المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

من العقل ووقوفهم عند ما ألفوا عليه آباءهم وألفوه،

ولما فرغ عليه السلام من دعوة الخلق إلى الحق حسبما أمره ربه رجع إلى تعبير رؤياهما فقال «يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما» الساقي فإنه يرجع إلى وظيفته «فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً» إذ تظهر براءته مما عزي إليه من العلم والاشتراك باغتيال الملك «وَأَمَّا الْآخَرُ» الطاهي فيثبت عليه الجرم المعزولة «فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ» لتسببه في اغتيال الملك ومباشرته لها فعلا لعدم امتثال أمر الملك بالأكل وبراءة الأول بالشرب، وهما دليلان كافيان على براءة الأول وحكم الثاني، وقال إن هذا سيكون بعد ثلاثة أيام، وذلك لأن الأول قال ثلاث عناقيد عنب، والآخر قال ثلاث سلال، فقال له ما رأينا شيئا فقال لهما «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ 41» ووجب حكم الله تعالى عليكما بما أخبرتكما، رأيتما أو لم تريا، وإنه آتيكم لا محالة بعد ثلاث، ومن هنا قيل البلاء موكل بالمنطق «وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ» تيقن وتحقق «أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي» إذا خرجت من السجن «عِنْدَ رَبِّكَ» سيدك ومولاك لعله يتذكر مظلمتي فيخرجني من السجن، قالوا وبعد ثلاثة أيام خرج الأول وصلب الثاني، وهذا حكم عدل من ملك مصر في براءة الساقي، لانه لم يقبل الجعل على المؤامرة في حق الملك ولم يباشر عملا. أما قتل الطاهي ففيه ما فيه لأنه وإن كان أتم جميع الأسباب إلا أنه لم يقع الفعل كما علمت، ولكن الملوك اعتادت قتل من يتآمر عليها وسنّت بذلك قوانين فهي تعمل بها حتى الآن، قال تعالى «فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ» أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر الملك بيوسف.

‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

وما قيل إن الضمير في أنساه يعود إلى يوسف غير وجيه، لأن المعنى بصير حينئذ أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله بطلبه الفرج عنه من ملك مصر دونه، وهو محال لما فيه من التعريض إلى الغفلة، والأنبياء بعيدون عنها منزهون منها، لذلك اخترنا ما عليه جل المفسرين من عود الضمير إلى الساقي لأنه أولى وأنسب بالمقام وأوفق للسياق والله أعلم «فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ 42» بسبب ذلك، وعلى ما قالوا إنه أتم في

ص: 216

في السجن سبع سنين، والبضع ما بين الثلاثة والعشرة، روي أن أنسا قال أوحى الله إلى يوسف من استنقذك من القتل حين همّ إخوتك أن يقتلوك؟ قال أنت يا رب، قال من استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال أنت يا رب، قال فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك؟ قال أنت يا رب، قال فما بالك نسيتني وذكرت آدميا غيري؟

قال يا رب كلمة تكلم بها لساني، قال وعزتي وجلالي لأدخلنك في السجن بضع سنين.

وروي عن الحسن أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها أي (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) ولما لبث في السجن ما لبث. ويستدل من قول يوسف عليه أن الاستعانة بالعباد لقضاء الحوائج جائزة لقوله تعالى (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) الآية 3 من سورة المائدة في ج 3 وقال صلى الله عليه وسلم: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء.

وقال عليه الصلاة والسلام أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فمن أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة. وقال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) الآية 85 من سورة النساء في ج 3، إلا أن هذا يختلف باختلاف الأشخاص، والأليق بمقام الأنبياء تركه لأنفسهم والأخذ بالعزيمة، وهكذا جرت عليه عادتهم، قالوا إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن وعاتبه على كلمته تلك. وإن من يتمسك بهذه الأخبار استدل على عود الضمير من أنساه إلى يوسف لا إلى الساقي كما ذكرناه آنفا، ووكلنا علمه إلى الله تبرئة لساحة الأنبياء عما لا ينبغي، ولم نجزم به لأنا لسنا من أهل الترجيح.

هذا ولما أراد الله تعالى إخراج يوسف من السجن أرى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة، وهي ما قصها الله تعالى بقوله «وَقالَ الْمَلِكُ» الريّان بن الوليد لمن عنده من السّحرة والكهنة والمنجمين والمعبّرين «إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ» هزال ضعاف من البقر «وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ» سبع أيضا «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ» هذه لأنها هالتني وإني لمتخوف منها «إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 43» تفسرون سمي المفسر معبرا لأنه يعبر من أول الرؤيا إلى آخرها ليستخرج المعنى المراد منها، والتعبير خاص في هذا، أما التأويل فعام فيه وفي غيره. راجع بحثه في المقدمة ج 1 «قالُوا» السحرة وأمثالهم أشراف

ص: 217

مملكته الذين قصها عليهم هذه «أَضْغاثُ أَحْلامٍ» أخلاطها وأباطيلها، وأصل الضغث الحزمة من أنواع الحشيش والأحلام جمع حلم مما يرى في النوم من وسوسة الشيطان وحديث النفس الخبيثة كما بيناه في الآية 5 المارة «وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ 44» فقلق الملك وتشوش أكثر من ذي قبل لتوقف الناس عن معرفة تأويل رؤياه، وصار يتعجب منها خاصة قضية تغلب ضعاف البقر على السمان على عكس العادة، لأن القوي من كل دائما يتغلب على الضعيف، وصار يبحث عمن يعبرها له، فتذكر الساقي إذ ذاك حذاقة يوسف في التعبير وشدة اختصاصه به، قال تعالى «وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ» تذكر وتفطن «بَعْدَ أُمَّةٍ» مدة طويلة على تعبير رؤياه ورفيقه في السجن ووقوعها كما عبرها وصيّته له بأن يذكر سيده فيه «أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ» أيها الملك «فَأَرْسِلُونِ 45» لآتيكم بمن يعبرها، ولذلك لم يقل أفتكم وذكر الضمير لعوده على الأمر الذي استصعبه الملك من الرؤيا، قالوا قال هذا بعد أن تمثل أمام الملك بالاستئذان وجثى على ركبتيه احتراما على حسب عادتهم، فأرسله الملك بعد أن فهم مما ذكر له من أحواله ومما قص عليه من أطواره، وأنه من سلالة ابراهيم عليه السلام وانه يتمكن من تعبير رؤياه فذهب ودخل السجن وقال «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ» سماه صديقا لصدقه في تعبير رؤياه وغيرها، «أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ» الملك وأتباعه وأهل مملكته، لأن هذه الرؤيا شاعت لدى العامة ولم يقدر أحد على تعبيرها وصارت شغلهم الشاغل، فبينها لنا مما علمك ربك لنذكرها للملك وملائه «لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ 46» تأويلها، ويظهر لهم فضلك فتخلص من محنتك هذه، فسأله عن الرأي لأن له مدخلا في التعبير إذ المعبر يعبر لكل بحسبه وما هو عليه، فقال له الملك الأكبر، «قالَ» قل للملك ومن أهمه شأن هذه الرؤيا هي رؤيا مشؤومة وعاقبتها وخيمة، ولكن إذا أردتم أن تتخلصوا من هولها وتكونوا في مأمن من مغبتها «تَزْرَعُونَ» خبر بمعنى الأمر لأنه فسر البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنين مخصبة، والبقرات العجاف

ص: 218

والسنبلات اليابسة بسبع سنين مجدبة، أي ازرعوا أيها الناس «سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً» بحسب عادتكم لأن الدأب العادة المتمادية، حتى إذا بلغ الزرع الحصاد «فَما حَصَدْتُمْ» منه كل سنة «فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ» لا تدوسوه ولا تذرّوه فإنه يسوس «إِلَّا قَلِيلًا» جدا بأن تدوسوا وتذروا منه بقدر «مِمَّا تَأْكُلُونَ 47» في كل سنة واحتفظوا بالباقي بسنبله واتركوه على حاله إلى السنين المجدبات المنوه بها في قوله «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» السبع المخصبات. ولم يؤنث الضمير تفخيما لشأنهن «سَبْعٌ شِدادٌ» مرهقات للناس لأنهن ممحلات مجديات «يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ» أن يأكل الناس فيها ما ادخرتموه من السنين المخصبات ولم يتركوا منه «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ 48» تحززونه للبذر فتبقونه في الحصن ليحفظ فلا يسقع ولا يطرأ عليه ما يفسده، والإحصان هو الاحراز بعينه، كما أن البذر هو البزر «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» السبع الممحلات «عامٌ» نون للتعظيم لما فيه من الخير الجسيم، وهو كالسنة إلا أنه يستعمل فيما فيه الرخاء والخصب غالبا كما تستعمل السنة فيما فيه الشدة والجدب، يدل عليه قوله تعالى «فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ» بأمطار كثيرة نافعة «وَفِيهِ يَعْصِرُونَ 49» الأعناب والزيتون والسمسم وكل ما من شأنه أن يعصر كالبرتقال والليمون والرّمان، وهو كناية عن كثرة الخيرات فيها والبركات الأرضية والسماوية، وقل لهم إذا فعلوا ذلك نجوا من سرها، وإلا فالويل كل الويل لهم، فرجع الساقي فرحا مسرورا وأتحف الملك بذلك، فاستحسنه ورآه مصيبا واعتقد الحكمة

في المعبر لإرشاده لما يجب أن يعمل ويحتاط لذلك الأمر العصيب، واشتاق لرؤيته لينعم عليه جزاء لتعبيره هذا، وإراجة فكره من هول تلك الرؤيا، ومن التدبير المستقبل لحفظ رعيته من الهلاك، فالتفت لخدمه وذكر ما قص الله عنه بقوله عزّ قوله «وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ» من سجنه لأنظر اليه وأكافئه، فذهب منهم الاول بدليل قوله «فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ» لأن أل هنا للعهد والمعهود وهو الأول الذي ذهب اليه إجابة لدعوته إذ اشتاق لرؤيته وأخبره بما قال الملك «قالَ» يوسف للرسول لا أذهب معك الآن

ص: 219

ولا أخرج من السجن بل «ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ» الذي فعلنه بي واحتلن به عليّ «عَلِيمٌ 50» لم يرد عليه السلام اخبار الملك بأمر النسوة معه، وانما أراد أن يطلع هو والعزيز على حقيقة ذلك، ولهذا اكتفى عليه السلام بذكر تقطيع الأيدي ورمز إلى المراودة التي كلفته بها امرأة العزيز بالكيد الذي وقع منها على طريق المجاملة، واحتراز من سوء المقابلة ولعلهن يتكلمن إلى الملك بواقع الحال، إذ لم يصمهنّ بشيء ظاهرا، وكان ما ظنّ وكان تأنيه بالخروج من السجن إصابة لتظهر براءته عند الناس أجمع كما هو بريء عند الله، وليعلموا أنه سجن ظلما، ومن كرم أخلاقه عليه السلام لم يذكر اسم سيذته مع مع السبب في إحضار النسوة، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فضله وحسن أناته بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وأخرجه الترمذي بزيادة ثم قرأ فلما جاءه الرسول إلخ، وجاء في حديث آخر: لقد عجبت من يوسف وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات السمان والعجاف، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال إرجع إلى ربك إلخ الآية، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر، وانه لحليم ذو أناة وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، وإلا فحلمه وأناته وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه من قول الخلق وامر الحق لا يقاس بغيره، فقد أعطى من كل شيء غايته ومنتهاه وعبر بحرا وقف الأنبياء بساحله الأدنى، فرجع الرسول وأخبر الملك بقوله، فأمر حالا بجمع النسوة واحضارهن

ثم خاطبهن بقوله «قالَ ما خَطْبُكُنَّ» ما شأنكن وأمر كن «إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ» خاطبهن جميعا بهذا القول سترا لامرأة العزيز، ولا نهن أمرنه بمطاوعتها «قُلْنَ» للملك بلسان واحد «حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ» ذنب أو خيانة فى شيء ما وقد بالغن في نفي جنس السوء عنه بتكيد لفظ السوء، وزيادة من،

ص: 220

وابتداء جوابهن بكلمة التبرؤ والتعجب من زيادة عفته، ثم «قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ» بانفرادها للملك «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ» ظهر ظهورا واضحا بينا «أَنَا» يا حضرة الملك «راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 51» بقوله هي راودتني اعترفت هنا اعترافا صريحا علنا، لأن اعترافها الاول في الآية 32 المارة كان بحضور النسوة فقط، فلم يكن كافيا لبراءته عند زوجها والعامة قالوا ثم أمر الملك الرسول أن يخبر يوسف بذلك، فذهب اليه وبشره بالاعتراف العلني العام ببراءته بحضور الملك مما عزى اليه قال يوسف عليه السلام «ذلِكَ» عدم خروجي من السجن وامتناعي من اجابة الملك أولا وسبب تثبتي وأناتي هو لظهور براءتي عند العزيز الذي كان أحسن إلي وأكرمني مدة إقامتي عنده «لِيَعْلَمَ» علما حقيقيا «أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» في زوجته كما لم أخنه في ماله وخدمته ولا بحضوره «وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ 52» ولا يسددها ولا يسهل مكرهم ولا يرشدهم لطريق الخلاص، فلو كنت خائنا لما أنقذني من هذه الورطة ولم يوفقني للنجاة منها. وهذه الآية بالنسبة لما قبلها على حد قوله تعالى (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) من قول ملأ فرعون وقوله بعد (فَماذا تَأْمُرُونَ) من قبل فرعون كما مر في الآية 110 من سورة الشعراء، وما قيل ان (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) من قول امرأة العزيز تبعا للآية قبلها فليس بشيء كما أن من قال إن الضمير في ليعلم للملك، وفى لم أخنه له ليس بشيء أيضا، وما جرينا عليه هو الأولى وعليه أكثر المحققين، وكذلك قوله تعالى «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي» هو من قول يوسف عليه السلام لا من قول المرأة كما قاله بعض المفسرين هذا ولما ذكر عليه السلام براءته مما عزي اليه قال على طريق هضم النفس والتواضع إلى ربه ولئلا يزكي نفسه على أتم وجه وليبين ما وفق اليه من الأمانة والعصمة التي منّ الله بها عليه قال (وَما أُبَرِّئُ) إلخ من الهم الذي أوطنها عليه لأنه عبارة عن خطرات قلبية جارية عادة في طبيعة البشر مجردة عن القصد والعزم وكذلك لا أبرىء نفسي من الميل المجرد الذي هو من طبع النفس.

ص: 221