الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن ينقل إلى البادية. قال ابن عباس كان يعقوب تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم يوسف وله بها مسجد تحت جبلها، قال جميل وقيل كثير:
وأنت التي حبّبت شعبا إلى بدا
…
إليّ وأوطاني بلاد سواهما
قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف، يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان كما ذكر في البيت، وإنما سميت البادية بادية لأن ما فيها يبدو للناظر لعدم وجود ما يواريه، وهي عبارة عن بسيط من الأرض، وما قيل إن هذه الآية أي قوله تعالى (إِلَّا رِجالًا) إلخ، نزلت في سجاع تميمة بنت المنذر التي يقول فيها الشاعر:
أمست نبيّتنا أنثى نطوف بها
…
ولم تزل أنبياء الله ذكرانا
فلعنة الله والأقوام كلهم
…
على سجاح ومن بالإفك أغرانا
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت
…
أصداؤه ماء مزن أينما كانا
قول لا صحة له، لأن ادعاءها النبوة كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا قرينة تدل على أن هذا من الإخبار بالغيب، وقد أسلمت أخيرا وحسن إسلامها وقصتها مشهورة بالسير والتواريخ، قال في بدء الأمالي:
وما كانت نبيا قط أنثى
…
ولا عبد وشخص ذو افتعال
قال تعالى «أَفَلَمْ يَسِيرُوا» هؤلاء الكفرة «فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» الذين كذبوا رسلهم كيف أهلكناهم فيعتبرون بهم فيؤمنون بالله ويتركون هذه الدار الفانية وما فيها لمن اغتر بها من الكفرة المصرين «وَلَدارُ الْآخِرَةِ» الباقية الحسنة «خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا» الشرك والمعاصي وعملوا الخير ووحّدوا ربهم «أَفَلا تَعْقِلُونَ 109» ذلك يا أهل مكة فتتركون ما أنتم عليه وتتبعون ما يأمركم به نبيكم لتفلحوا وتفوزوا.
مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:
قال تعالى «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» وقطعوا أملهم من إيمان قومهم والنصرة عليهم في الدنيا لتماديهم في الكفر مع توالي نعم الله عليهم «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ
قَدْ كُذِبُوا»
قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف، أي ظنت أممهم كذبهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم عليهم وإهلاكهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد، أي أن الرسل أيسوا من إيمانهم وأيقنوا أن أممهم كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعده إيمانهم واستبطئوا النصر عليهم. والقراءتان على البناء للمفعول تدبر هذا، واعلم أن من رجع الظن إلى الأنبياء وأراد به ترجيح أحد الجانبين لا ما يخطر بالبال ويهمس بالقلب في شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه الطبيعة البشرية، فقد أخطأ، لأنه لا يجوز على أحد من المسلمين، فكيف يجوز على أعرف الناس بالله وأنه متعال عن خلف الميعاد؟ ويبطل هذا الزعم ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن هذه الآية، قالت بل كذبهم قومهم، فقلت والله لقد استيقنوا بذلك، فقلت لعلهما قد كذبوا أي بالتخفيف، فقالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت فما هذه الآية؟ قالت هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن اتباعهم كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. وقيل أن هذا تكذيب لم يحصل من أتباعهم المؤمنين لأنه لو حصل لكان نوع كفر ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبطء النصر. وفي رواية عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة قال قال ابن عباس رضي الله عنهما ذهب لها هنالك وتلا (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) الآية 214 من سورة البقرة في ج 3، قال تلقيت عروة ابن الزبير وذكرت له ذلك، فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما وعد الله رسوله في شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون معهم من قومهم من يكذبوهم، فكانت تقرأها، وظنوا أنهم قد كذبوا، بالتشديد مثفلة، أما ما نقله البعض عن ابن عباس من أنه قال وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله به من النصر، قال وكانوا بشرا وتلا قوله تعالى (وَزُلْزِلُوا) الآية المارة من البقرة، لا يصح إلا إذا أراد بالظن ما يخطر بالبال وكما ذكرنا آنفا، لأن الأنبياء منزهون عن الظن بربهم
بخلف الوعد والوعيد، ويجب علينا تطهيرهم وبراءتهم من مثله تنبه، ولا يخفى أن الظن في القرآن بمعنى اليقين كثير، كفوله تعالى (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) إلى يتقون الآية 47 من البقرة في ج 3، هذا. واعلم، أن الخبر في استيئاس الرسل مطلق إذ ليس في الآية ما يدل على تقييده بما وعدوا به وأخبروا يكونه، وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الله تعالى إذا وعد رسله بنصر مطلق كما هو الغالب في أخباره لم يعين زمانه ولا مكانه ولا صفته، فكثيرا ما يعنقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم يدل عليها خطاب الحق جل وعلا، بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما أعتقد طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم سيدخلون المسجد الحرام ويطوفون فيه، أن ذلك يكون عام الحديبية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى، فما استيأسوا من ذلك العام إذ صدّهم المشركون، ثم عقد الصلح المشهور بقي في قلب بعضهم شيء حتى قال عمر رضي الله عنه ألم تخبرنا يا رسول الله أن ندخل البيت ونطوف به؟ قال بلى أنا خبرتك أنك تدخله هذا العام؟ قال لا، قال انك داخله ومطوف به، وكذلك قال له أبو بكر رضي الله عنه فبين له أن الوعد منه عليه كان مطلقا غير مقيد بوقت، وكونه صلى الله عليه وسلم سعى في ذلك العام وقصد مكة لا يوجب تخصيصا بوعد الله بالدخول في تلك السنة، ولعله إنما سعى بناء على الظن أن يكون الأمر كذلك فلم يكن، ولا محذور في ذلك وليس في شرط النبي أن يكون كل ما قصده واقعا بل من تمام نعمة الله عليه أن يأخذ به عما يقصده إلى
أمر آخر هو أنفع مما قصده إن كان كما كان في عام الحديبية، ولا يضر أيضا خروج الأمر على خلاف ما يظنه عليه السلام فقد روى مسلم في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قال في تأبير النخل أي تلقيحه حيث نهاهم عنه أولا، ولمّا لم يأت بالثمر المطلوب سألهم فقالوا لأنا لم نلقحه أي اتّباعا لأمرك فقال إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذون بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله تعالى، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين حينما سلم على رأس الركعتين في صلاة رباعية حيث قال له أقصرت
الصلاة يا رسول الله؟ فقال ما قصرت الصلاة ولا نسيت ثم تبين النسيان، ومنه أيضا في قصة الوليد بن عقبة النازل فيها (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) الآية 6 من سورة الحجرات في ج 3 كما سنبينها في محلها وقصة ابن البيرق النازل فيها (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) الآية 115 من سورة النساء في ج 3 أيضا كما سنبيّنها في محلها إن شاء الله، وفي هذا كفاية في العلم بأنه صلى الله عليه وسلم قد يظن الشيء فيبينه الله تعالى على وجه آخر، لأنه بشر ويجوز عليه ما يجوز على البشر، فإذا كان خاتم الرسل وأفضلهم هكذا فما ظنك بغيره من الرسل الكرام؟ ومما يزيد هذا قوة أن جمهور المحدثين والفقهاء أجمعوا على أنه يجوز للأنبياء عليهم السلام الاجتهاد في الأحكام الشرعية ويجوز عليهم الخطأ في ذلك، لكن لا يقرون عليه، فإنه لا شك أن هذا دون الخطأ في ظن ما ليس في الأحكام الشرعية من شيء، وإذا تحقق ذلك فلا يبعد أن يقال أن أولئك الرسل عليهم السلام أخبروا بعذاب قومهم ولم يعين لهم وقت له، فاجتهدوا وعينوا لذلك وقتا حسبما ظهر لهم كما عين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عام الحديبية لدخول مكة، فلما طالت المدة استيأسوا وظنوا كذب أنفسهم وغلط اجتهادهم، وليس في ذلك ظن بكذب وعده تعالى ولا مستلزما له أصلا، فلا محذور، وأنت عليم أن الأوفق بتعظيم الرسل عليهم السلام والأبعد عن الحوم حول ما يليق بهم القول بنسبة الظن إلى غيرهم كما جاء في حديث عائشة المتقدم وشرحه لابن الزبير، لأن ما جاء به في الردّ والتأويل في غاية الحسن منها رضي الله عنها وعن أبيها والله أعلم. قال تعالى «جاءَهُمْ نَصْرُنا» الذي وعدناهم به فجأة من غير احتساب ولا ترقب «فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ» من العذاب الواقع أي نجّى النبيّ ومن آمن معه ومن شملته إرادة الله وقرأ بعضهم فنجّي بالتشديد ونون العظمة بالباء على الفاعل وقريء بتشديد الجيم وسكون الياء، وهي خطأ إذ لا يجوز إدغام النون بالجيم، والقراءة الصحيحة هي ما عليه المصاحف بالبناء للمفعول «وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا» عذابنا بالإهلاك «عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ 110» إذا نزل بهم البتة وفي هذه الآية وعيد وتهديد لمعاصري حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم إذا