المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

الآية

منها «أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» 4» جمعها جمع من يعقل وقال رأيتهم ولم يقل رأيتها لأنه أخبر عنها بفعل العقلاء كقوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ» الآية 18 من سورة النمل في ج 1 لتنزيلها منزلة العاقل، ومثل هذا كثير في القرآن حتى في الأصنام لهذه العلّة «قالَ يا بُنَيَّ» صغّره تعظيما له وشفقة عليه أو لعذوبة اللفظ وقال له «لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ» هذه الآن «عَلى إِخْوَتِكَ» فإن لها مغزى عظيما وأخاف إذا قصصتها عليهم أن يحسدوك عليها لما يتخيلون من معناها «فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً» عظيما يخشى عليك من عاقبته، أمره عليه السلام بكتمان رؤياه، لأنه عرف من معناها أن الله تعالى يصطفيه لنبوته وينعم عليه في الدارين، وإن لها عاقبة حسنة، فحذرا من أن يتفرس إخوته بتأويلها فيغاروا منه فيحتالوا عليه فيهلكوا، لأنهم وإن كانوا عقلاء فلا يؤمن عليهم من اتباع وساوس الشيطان، لذلك قال «إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ» أراد جنسه ليشمل كل أفراده الأنبياء، فمن دونهم قبل نبوتهم، لأنه بعدها لا تأثير له عليهم لعصمتهم من قبل الله «عَدُوٌّ مُبِينٌ» 5 عداوته لأنه لم يخفها منذ أظهرها لآدم عليه السلام، وإنما قال يا بني بالتصغير حنانا عليه ورأفة به، لأنه كان يحبه حبا مفرطا أوجب حسد إخوته له قبل الرؤيا، فإذا سمعوا هذه الرؤيا يزداد حسدهم ويفتح لهم الشيطان باب التزيين لإهلاكه. ولهذا خاف عليه من أن يبيّن لهم نتيجة محبة أبيه وما يؤول أمرهم منها، ويحسن لهم التخلص منه وبين لهم سبلها قبل أن يكبر فيعجزوا عنه ويسيطر عليهم.

‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا. ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وشرّها فإنها لا تضره.

ص: 173

وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبّها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها (أي من يحب حملا للمطلق على المقيد لأن الحديث الأول قيد التحدث بها لمن يحبه الرائي) وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنها من الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ومن شرها، أي ويفعل كما فعل بالحديث السابق ولا يذكرها فإنها لا تضره. وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال إن رسول صلى الله عليه وسلم قال إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. لم نعرف نحن مدخلية البصق على اليسار والتحول عن الجنب الذي كان عليه لكن القائل يعرفه حق المعرفة لأنه لا ينطق عن هوى، فعلى العاقل أي يفعل ما أمره به نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، فهو سبب السلامة من المكروه الذي يراه، كما أن الصدقة سبب للوقاية في المال والجسم ودفع البلاء وأخرج الترمذي وأبو داود عن أبي ذر العقيلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة. وفي رواية من ستة وأربعين وهي على رجل طائر ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت ولا نقصها إلا على وادّ وذي رأى.

وهذه الرؤيا التي تحتمل وجودها، فإذا عبر بأحدها وقع والله أعلم. وقدمنا أول الإسراء في ج 1 والآية 142 في الأعراف في ج 1 أيضا، وفي الآية 94 من سورة يونس المارة ما يتعلق بهذا البحث فراجعه ترشد إلى المواقع المتعلقة في هذا البحث وفي رؤية الله عز وجل أيضا ونزيدك هنا إيضاحا، فاعلم رعاك الله ان حقيقة الرؤيا خلق الله في قلب المؤمن النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وجعلها علما على أمور أخرى يجعلها في ثاني الحال وهو يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، وماهيتها عبارة عن ارتسام صورة المرأى وانتقاشها في مرآة القلب في النوم، فيحتفظ بها المؤمن بعد اليقظة، راجع الآية 60 من سورة الإسراء في ج 1. واعلم ان الحواس ظاهرة وباطنة، فالظاهرة خمس:

السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والباطنة خمس أيضا: المفكرة والذاكرة والحافظة والمخيلة والواهمة والحس المشترك، وتسمى هذه الحواس والحس المشترك

ص: 174

المعدود في الباطنة قوى، ويسميها المناطقة والمتكلمون العقول العشرة، ولكل واحدة منها كوكب يضيء يدرك به معنى يناسبه سواء في اليقظة أو في النوم.

وقال علماء الصوفية الرؤيا من باب العلم ولكل علم معلوم، ولكل معلوم حقيقة، وتلك الحقيقة صورته، والعلم عبارة عن وصول تلك الصورة إلى القلب وانطباعها فيه، سواء كان في النوم أو في اليقظة، فلا محل له غير القلب، ولما كان عالم الأرواح متقدما في الوجود والمرتبة على عالم الأجسام، وكان الإعداد الرباني الموصل إلى الأجسام موقوفا على توسط الأرواح بينها وبين الحق، وتدبير الأجسام مفوض إلى الأرواح وتعذر الارتباط بين الأرواح والأجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب والبسيط، فإن الأجسام كلها مركبة والأرواح كلها بسيطة، فلا مناسبة ولا ارتباط بينهما، وما لم يكن ارتباط لا يحصل تأثير ولا تأثر، ولا إمداد ولا استمداد، فلذلك خلق الله تعالى عالم المنازل برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصبح ارتباط أحد العالمين بالآخر، فيتأتى حصول التأثير والتأثر ووصول الامداد والتدبير، وهكذا شأن روح الإنسان مع جسمه الطبيعي العنصري الذي يدبره ويشتمل عليه علما وعملا. ولما كانت المباينة ثابتة بين روح الإنسان وبدنه، وتعذر الارتباط الذي يتوقف عليه التدبير ووصول المدد اليه خلق الله تعالى لنفسه الحيوانية برزخا بينهما أي بين البدن والروح المفارق، فنفسه الحيوانية في ميزاتها قوة معقولة، فهي بسيطة تناسب الروح المفارق، ومن حيث انها مشتملة بالذات على قوى مختلفة متكثرة منبئة في أقطار البدن متصرفة بتصرفات مختلفة ومحمولة أيضا في البخار الضبابي الذي هو في التجويف الأيسر من القلب الصنوبري يتناسب المزاج المركب من العناصر. فحصل الارتباط والتأثير والتأثر وتأنى وصول المدد، فإذا علمت ما وضحناه لك أعلاه فأعلم أن القوى الخيالية التي في نشأة الإنسان من كونه نسخة من العالم المثالي المطلق كالجزء بالنسبة إلى الكل وكالجدول بالنسبة إلى النهر الذي هو مشروعه، وكما أن طرف الجدول الذي يلي النهر متصل به فكذلك عالم الخيال الإنساني من حيث طرفه الأعلى متصل بعالم المثال، والمثال نوعان مطلق ومقيد، فالمطلق ما حواه العرش المحيط من جميع

ص: 175

الآثار الدنيوية والأخروية، والمقيد نوعان: نوع مقيد بالنوم، ونوع غير مقيد به مشروط بحصول غيبة أو فتور عما في الحس، هذا وأول ما يراه الأنبياء عليهم السلام الصور المثالية في النوم والخيال في اليقظة، ثم يترقّبون إلى أن يروا الملك في المثال المطلق والمقيد يقظة مع فتور في الحس وكونهم مأخوذين عن الدنيا عند نزول الوحي، إنما هو مع بقاء العقل والتمييز ليس إلا، ولهذا لم ينقص وضوءهم لأنهم عليهم السلام تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح، وهذه ميزة اختص بها الله أنبياءه دون سائر البشر، كما خصهم بالرسالة والنبوة، فلا مجال لقول بذلك والسؤال عن السبب فيه، لأنه من أفعال الله تعالى وأن أفعاله لا تعلل، وإنما لم تنم قلوبهم تبعا لأعينهم مثلنا لأن بواطنهم متحلية بصفات الله متخلقة بأخلاقه، مطهرة من أوصاف البشرية من كل ما فيه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال، فضلا عن كل ما يذم لأنه عجز وضعف وآفة، ولو حلّت الآفة قلب النّبي الذي هو عمود بدنه الشريف لجاز أن يحل فيه سائر الآفات الأخرى، من توهم في الوحي والغفلة عنه والسّآمة منه وفزع يمنعه عن واجب عليه، وحاشاهم من ذلك، وقد ذكرنا قبلا في مطلع هذا البحث أن الرؤيا عبارة عن اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب النائم، وأن تلك الاعتقادات تكون علما على أمور أخر يخلقها الله في ثاني الحال أو حال اليقظة، والحال الأول هو النوم وهذا قول الإمام محي الدين النووي رحمه الله نقلا عن المازني، وتتمته فما يكون علما على ما يسر يخلقه الله تعالى بغير حضرة الشيطان، وما كان علما على ما يضرّ يخلقه بحضرته أي عند الرائي فيسمى الأول رؤيا وتضاف اليه تعالى اضافة تشريف، ويسمى الثاني حلما وتضاف الى الشيطان كما هو الشائع من إضافة كل مكروه إليه، وإن كان الكل من الله تعالى. وهذا معنى ما جاء فى قوله صلى الله عليه وسلم الرؤيا من الله والحلم من الشيطان لأن الرؤيا اسم للمحبوب، والحلم للمكروه، ولهذا لا ينبغي أن يقول رأيت حلما بل رؤيا. وقال المحدثون إذا كانت الرؤيا صادقة فهي أحاديث الملك الموكل به أي النائم، وإن كانت كاذبة

فهي وساوس الشيطان والنفس، وقد يجمع بين قول المحدثين وقول المازني الذي نقله النووي بأن القصد من أنها اعتقادات إلخ أي اعتقادات تخلق

ص: 176

بواسطة الملك أو وسوسة الشيطان مثلا، وقد تكون الرؤيا مما يحوك في صدر الرائي قبل النوم من أمور الدنيا والآخرة، فتنطبع له بمثال خيالي في نومه. واعلم أن المسببات في المشهور عن الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها، تدبر. وقال الفلسفيون الرؤيا انطباع الصور المنحدرة من أفق القوة المخيلة إلى الحس المشترك، فالصادقة منها إنما تكون بالملكوت لما بينهما التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلا احتاجت إليه. واعلم أن الرؤيا كالرؤية من حيث الرسم، والمعنى على القول الصحيح، إلا أن منهم من خص الأولى بالنوم والثانية باليقظة وجعل الفرق بينها، حرفي التأنيث كالقربى والقربة، وذكرنا أول سورة الإسراء أن كلا منهما يطلق على الآخر فلا فرق بينهما، وفيه تعليل نفيس فراجعه، قال تعالى «وَكَذلِكَ» أي مثل ما اصطفى الله غيرك من الأنبياء «يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ» في الدنيا لإرشاد عباده وفي الآخرة لقربه في نعيم الجنان مما رفع منزلتك في هذه الرؤيا، واجتباء الله تعالى للعبد اصطفاؤه له وتخصيصه بفيض إلهي يحصل له منه أنواع المعجزات أو الكرامات بلا سعي منه، وهذا لا يكون إلا للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين العارفين «وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» التي يرونها الناس في منامهم بحيث يلقى ما تؤل به في قلبك، فكان عليه السلام أعلم الناس في تأويل الرؤيا وإنما خصه الله تعالى بهذه الزيادة على عيره ممن تقدمه من الأنبياء، كما خصّ كثيرا من أنبيائه بخصائص متباينة، فالتي خصّها بهذا لم يعطها لغيره راجع الآية 14 من سورة النمل في ج 1 لأن خلاصه من السجن مقدر على تعبيره رؤيا الملك الآتية كما هو مقدر في سابق علمه «وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ» الدنيوية التي نبشرك بها في الرؤيا «عَلَيْكَ» بنعمته الأخروية فيكمل لك نعمة النبوة ونعمة الملك في الدنيا ونعمة النعيم وتجلي المنعم في الآخرة «وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ» من أهله ونسله يتمها أيضا عليهم «كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ» يعقوب «إِبْراهِيمَ» حيث خلصه

ص: 177