلمه غيره، لأن الإبرة المذكورة لا تدل على أنه ينزل ساعة كذا أو دقيقة كذا، لأنها إذا بقي الجو على حالته قد تصدق خلال أربع وعشرين ساعة وإلا فلا، لأنه من علم الغيب وذلك من التوسم الداخل في قوله تعالى (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) الآية 75 من سورة الحجر الآتية، قال تعالى «قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً» منكم وأعجل عقوبة وأشد أخذا، ثم هددهم بقوله «إِنَّ رُسُلَنا» الملائكة الموكلين بحفظكم في الأرض من طوارق الجن والشياطين «يَكْتُبُونَ» في صحفهم «ما تَمْكُرُونَ 21» في هذه الدنيا وتعرض عليكم صحفهم في الآخرة لتجازون بمقتضاها، وهناك يتضح ما كنتم تخفونه من المكر وغيره قابل الله تعالى مكرهم بأشد منه، إذ خبأ لهم جزاء كيدهم إلى يوم القيامة وأمهلهم في هذه الدنيا ليزدادوا إنما. واعلم أن عرض صحف الملائكة على الناس كأفلام السينما الآتي بيانها في الآية 29 من آل عمران في ج 3 والآية 49 من سورة الكهف الآتية، قال تعالى «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ» يا أهل مكة كغيركم «فِي الْبَرِّ» على دوابه وانعامه «وَالْبَحْرِ» على فلكه وسفنه ويهديكم إلى مقاصدكم بالعلامات الأرضية من الأودية والجبال والأنهار والعلامات السماوية من
النجوم السيارة والثابتة ويسهل لكم أسباب معايشكم «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ» أي الفلك بأداة الجمع، لأن فلكا يطلق على الواحد والمتعدد وصرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريق الالتفات أحد أبواب البديع قصدا للمبالغة، كأنه يذكرها لهم بغيرهم ليعجّبهم منها ويطلب زيادة الإنكار، لأن الالتفات على الوجه المار ذكره أو بعكسه من أنواع الفصاحة في الكلام «بِهِمْ» بركاب تلك السفن «بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ» لينة الهبوب لا خفيفة ولا عاصفة، وما قيل إنها ساكنة فيكون المراد بها هذا المعنى لا إنها واقفة، إذ لا يستفاد منها بالسير «وَفَرِحُوا بِها» ركابها لموافقتها لمقصودهم ولوجود النفع التام بها والمسرة العظيمة لاستقامة سيرهم وتيسيره «جاءَتْها» جاءت تلك السفينة السائرة بذلك الهواء اللين أو جاءت تلك الريح الطيبة «رِيحٌ عاصِفٌ» شديد سريع الجريان قاطع للأجسام الصلبة ولم يقل عاصفة لأن عاصفا يستوي فيه المذكر والمؤنث «وَجاءَهُمُ» أي ركاب ذلك الفلك بسبب تلك الريح «الْمَوْجُ» هو ما علا وارتفع من اضطراب المياه وغواربها من شدة حركة ماء البحر واختلاطه بعضه ببعض «مِنْ كُلِّ مَكانٍ» من أطرافهم الأربع ومن تحتهم وفوقهم «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ» من الجهات الست، وأشرفوا على الغرق وتيقنوا الهلاك، «دَعَوُا اللَّهَ» وحده لا غير «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» إخلاصا حقيقيا لعلمهم يقينا أنه لا ينجيهم من الشدائد والبلايا إلا هو وأن أوثانهم لا تغني عنهم شيئا من ذلك قائلين «لَئِنْ أَنْجَيْتَنا» يا ربنا «مِنْ هذِهِ» الشدة «لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 22» أنعامك علينا بخلاصنا موقنين بأنك الإله الواحد، مؤمنين بصدق أنبيائك، متمسكين بطاعتك، ولم يقولوا لنشكرنّك مبالغة في الدلالة على الثبوت في الشكر والمثابرة عليه، لأن اسم الفاعل يدل على الدوام والتجدد، والفعل يدل على الإنشاء فقط، قال تعالى «فَلَمَّا أَنْجاهُمْ» الذي استغاثوا به جل جلاله من ذلك الضيق الذي أحاط بهم بسبب التجائهم إليه «إِذا هُمْ يَبْغُونَ» يفسدون «فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» يعبثون
بمن يمشي عليها ويتجاوزون عليهم ويعملون بغير ما أمروا وأخلفوا ما وعدوا الله به من الشكر والإيمان، قال تعالى «يا أَيُّهَا النَّاسُ» الباغون المتجاوزون