المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

قلب الحب كرها والعداوة صداقة، وبالعكس، ولهذا لجأ يوسف عليه السلام إلى ربه ليصرف ما حاك في صدره الشريف، قال المتنبي:

يراد من القلب نسيانكم

وتأبى الطباع على الناقل

ولهذا فإن العاشق كثيرا ما يريد إزالة العشق من قلبه ولكنه يعجز. واعلم أن أكثر ما يوقع في المعصية الجهل والخطأ، ولا تقع إلا بتقدير الله تعالى وقضائه وهي للمغفرة أقرب، أما والعياذ بالله من يوقعها عالما عامدا فقد تؤدي إلى كفره، لأن العلم والعمد دليلان على الاستحلال واستحلال ما حرم الله كفر، قال بعض النادمين على ما فعلوا:

وما كانت ذنوبي عن عناد

ولكن بالشقا حكم القضاء

ومن كان كهذا فباب العفو يشمله، قال تعالى «ثُمَّ بَدا لَهُمْ» أي العزيز وأهله وأصحابه رأي آخر بعد ذلك الرأي، إذ أن زليخا قالت لزوجها إن هذا العبد قد فضحني، فإما أن تأذن لي بالخروج لأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه ليقطع هذا الكلام ويقف عند حده، وذلك بعد ما أيست منه و «مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ» الدالات على براءته وطهارته بما قص الله عنه. قال عكرمة سألت ابن عباس عن هذه الآيات، فقال ما سألني عنها أحد قبلك هي قدّ القميص وأثرها في جسده وشهادة الشاهد وأثر السكين في النساء، وفي قوله من الآيات إيذان بأن هناك آيات أخر لم يذكرها، كما أنه لم يذكر كثيرا من معجزات الأنبياء عليهم السلام، وفاعل بدا ضمير يعود إلى البداء بمعنى الرأي كما ذكرنا وعليه قوله:

لعلك والموعود حق لقاؤه

بدا لك في تلك القلوص بداء

‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

واما السجن المفهوم من قوله تعالى «لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 35» إلى أن ينسى الناس هذه الحادثة وينقطع ذكرها في المدينة، وإنما اختار الحبس على خروج زوجته واعتذارها من الناس، لأن الاعتذار لا يقطع الإشاعة عن زوجته بل يزيدها، والحبس قد يقطع خبرها بطول الزمن المستفاد من قوله (حَتَّى حِينٍ) ،

ص: 210

والحين وقت من الزمن يقع على القليل والكثير، قالوا مبدأه خمس وآخره أربعون سنة، وسنأتي على بيانه مفصلا في تفسير سورة الإنسان في ج 3، وعلى كل في هذه المدة تذهب استفاضة تلك الواقعة، قالوا فأمر به فحمل على حمار وسيق للسجن، قالوا وكانت تتأمل أنه بعد أن يذلل في السجن تلين عريكته وتنقاد لها قرونته فتظفر بما أرادته منه بطوعه بعد أن تصرمت حبال رجائها منه بعرض جمالها بنفسها وبإغوائها وبمالها وبتأثيرها فلم يجد شيئا، قال تعالى «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ» قالوا إن أحدهما خباز الملك صاحب طعامه، والثاني ساقيه وصاحب شرابه لأنهما أدينا بجرم الموافقة مع جماعة من أشراف مصر أعداء الملك لا غتياله لقاء جعل معلوم على أن يدسا السم في طعامه وشرابه، وأن الخباز قبل الجعل المسمى له والساقي أبى، وقد وصل إلى الملك بأن ما يوضع أمامه من الطعام والشراب مسموم، وحذره من أخبره من تناول شيء منه، وقيل إن الساقي أخبر الملك بأن الطعام الذي هيأه له الخباز مسموم، وأن الخباز قال للملك إن الشراب الذي أحضره لك الساقي مسموم بمقابلة قول الساقي له إن الطعام مسموم، فكلف الملك الساقي أن يشرب ذلك الشراب ففعل ولم يصبه شيء، ثم كلف الخباز أن يأكل الطعام الذي أحضره له فأبى، فأطعمه دابة فماتت لساعتها، فظهرت خيانته فحبسهما معا على توهم أن الساقي تواطأ مع الخباز أي الطاهي قبلا ولم يخبره إلا عند الأكل حتى يظهر التحقيق براءته، ولما كان هذه القصة عظيم من الأهمية فقد يظلم في بدايتها كثير من الناس ثم ينجو من قدر له النجاة. قالوا ولما دخل يوسف السجن صار يعظ الناس وينصحهم ويحذرهم من الموبقات، ويأمرهم بالمعروف، ويحبّذ لهم عمله، وأن يحسنوا لأنفسهم وغيرهم ويتباعدوا عن المنكرات لئلا يقعوا في سوء عواقبها، ويقول لهم من رأى منكم رؤيا فليأت إليّ أعبرها له بما يلهمني الله تعالى مما يدل على خيرها وشرها، فقال الفتيان لنجربنّه ونتراءى له رؤيا، وكان عليه السلام يراهما مهمومين، فقال لهما ما شأنكما، فقصا عليه الأمر الذي حبسا من أجله وأتبعا حديثهما بما صوراه من الرؤيا «قالَ أَحَدُهُما» صاحب الشراب «إِنِّي أَرانِي» رأيت نفسي في المنام وعبّر في المضارع لاستحضار الصور الماضية في ذهنه

ص: 211

«أَعْصِرُ خَمْراً» عنبا سماه بما يؤول إليه، لأن الخمر لا يعصر، وإنما يعصر العنب، والعصر إخراج المائع من الفواكه وغيرها، قالوا وكان اسمه نيو فقال يا سيد إني رأيت في المنام حبلة من كرم حسنة لها ثلاثه أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك «وَقالَ الْآخَرُ» صاحب الطعام واسمه مجلّت «إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ» قالوا إنه قال أيها السيد إني رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وأنواع الطعام وسباع الطير تنهش منها «نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ» أي تفسير ما رأيناه وما يؤول أمر رؤيانا، وقد عرضنا عليك ذلك لحسن عقيدتنا بك «إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 36» إلى الناس أجمع، لأنك تعود المرضى في السجن وتأخذ من عناء المسجونين بما تسديه إليهم من النصح، وتهديهم إليه من الرشد، وتوسع على فقيرهم وتجمع للمحتاجين ما يسد عوزهم ممن عنده فضل بما ترغبهم به من الثواب، وتجتهد في عبادة ربك ليل نهار، وإنك صبيح يرجى منك الخير ويؤمل منك الفلاح، ولذلك فإنا وكل أهل السجن يحبونك كأنهم يعلمون أن الرؤيا لا تقص إلا على من يحبه الرائي كما أخبر بذلك حضرة الرسول في أحاديث متعددة، وذلك لأنهم مخالطون للملك وليسوا من السوقة، فقال لا تحبوني فما جاءني البلاء إلا من المحبة، فإن عمتي أحبتني وكنت عندها، فطلبني والدي منها فلم تفعل، فلما أصر عليها كان عندها منطقة اسحق عليه السلام، لأنه أكبر من والدي يعقوب وثوب إبراهيم جدي الذي جاء به إليه جبريل من الجنة، فألبسه إياه حين ألقي في النار لأن اسحق ورثه من إبراهيم أبيه، وهي ورثته منه، وكان التوارث لمثل هذه

الآثار للأكبر، فشدتها على بطني وأرسلتني إليه، ثم ادعت فقد المنطقة، وكان في شريعته أن السارق يؤخذ نفسه بما سرق، فتحروا المنطقة فوجدوها عندي، فأخذتني وبقيت عندها حتى ماتت، فدخل علي من حبها بلاء، وأحبني أبي فنشأ من حبه لي حسد اخوتي، فألقوني في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست بسبب محبتها، ثم أعرض عنهما كراهية أن يعبرها لهما لما في تعبيرها على أحدهما من الشرّ وهو لا يحب أن يجابه به أحد إلا بالخير، أخرج أبو حاتم عن قتادة قال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه

ص: 212

قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا إن لكم بهذا لأجرا، فقالوا يا فتى بارك الله فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب ان كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت؟ قال أنا يوسف ابن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله اسحق بن خليل الله ابراهيم، فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك لما أنت عليه من اللطف وما لديك على الناس من العطف وكثرة البر والمجاملة ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت ومن هنا اعتيد تعيين وعاظ للسجون يخففون عن المظلومين بلاءهم ويحبذون للظالمين التوبة والرجوع إلى الله ورد المظالم ويمنونهم بعفو الله عنهم واطردت العادة حتى الآن، ثم إن الفتيين ألحا على يوسف بتعبير رؤياهما فقال أولا لتثقا في قولي فإني أقول لكم «لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ» في حبسكما هذا أو من أهلكما «إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ» بأن أبين لكما ماهيته وكيفيته ومن أين أتاكما ولونه وطعمه ووقت أكله «قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما» وقبل أن ترونه وهذا من معجزاته عليه السلام أظهرها إليهم ليركنوا إليه ويأخذوا بقوله أملا بهدايتهم، ونظيرها معجزة سيدنا عيسى عليه السلام المبينة في قوله تعالى (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) الآية 50 من آل عمران ج 3، فقالا له هذا من علم الكهنة فمن أين جاءك، قال لست بكاهن وإنما «ذلِكُما» الذي ذكرته لكم «مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي» من جملة العلوم التي منّ بها علي وعلمنيها بوحيه المقدس يشير إلى أن ذلك معجزة له وأنها جزؤ يسير مما أفاضه الله عليه، وكأنه قيل له أنى لك هذا ولماذا علمك ربك هذه العلوم واختصك بتعبير الرؤيا فقال «إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» يريد العزيز وقومه إذ أعرض عنهم وترك رأيهم وما يتعبدون به ويرجونه ولم يوافقهم على ما يريدون لأنهم عبدة أوثان «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ 37» جاحدون البعث بعد الموت منكروا المعاد وأن الجملة الأولى كافية للإشعار بكفرهم وأتى بالثانية تأكيدا وكرر لفظ هم لهذه الغاية، وليس المراد بالملة ملة آبائه كما قد يخطر بالبال السقيم باعتبار ما كانوا عليه قديما كما يقوله بعض الأغبياء لأن الأنبياء عليهم

ص: 213