الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد جاء بمعنى الوصل وبمعنى الهجر فيه «وَضَلَّ عَنْكُمْ» غاب وضاع وبطل «ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 94» فيهم في الدنيا من الشفاعة والنفع وزعم هنا نعى في الباطل وقد تستعمل في الحق، قال فيه:
تقول هلكنا إن هلكت وإنما
…
على الله أرزاق العباد كما زعم
وقد مر في الآيتين 80/ 95 من سورة مريم في ج 2 ما يتعلق في هذا البحث وله صلة في الآية 57 من سورة الكهف الآتية فراجعها، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة عزلا (خلقا) قال تعالى (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) الآية 104 من سورة الأنبياء الآتية. ورويا عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
تحشر الناس حفاة عراة عزلا، قالت عائشة فقلت الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال الأمر أشدّ من أن يهمهم ذلك. وفي رواية الطبري عنها قالت واسوءتاه إن النساء والرجال يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوءة بعض؟ فقال صلى الله عليه وسلم لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض.
مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:
ثم شرع جل شأنه يعدد دلائل وجوده وكمال عظمته وقدرته وجليل حكمته بقوله عز قوله «إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ» شاقه عن النبات لأن الحبة حينما تزرع يخرج من شقها الأعلى النبات الصاعد في الهواء الذي يصير فيه السنبل ومن شقها الأسفل العروق التي تغوص في الأرض ولولا ذلك لما ثبت نبات «وَالنَّوى» عن النخل وشبهه هكذا أيضا، وهو جل خلقه «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» كالإنسان من النطفة والفرخ من البيضة «وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ» كالنطفة من الإنسان والبيضة من الدجاجة عكس الجملة المعطوفة عليها، لأن مخرج معطوف على خالق وهو بيان له، لأن خلق الحب اليابس وإخراج الحنطة والشعير والذرة والعدس وغيرها منه، وفلق النوى اليابس وإخراج الرطب والخوخ والمشمش والاجاص وغيرها
منه من جنس إخراج الفرخ من البيضة والبيضة من الدجاجة، لأن النّامي من النبات في حكم النامي من الحيوان، فسبحان من أخرج من الحب والنوى نباتا وأشجارا صاعدات في الهواء وعروفا وجذورا ضارية هاوية في الأرض، وخلق من نطفة صغيرة حيوانا عظيما، مما يدل على كمال قدرته وعظيم حكمته، وتنبيها للغافل على أن القصد معرفته بصفاته وأفعاله وأنه مبدع الأشياء وخالقها وصانع العجائب وبارئها لا عن مثال سابق، وأنه هو وحده المستحق للعبادة المنزه عن الشريك والمثيل تعالى الله عما يصفه الكفرة «ذلِكُمُ» أيها الناس الفعّال لذلك، الخلاق لكل ما هنالك «اللَّهَ» الذي لا إله غيره «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 95» وتصرفون الحق إلى الباطل والصدق إلى الكذب، فتعبدون الأوثان وتتركون الملك الديان، وفي هذه الآية دليل على البعث بعد الموت باعتبار ما يشاهدونه من خلقه ليعلمهم فيه أن الذي يخلق هذه الأشياء العظيمة من تلك الأشياء التافهة قادر على بعثهم بعد موتهم، وإنما جاء بهذا الدليل والأدلة الآتية تنبيها على أن المقصود والأصل من كل بحث عقلي أو نقلي هو معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأفعاله، وهذا الدليل الثاني المبين بقوله «فالِقُ الْإِصْباحِ» بكسر الهمزة جمع صبح بضم الصاد، أي مظهر نورها من سواد الليل وقرأ الحسن بفتح الهمزة جمع صبح بفتح الصاد قال امرؤ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
…
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
بكسر الهمزة على الأول وقال الآخر:
أفنى رباحا وبني رباح
…
تناسخ الأمساء والأصباح
على الثاني والأول أولى لأنه أكثر استعمالا «وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» لخلقه وراحة لهم من كدّ المعيشة إلى النوم «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» جعلهما «حُسْباناً» معينا لا ينخرم على مر العصور «ذلِكَ» العلم بالحساب الحاصل من سيرها «تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ» الغالب عليهما الذي سخرهما قهرا «الْعَلِيمِ 96» بما يؤول إليه أمرهما وما ينشأ عنه من منافع للعباد والدليل الثالث قوله عز قوله «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها» إلى الطرق التي تقصدونها «فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» فإذا ضللتم الجهة المطلوبة وتحيرتم ونظرتم إليها عرفتم القبلة من الشمال
والشرق من الغرب فتستدلون على ما أنتم ذاهبون إليه «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ» الدالة على وحدانيتنا ومنافع خلقنا «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 97» أن ذلك مما يستدل به على كمال القدرة ورأفة الرب بخلقه. والدليل الرابع قوله جل قوله «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» نفس آدم عليه السلام إذ خلق منه حواء زوجته ومنها تناسل البشر كله، فتنبه أيها العاقل واحذر من قول الجاهل الذي زعم أن أصل البشر القرد، وما يزعم هذا الزعم إلا ذوو النفوس الخبيثة الشاكين في القدرة الإلهية، واعلم أن الخلق كله من بعد آدم «فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ» أي أن كل نفس لها قرار في الأرض وفي الرحم ومستودع في الأرض وفي الصلب لأن النطفة لا تبقى في صلب الأب زمنا طويلا ويبقى الجنين في بطن أمه مدة طويلة «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ 98» خصهم بالفقه لأن الدلالة هنا أدق من الدلالة في الآية التي قبلها المختومة بلفظ (يعلمون) لأن الإنشاء من نفس واحدة وتصريف البشر بين أحوال مختلفة أدق من الاهتداء بالنجوم المتوقف معرفتها على علم الفلك، وما جرينا عليه هنا هو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حبرتيما سأله عن المستقر والمستودع فأجابه بما ذكرناه، وهو مؤيد بقوله تعالى (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ) الآية 5 من سورة الحج في ج 3، وقال جماعة من المفسرين: إن الاستقرار في الأصلاب أو فوق الأرض والاستيداع في الأرحام أو في القبر وجعلوا الصلب مقر النطفة والرحم مستودعها لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر وفي الرحم من قبل الأب فاشبهت الوديعة فكأن الرجل أودعها ما كان عنده وجعل وجه الأرض مستقرا وبطنها مستودعا لتوطنهم في الأول واتخاذهم المنازل والبيوت فيه وعدم شيء من ذلك في الثاني ولأن الصلب مقر طبيعي للنطفة ووجه الأرض مقر طبيعي للإنسان والرحم مستودع طبيعي للنطفة والقبر مستودع طبيعي للإنسان وليسا بمقر طبيعي لها والأول أولى وعليه الجمهور، قال الألوسي:
وأنا أقول لعل حمل المستودع على الصلب باعتبار أن الله تعالى بعد أن أخرج من بني آدم عليه السلام من ظهورهم ذريتهم المشار إليه في الآية 872 من سورة الأعراف المارة في ج 1 وأشهدهم على أنفسهم بأخذ الميثاق منهم وكان ما كان.