الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما جرينا عليه مأخوذ من أقوال السلف الصالح كجعفر الصادق وغيره من كبار المحققين، والآية على حد قوله تعالى (إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) الآية 10 من القصص المارة في ج 1، وعلى هذا يكون معنى الآية لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها واللام ليست بواجبة في جواب لولا إذا كانت بصيغة الماضي كما هنا، فيأتي باللام وبدونها يقال لولا زيد لأكرمتك، فحيث وجد البرهان انتفى الهم، كما أن وجود زيد في المثالين ينفي الإكرام.
مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:
ولولا حرف امتناع لوجود، تقول لولا علي لهلك عمر، ولولا عصمة الله لقارفت الذنب، أي امتنعت مقارفة الذنب لوجود العصمة. وهنا امتنع الهم المزعوم لوجود البرهان، قال السيد محمود الآلوسي رحمه الله في تفسيره روح البيان بعد الأخذ والرد: نقول للجهلة الذين نسبوا تلك الفعلة الشنيعة إلى يوسف عليه السلام إن كانوا من اتباع الله فليقبلوا شهادته على طهارته- يريد بعض ما ذكرنا من الشهادات الخمس التي ذكرناها آنفا- وإن كانوا من اتباع إبليس فليقبلوا شهادته، يريد ما ذكرناه أيضا، وقوله (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) وإذا كان هؤلاء السفلة زادوا على إبليس كما قال الحريري:
وكنت امرأ من جند إبليس فانتهى
…
بي الحال حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده
…
طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
فذاك أمر آخر، فعلم مما مرّ أن ما نقله الواحدي واضرابه من هذه الشبهات الشائنة والشوائب السافلة مصدره القصص والحكايات وكتب أهل الكتاب المحرّفة، أما الصحيح منها فمبرا من ذلك، وقد تصلّف بعض القائلين لهذه الأقوال فقال إن ما ذكرناه نقلناه عن الذين أخذوا التأويل ممن شاهدوا التنزيل، وهو لعمري غير صحيح، وإنما هو من قال وقيل، وان بعض المفسرين الذين اغتروا بما وجدوه من تلك الأقوال الواهية المدونة في كتب غير معتبرة ونقلوها كما وجدوها، ولم ينظروا إلى الأقوال الواردة في تفنيدها، ولم يلقوا لها بالا، كما وقع للإمام
السيوطي وبعض علماء الحديث إذ نقلوا أحاديث موضوعة لا أصل لها وأثبتوها في كتبهم بناء على سلامة طويتهم وظنهم أن أحدا لا يختار الكذب على حضرة الرسول كما ظن آدم عليه السلام أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فصدق إبليس في قسمه كما حكى الله عنه في قوله (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الآية 21 من الأعراف المارة في ج 1، ومن هذا القبيل الإمام البيضاوي رحمه الله مع جلالة قدره نقل مائة وأربعة عشر حديثا وأثبتها في أواخر سور القرآن من تفسيره، مع أنها جلها موضوعة، ولا يقال لمثله إنه جاهل بمعرفة الأحاديث، ولكنه نقلها كما رآها عن حسن نية، تجاوز الله عنه وسامحه، وهو نقلها تبعا للثعلبي، وكذلك مفتي الثقلين أبو السعود وجار الله الزمخشري ذكراها على ما هما عليه من العلم الواسع والفضل العميم، وهي في الحقيقة من وضع بعض المتعبدين الجملة الذين يزعمون أن في ذلك قربة، مع أنها فرية عظيمة جرت على ألسنة العوام وتداولوها بينهم حتى الآن، ويسندونها بأقوالهم لحضرة الرسول وهو منها براء، راجع بحث الحديث الموضوع في حاشية لقط الدرر على متن نخبة الفكر للإمام ابن حجر رحمه الله تجد ملاك هذا البحث بما يقنعك أنها مكذوبة على حضرة الرسول ولا يجوز نقلها، تدبر. قال تعالى معلنا براءة يوسف عليه السلام والثناء عليه بموقفه الذي وقفه أمام سيدته بقوله عز قوله «كَذلِكَ» مثل هذا التثبت ثبتناه حتى عن الهمّ بالسّوء «لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ» أي جنسه وحقيقته بما يشمل الخيانة وغيرها «وَالْفَحْشاءَ» اي الزنى القبيح نصرفه عنه أيضا «إِنَّهُ» السيد يوسف عبدنا ونبينا «مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ 24» الذين اخترناهم لعبادتنا وخلافتنا في أرضنا، وفي هذه الجملة معنى التعليل أي صرفنا عنه ذلك لكونه من خلص عبادنا. هذا على القراء بفتح اللام وعلى كسرها يكون معناه الذين أخلصوا لنا فأطاعونا كما أردنا فحفظناهم مما لا نريد وعصمناهم مما يشين، وفي هذه الآية عند من له لب أو ألقى السمع للحق ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك الأخبار التي ما أنزل بها من سلطان، ولم يقل بها أحد من أهل الشان، وأن ما زعموه من إلصاقها ببعض الرجال زور وخال عن البرهان، وما لهم عليه من بيان، اللهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، راجع الآية 22
من سورة والنجم في ج 1، ومما يؤذن في براءته قوله جل قوله «وَاسْتَبَقَا الْبابَ» هو هربا منها وخلاصا مما تريده، وهي لحاقا به وطلبا له لئلا يفلت من يدها وتفلس مما أرادته عليه، فأدركته فأمسكت قميصه من الخلف وجذبته بشدة لئلا يخرج من الباب وهو جبذ نفسه إلى الأمام ليخرج منه، فلو كان هناك بعض الهم لما وقع منه هذا «وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ» بسبب تلك المجاذبة القوية لأن كلّا منهما بذل غاية قوته فيها، فاجتماع القوتين سبب القدّ، إذ لو تراخى أحدهما لما وقع، وهناك في هذه الحالة صادقا «وَأَلْفَيا سَيِّدَها» أي زوجها لأن العادة في ذلك الزمن تدعو الزوجة زوجها بسيدها، وأهل دمشق الأول كانوا كذلك، وحتى الآن لهم بقية تسمي الزوج سيدا، ولم يقل تعالى سيدهما لأن يوسف عليه السلام لم يكن مملوكا حقيقة للعزيز، لأنه حرّ لا يملك فضلا عن أنه نبي كريم «لَدَى الْبابِ» رأياه مقبلا نحوه يباشر فتحه ليدخل، وهذه صدقة لم تتوقعها زليخا وإنها كما غفلت عن تسكير الأبواب على يوسف بالغال غفلت عن إغلاق باب الدار، فهابت زوجها وخافت التهمة، واحتالت لتبرىء ساحتها عنده، وسبقت يوسف بالكلام «قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً» تريد زنى، ثم أنها لشدة حبها بيوسف خافت عليه أن يقتله زوجها لهذه
التهمة وتحرم مما هي طامعة فيه منه ومؤملة صدوره ولو بعد حين، فبادرت زوجها قبل أن يتكلم وقالت ليس جزاؤه القتل إذ لم يقع منه فعل ولا جزاء له على المراودة «إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ 25» بأن يضرب ضربا مبرّحا ولم تذكر اسم يوسف بذلك، بل قصدت العموم أي كل من أراد ذلك بأهلك حقه أن يفعل به هكذا، لأنه أبلغ فيما قصدت من تخويفه طعما في أن يوافقها على ما تريده منه ولم تقدر أن تستخدم كلامها بأكثر من ذلك لحراجة الموقف، وإلا فهي لا تريد أن تصم يوسف بشيء أصلا لأنها لم تقطع أملها منه «قال يوسف عليه السلام مدافعا عن نفسه لأنها وصمته أولا، ولو سكتت لما كشف أمرها، ولكنها لما قالت ما قالت ولطخت عرضه بمواجهة سيدها وهو بريء فاضطر إلى إزالة التهمة عنه ولم يثنه الخوف فخاطب سيدها بما ذكر الله عنه قال «هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي»