المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

من باب أولى، وفي تكرير لفظ (لَقَدْ عَلِمْنَا) دلالة على تأكيد إحاطة علمه تعالى بالعباد وأحوالهم أولا وآخرا، وأن علمه بالأولين كعلمه بالآخرين لأن الكل مدون في لوحه داخل في علمه قبل إبرازه لخلقه. قال تعالى «وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ» يوم القيامة كلهم على ما ماتوا عليه كما أماتهم على ما عاشوا عليه. ويجازيهم بحسب أعمالهم الدنيوية والأخروية، روى مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث كل عبد على ما مات عليه. وتوسيط الضمير في الآية يفيد الحصر، أي أن الله تعالى هو وحده يحشرهم، وفي إضافة لفظ الرب إلى الضمير العائد لحضرة الرسول دليل على اللطف به والعطف عليه، وقريء يحشرهم بكسر الشين من الباب السادس والأفصح الفتح على أنه من الباب الأول على ما هو في المصاحف «إِنَّهُ حَكِيمٌ» باهر الحكم بالغ منتهى الإتقان في أفعاله «عَلِيمٌ 25» واسع العلم كثيره يعلم ما يستحقه كل منهم من الثواب والعقاب.

‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

قال تعالى «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ» آدم عليه السلام الذي هو أصل الخليقة بدليل قوله «مِنْ صَلْصالٍ» طين يابس تسمع له صوت إذا ضربته كالصلصلة «مِنْ حَمَإٍ» ضارب للسواد وهو صفة الصلصال «مَسْنُونٍ 26» متغير قال تعالى فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه الآية 260 من البقرة في ج 3، أي لم يتغير وهو صفة لحمأة، فهذه القيود تعين أن المراد بالإنسان هنا أبو البشر آدم عليه السلام لا مطلق انسان لأنه خلق من الماء المعبر عنه بالنطفة الحاصلة من الزوجين وما قيل إن معناه مصور استدلالا بقول حمزة رضي الله عنه في مدح ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم:

أغرّ كأن البدر سنّة وجهه

جلا النعيم عنه ضوءه فتبددا

وقول ذي الرّمة:

تريك سنة وجه غير مقرفة

ملساء ليس بها خال ولا ندب

لا يستقيم هنا والله أعلم. قال الله تعالى «وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ» أي أبا الجن «مِنْ

ص: 291

قَبْلُ»

خلق آدم «مِنْ نارِ السَّمُومِ» شديد الحرارة تنفذ في المسام، أجارنا الله منها، تؤيد هذه الآية أن الجن كان في الأرض قبل آدم وهو كذلك ولكن لا نعلم مبدأ خلقهم، مما يدل على أن الأرض قديمة قبل آدم بكثير، وقد جاء في الأخبار أنهم لما أفسدوا فيها- كما يدل عليه قوله تعالى (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) الآية 20 من سورة البقرة في ج 3- قرضهم الله تعالى، ولم يبق منهم إلا إبليس لما كان عليه من العبادة والزهد فيما يبدو للملائكة، فألحقه بهم مع علمه بنتيجة حاله ليقع عليه اللوم. ثم أعلم رعاك الله أن هذه الأرض التي خلق الله أصلنا منها وقضى بعودتنا إليها وإخراجنا منها ثانيا كما مر في الآية 64 من سورة الأعراف الآية 55 من سورة طه المارتين في ج 1 قد مرّ عليها قرون كثيرة وهلك فيها أقوام لا عداد لهم، وقد شاهدت بعيني حالها من صنوف الحياة العجائب المدهشات، ومهما تاق الإنسان لمعرفة عمرها فلا يقدر أن يتوصل إليه، ولا يزال عاجزا مهما بالغ في التنقيب، لذلك لجأ الكلدانيون أولا لتقدير عمرها بحسب التخمين، فقدروه بمليون سنة، ثم ظهر العالم بطبقاتها زور ولستر سنة 1950 وقال إن عمرها لا يزيد على سبعة آلاف سنة، وجاء بعده آثر فقال إن عمرها قبل المسيح بأربعة آلاف سنة أي تكون الآن قريبا من ستة آلاف سنة، فانظر إلى هذه المباينة، واعلم أن كل قول فيها مصدره الحدس وهو لا يغني عن الحق شيئا، لأن هذين القولين لا يمكن أن ينطبقا على عمر الأرض بل قد ينطبقان على نشأة آدم عليه السلام فقط، وبعد أن مضى عمر هذين العالمين وضعت على بساط البحث بين الأثريين فقدر علماؤهم أن تحسب المدة اللازمة لترسب سمك خاص من الطبقات الأرضية المنتظمة كالأرض الزراعية، إذ يترسب فيها سنويا مقدار من الغرين بقدر سمك (ميليمتر) واحد، فإذا كان سمك الطبقة مترا فمعنى ذلك أن هذه الطبقة استغرقت على الأقل ألف عام في تكوينها، وقد استخدمت هذه الطريقة في أمريكا الشمالية ولو حظ أن الترسب فيها يقرب من الترسب في أجزاء كثيرة من الكرة الأرضية فقدروا عمرها على ذلك بعشرين مليونا من السنين، ثم عيب على هذه الطريقة عدم انتظام الترسب واختلاف الحبيبات والبواعث الموجبة

ص: 292

للترسب مما يؤدي إلى خطأ كبير في التقدير، وهو كذلك، ثم انبعثت طريقة أخرى تتوقف على تقدير الأملاح في المحيطات، إذ أن ماء المحيطات بخار كان غلافا للكرة الأرضية أيام انصهارها، فلما بردت تكاثفت تلك الأبخرة وكون ماء المحيطات ولم يكن إذ ذاك ملحا بل أتاه الملح من (الصوديوم) الذي هو مادة الملح، إذ حملته الأنهار من الأرض إلى البحر، فإذا قررت كميّة الملح التي تضاف إلى مياه المحيطات سنويا وقدرت كمية الملح الموجودة فعلا يمكن تقدير عمر الأرض، لأن انتفاء الشرط يؤذن بانتفاء المشروط، وقد تعددت الأبحاث في مختلف بقاع الأرض على طرق اتفقوا عليها فظهر أن عمرها ما بين ثمانين وتسعين مليونا، ثم اكتشف الراديوم سنة 1902 فتبين أن هذا العنصر يشع في نفسه باستمرار منتظم من غير تدافع أجزائه وتساقطها نحو المركز، وإن هذه الأجزاء تنحل وتنحول إلى جسم آخر وهو الرصاص، وباستخدام هذه الطريقة قدر عمر الأرض بألف وأربعمائة ألف سنة، ولا زالت الآراء متضاربة، ولا يزال أهلها يحاولون عبثا إدراك مبدأ الكون أي تجمد الأرض، وقال الأستاذ رضوان بن محمد رضوان عند ما تمثل بقوله تعالى (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) الآية 4 من سورة تبارك الملك الآتية بأن عمر الأرض لا يقل عن مائة مليون سنة، وانتقل إلى تاريخ حياة الأرض مستدلا بما كتبه الدهر على صفحات الصخور، أو في أعماق الأرض من بقايا الكائنات الجية، معترقا بأنه دون الحقيقة بالنظر للحوادث التي تعاقبت فبدلت آثارها، ولمرور مصور كثيرة من غير أن تترك أثرا على سطحها، ثم قال يعتقد الأكثرون أن الأرض كانت كتلة غازية بردت تدريجيّا فتصلّبت ثم أحاط بها نطاق من الهواء تكشف ما به من البخار، فهطلت أمطار عزيرة كونت مياه البحار والمحيطات، ثم بدأت الرياح والأمطار تعمل عملها في تغيير معالم اليابس باستمرار، فكثيرا ما ارتفعت سلاسل جبال شامخات ثم تعود الرياح فتفتتها وتفذفها في البحر، وكانت القارات أعظم اتساعا مما هي

عليه الآن، إذ كانت تمتد شرقا وغربا أكثر منها شمالا وجنوبا أما الآن فقد تبدل الحال إذ أنمار المحيط على جوانبها فأنقصها. وللعلماء في أصل الأرض نظريات فقد وضع العالم الألماني سنة 1755

ص: 293

نظريته السديمية فقال إن الكون نشأ من كتلة لا شكل لها، وأن الفضاء كان يشغله سديم (هو تركيب في بعض الأجرام السماوية على شكل سحابة صغيرة) عظيم أي سحابة كبيرة مكون من مواد غازية مرتفعة الحرارة (راجع الآية 6 من سورة هود المارة حيث سمي هذا السديم عماء وتدبر معناه وقسه مع هذا) ثم انقشعت هذه السحابة تدريجيا بتركيز هذه الغارات بالجاذبية حول نقطة معينة أكثر كثافة من أجزاء السديم، فكانت هذه النقطة فيما بعد النجوم الحارة والشموس المختلفة وتعتبر شمسنا هذه أصغرها حجما، وقد اشتق من هذه النظرية المجملة العالم الأفرنسي لابلاس نظرية في أصل الأرض سنة 1842 فقال إن المجموعة الشمسية كانت كتلة غازية مضيئة تشغل فراغا عظيما ثم انكمشت تدريجا بسبب تشعّع حرارتها فتركت حلقات غازية انفصلت عنها الواحدة تلو الأخرى، ثم تركزت كل حلقة منها حول نقطة معيّنة أصبحت فيما بعد كوكبا من الكواكب وبذا تكونت الكواكب الثمانية السيارة التي منها الأرض والسيارات السبع وهي زحل والمشتري والمريخ وعطارد والزهرة والقمر، فكل واحدة من هؤلاء في طبقة أعلى من الأخرى على هذا الترتيب، أدناها الأرض، وأعلاها زحل، كما مر في الآية 18 من هذه السورة، قالوا وانفصل منها كذلك ما يقرب من ألف كوكب صغير، فتكون الأرض إذا بحسب هذه النظرية مثلها مثل باقي الكواكب الأخرى بدأت حياتها سحابة غازية ثم بردت وتحولت مادة سائلة فتصلّبت قشرتها الخارجية، وأنها تزداد برودة يوما فيوما وتزداد قشرتها سمكا، وقد بقيت هذه النظرية مقبولة مدة طويلة حتى أن التحقيق العلي والمشاهدات الحسية أقاما البرهان على عدم صحتها، لأن قبولها يقتضي أن تكون حرارة الكرة الأرضية في تناقص مستمر والواقع يخالف هذا إذ تبين أن أقدم أنواع الكائنات التي عاشت على سطح الأرض في الأزمان السحيقة لم تكن تتحمل حرارة أكثر مما تتحمله الأحياء الحالية كما أنه ثبت أن أجزاء من الكرة الأرضية كانت تغطيها الجليد. ولما ظهر بطلان نظرية (لابلاس) السديمية ظهرت نظرية (تشجرلن) المسماة الذرات الكوكبية أو الأرض الباردة، فقال أن الشمس كانت أول أمرها سديما أيضا فدنت من

ص: 294

نجم أكبر منها فحدث من تأثير الجاذبية بينهما أن تفككت الأجزاء الخارجية للشمس واندلعت منها ألسنة نارية حلزونية طويلة مركبة من ذرات معدنية بينها كتل حارة كبيرة، ثم انقشع السديم تدريجبا باجتماع الأجزاء الصغيرة حول الأجزاء الكبيرة بالجاذبية فكانت الكواكب ومنها الأرض، ثم ظهرت نظرية الكوكبيات (لبرل) وهي تشبه النظرية السابقة إلا أن الذرات استبدلت بكوكبات صغيرة لا يزيد قطر الواحدة منها على 485 ميلا، فهذه الكوكبيات سقطت على نواة الأرض فنشأ من الاصطدام حرارة فتكونت أرض حارة ذات قشرة منصهرة، وبعد ذلك قل الاصطدام وبدأت الأرض تبرد بالتدريج. ثم اعلم أن كثيرا من العلماء ينسب أصل الجوّ إلى غازات حارة أغلبها بخار الماء ثم قليل من أول وثان أكسيد الكربون وحمض الكلوروديك وبعض الآزوت، أما الأكسجين فلم يكن حرا، ويرجح العلماء أن انطلاق الهواء في الجو يعود إلى عوامل بركانية، أي أن أصل الهواء عبارة عن غازات أو أبخرة لفظتها البراكين والينابيع الحارة من الأعماق البعيدة في باطن الأرض، إذ كانت مكتومة تحت ضغط جبار في المنصهرات الباطنية، فلما خفّ الضغط انطلقت هذه الغازات وملأت الجو وعليه قول القائل:

فبطنها محشوة بالنار

وقشرها قد شق بالبخار

ولما كان سطح الأرض تعلوه سجف كثيفة مستديمة بدأت الأمطار تهطل بغزارة شديدة ولكنها قبل ما تصل إلى سطح الأرض تستحيل إلى بخار بسبب الحرارة الشديدة المنبعثة من سطح الأرض فينطلق إلى الجو ويكون سحبا يتراكم بعضها فوق بعض فتهطل الأمطار ثم تعود فتدخر دون أن تصل إلى الأرض وهكذا دواليك فلما بردت الأرض أمكن للأمطار أن تصل إلى سطحها ولكنها لم تمكث بل تتبخر ثانية وقد ظللت الحال كذلك زمنا وجيزا لا يزيد على بضع آلاف من السنين (ان الأزمان الجولوجية تعني ملايين السنين وتعد مليون سنة فترة قصيرة من الوجهة الجولوجية) ثم بدأ يتكون محيط هائل يطم الأرض بأجمعها وكانت مياهه عميقة وهنا بدأت الشمس تمد الأرض بالحرارة وترسل أشعتها خلال السحب

ص: 295

وبقيت البراكين على حالها في الثوران فتسبب عن إطلاقها المعادن المنصهرة بقوة عظيمة ومقادير هائلة أن غيرت من استواء سطح الأرض فهبطت أجزاء تجمعت فيها المياه فيما بعد وبذا تكونت أحواض المحيطات وأما الأجزاء التي لم تتراكم فوقها الحمم فكونت القارات وعلى هذا فلربما كانت الكائنات المائية هي أولى الكائنات التي ظهرت على وجه البسيطة عند ما تهيأت أسباب الحياة فنشأت في المحيطات أنواع كثيرة من الحيوانات اللافقرية البحرية وقد هاجر بعضها إلى الأنهار وتطورت مع الزمن إلى سمك المياه العذبة ولما كان الجفاف الذي كثيرا ما تتعرض له الأنهار يهدد حياتها بالخطر، لذلك قد أخذت تهيء نفسها للعيش على اليابس فكانت منها الحيوانات الضفدعية وهذه تطورت إلى أنواع أرقى حتى ظهرت الحيوانات الندية ثم خلق الله تبارك وتعالى الإنسان فاستخلفه في الأرض قال تعالى (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية 30 من البقرة ج 3. فظهر مما تقدم أن كل ذلك لم يخرج عن الظن والتخمين كما ذكرنا آنفا لأن أهم الوسائل التي يستندون عليها في عمر الدنيا ومبدأ الحياة فيها هو الحفريات وهي عبارة عن العثور على بقايا حيوانات أو نباتات عاشت في الأزمنه الجولوجية القديمة التي لا توجد في الصخور وليس من الضرورة أن تكون هي البقايا الأصلية للكائنات. وعلى الطبقات المترسبة في الأرض وهي تختلف باختلاف الهواء والمكان والزمان كما علمت فلا تدل على حقيقة راهنة وأن ما يوجد من الصور والتماثيل المنقوشة على الصخر لا يمكن أن يعرف منها الزمن بصورة يثق فيها الإنسان إذ لا يوجد تاريخ قبل التوراة بإجماع أهل العلم الحديث والقديم وعليه فان النقوش وحدها وإن أثبتت وجود ناقشيها ومهارتهم فأنها لا تثبت زمانهم والعبرة في معرفة التاريخ للزمن فضلا عن أنهم قالوا لا يوجد من الكائنات الحية التي اندثرت أجسامها إلا نحو واحد بالمائة لأن جسم الحي يتحلل بتأثير الباكتريا والفطر والديدان فيزول من الوجود وإذا لم يكن محنطا لا يتجاوز محق ومحو هيكله الصلب السبعين سنة أما الأعضاء الرخوة التي لا هيكل لها فتندثر بسرعة بحسب مادة الأرض ولا يبقى لها أثر ما وأنسب الأماكن لحفظ الحفريات هي المحيطات والبحار وأصلح الرواسب هي المواد الجيرية

ص: 296