المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

السلام (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) على طريق الشك في قبولهم، فكأنه قال إن فعلتم ما أقوله لكم وأظنكم فاعلين، فلم يقبلوا منه وتزاحموا على الباب، فلما رأت الملائكة أن قومه ضايقوه قالوا له إنا رسل ربك، وأنزل فيهم العذاب كما مر في القصة هناك وفي الآية 84 من سورة الأعراف المارة في ج 1.

‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

قال تعالى «لَعَمْرُكَ» وحياتك يا حبيبي «إِنَّهُمْ» كفار قومك «لَفِي سَكْرَتِهِمْ» وغفلتهم هذه وغوايتهم وبغيهم «يَعْمَهُونَ 72» يترددون بالحيرة ويتحيرون في النيه ويخورون في الضلال، لا يسمعون قولك ولا يقبلون نصحك، وكيف يقبلونه وقد اعتراهم ما أزال عقولهم، لأن العمه عمى القلب، لهذا لم يميزوا بين الخطأ والصواب. وقد جاءت هذه الآية معترضة بين قصة لوط عليه السلام، وقيل إن الضمائر فيها لأهل المدينة من قوم لوط فلا تكون اعتراضية، والخطاب في لعمرك من الملائكة إلى لوط، ولكن أكثر المفسرين على الأول بطريق الالتفات والسياق، والسياق يؤيد الثاني والله أعلم. وما قيل إن عمرك بمعنى دينك مستدلا بقول القائل:

أيها المنكح الثريا سهيلا

عمرك الله كيف يلتقيان

فالثريا شامية ما استهلت

وسهيل إذا استهل يمان

لا يستقيم هنا وجاز إضافة عمرو إليه تعالى لقوله:

إذا رضيت عليّ بنو تشير

لعمرو الله أعجبني رضاها

وقول الأعشى:

ولعمرو من جعل الشهور علامة

منها يبين نقصها وكمالها

فمن زعم عدم جوازه لأن الله ازلي أبدي توهم أنه لا يضاف إلا فيما له انقطاع وليس كذلك.

وكلمة عمرو هذه إذا أضيفت إلى الضمير تكتب بلا واو كعمرو في حالة النصب للفرق بينها وبين عمر، قال تعالى «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ 73» عند بزوغ الشمس «فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ» على أهل قرى لوط، والضميران الأولان عائدان على القرى نفسها لأنها هي التي جعل أسفلها

ص: 309

أعلاها وهم الذين ألقى عليهم «حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ 74» طين متحجر مرّ تفسيره في القصة المذكورة في سورة هود «إِنَّ فِي ذلِكَ» الإهلاك الفظيع «لَآياتٍ» عظيمة وعبرة جليلة وعظة كبيرة «لِلْمُتَوَسِّمِينَ 75» أي المتفرسين الذين يعرفون بواطن الأشياء بسمة ظواهرها. والفراسة على نوعين: نوع بوقعه الله تبارك وتعالى في قلوب أوليائه فيعلمون به من أحوال الناس ما خفي على غيرهم بإلهام من الله تعالى، وهو من باب الكرامة التي خص بها بعض أوليائه، وهي شبيهة بالمعجزة عدا دعوى التحدي الذي هو من خصائص الأنبياء ولا يجوز لأحد القول به.

أخرج البغوي في حديث غريب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. والفراسة بكسر الفاء، تقول توسمت في فلان كذا، أي عرفت وسم ذلك فيه. والثاني من إصابة الحدس والظن والتثبت وقوة التفكير والتأمل وما يحصل بدلائل التجارب والنظر في الخلق والخلق والأخلاق مما يعرف به أحوال الناس، فهو من باب الحذق والفطانة فيكون هذا النوع لكل من يتصف بما ذكر، ولذلك قالوا التوسم هو النظر من اقدم إلى الفرق واستقصاء وجوه التعريف، قال الشاعر:

أو كلما وردت عكاظ قبيلة

بعثوا إليّ عريفهم يتوسم

ويقال إني توسمت بفلان خيرا وعليه قول ابن رواحة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم:

إني توسمت فيك الخير أعرفه

والله يعلم أني ثابت البصر

ومن هذا القبيل الفال الذي يشتغل به بعض الناس من رجال ونساء لأنه من قبيل التوسم في أحوال الناس والأخذ مما يسألونهم عنه، ومن هذا القبيل تعبير الرؤيا، فإنها تحتاج للفطنة والحذق ومعرفة القياس، راجع ما بيناه في الآية 5 من يوسف المارة، ومن هذا السحر الذي ألمعنا إليه في الآية 52 من الشعراء المارة في ج 1، ومنه أيضا الإصابة بالعين التي ألمعنا إليها آخر سورة المزمل في ج 1 وفي الآية 66 من سورة يوسف المارة أيضا. قال تعالى «وَإِنَّها» القرى المهلكة وهي سدوم وعاموراء ودومة وساعوراء وصفرة وهي التي رحل إليها، لأن أهلها لا يعملون عمل القرى الأربع المذكورة التي وقع فيها الهلاك وتسمى في التوراة

ص: 310

(صوغره، وبالع، وعمودة، وأدمة وجويم) كما هو في الاصحاح 14 من التكوين وجاء في الاصحاح 13 أنه ترك هذه المدينة خوفا من نزول العذاب فيها وصعد هو وبناته إلى الجبل وسكنوا في مغارة فيه، وفيه أن هذه المدينة لم تقلب، ويطلق على هذه القرى المؤتفكات أي المنقلبات «لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ 76» أي واقعة على طريق واضح لم يندرس بعد أثرها يراها الذاهب إلى الشام والآتي منها إلى الحجاز «إِنَّ فِي ذلِكَ» الأثر الباقي لهؤلاء الطغاة «لَآيَةً» عظيمة «لِلْمُؤْمِنِينَ 77» المصدقين بما ذكرنا لأنهم المنتفعون بالآيات المتعظون بالعبر «وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ» الغيضة وهي الأشجار الملتفة كالغابة وتسمى حرشا، وفي لغة أهالي دير الزور (زور) ولهذا تسمى البلدة دير الزور لأنها كانت محاطة بالغابات، وهؤلاء قوم شعيب عليه السلام «لَظالِمِينَ 78» جاحدين نعم الله لا يشكرونه على ما خصهم به من الأشجار المحيطة ببلدتهم فضلا عن النعم الأخرى من أموال وأولاد «فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ» لتكذيبهم إياه، راجع قصتهم في الآية 84 من سورة هود المارة. «وَإِنَّهُما» أي أهل الأيكة وأهل مدين لأنه عليه السلام أرسل إليها ولم يرسل نبي إلى قومين قبله مرة بعد أخرى، وإن هاتين المدينتين باق أثرهما مثل قرى قوم لوط «لَبِإِمامٍ مُبِينٍ 79» ظاهر على طريق مستقيم، وسمي الطريق إماما لأن المارة تسلكه فكأنها تتبعه كالإمام الذي يتبعه الناس «وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ 80» صالحا فمن قبله لأن الحجر كانت تسكنه ثمود قوم صالح

«وَآتَيْناهُمْ آياتِنا» التي من جملتها الناقة «فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ 81 لا يلتفتون إليها «وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ 82» من خوف خرابها لقوتها، فكذبوه أيضا وعقروا الناقة «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ 83» مع الصباح حال غفلتهم «فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ 84» من الأموال والأملاك من الله شيئا لإصرارهم على الكفر، وإن قراهم موجودة الآن آثارها ظاهرة للعيان بين المدينة والشام.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا

ص: 311

باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي. وتقدمت القصة أيضا في الآية 62 فما بعدها من سورة هود المارة، قال تعالى «وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما» من المخلوقات الأخرى من نام وجامد «إِلَّا بِالْحَقِّ» لا عبثا ولا باطلا ولا لهوا بل للاعتبار والتفكر ليصدق المؤمن ويجحد الكافر، فيثاب الأول ويعذب الثاني يوم الجزاء المعين لإبادتها «وَإِنَّ السَّاعَةَ» التي يكون فيها خرابها «لَآتِيَةٌ» حقا لا محالة، فيا أكرم الرسل تحمل أذى قومك في هذه الدنيا الفانية، ولا تستعجل عذابهم فهو آتيهم حتما، وإن كل ما يلبثون فيها فهو قليل «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ 85» أي أعرض عنهم مع الحلم عليهم والصبر على أذاهم والإغضاء مع العفو عن مساوئهم معك، وما ذكره بعض المفسرين بأن هذه الآية منسوخة بآية السيف لا وجه له، لأنها عبارة عن أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعامل قومه بالعفو والصفح الخاليين من الجزع والخوف وأن يظهر لهم مكارم أخلاقه الحسنة، وهذه المعاملات اللينة تكون مقدمة للمعاملات القسرية عادة عند اصرار المفترح لهم على كفرهم فأي نسخ فيها رعاك الله، راجع معنى الجميل في في الآية 85 من سورة يوسف المارة «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ 86» بك وبهم فلا يخفى عليه ما يجري بينك وبينهم، لأنه خلق الخلق وعلم ما هم عليه وما هم فاعلون إلى يوم القيامة، قال تعالى (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) الآية 14 من سورة الملك الآتية، وهذه الآية المدنية من هذه السورة، قال تعالى «وَلَقَدْ آتَيْناكَ» يا سيد الرسل «سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي» قبل هي الحواميم السبع، وقيل الصحف السبعة التي أنزلت على الأنبياء قبله، وقيل الأمر والنهي والبشارة والنذارة والأمثال والأخبار وتعداد النعم، والذي عليه أكثر المفسرين هو آيات سورة الفاتحة السبع كما أشرنا إليه في تفسيرها في ج 1 «وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ 87» المشتمل عليها بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله رب العالمين هي السبع الثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيه، وبه قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وعطاء، وناهيك بهم قدوة. هذا وإن السبب في تسميتها سبعا لأنها سبع

ص: 312

آيات، وتسميتها بالمثاني لأنها تثنى أي تكرر في كل ركعة من الصلاة، وسميت قرآنا لإطلاق القرآن على بعض السورة فضلا عن السورة الكاملة، قال تعالى (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) الآية من أول سورة يوسف المارة أي هذه السورة، وقال تعالى أول هذه السورة (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ولم ينزل القرآن كلّه فقد عبّر بالآية الأولى بالسورة عن القرآن، وفي الثانية بالآيات عنه بما يدل على جواز تسمية السورة والآية قرآنا، وما قاله البعض بأن المراد من السبع الفاتحة ومن المثاني القرآن أو أن المراد بالسبع السور السبع الطوال البقرة فما بعدها حتى براءة باعتبارها مع الأنفال سورة واحدة لعدم ذكر التسمية بينهما، أو أن المراد بها القرآن كله أقوال ضعيفة لا يعتمد عليها، والسبب في تسميتها بالمثاني لما ذكرنا ولأنها تكرر في الأدعية أيضا، وما قيل لأنها نزلت مرتين قيل لا قيمة له، وقد مرّ تنيده في تفسيرها في ج 1، والعطف من عطف الكل على الجزء إذا أريد بالقرآن مجموع ما بين الدفتين، وأريد بالسبع المثاني الفاتحة فقط أو من عطف العام على الخاص إذا أريد به المعنى المشترك بين الكل والبعض، وفيه دلالة على امتياز الخاص حتى كأنه غيره كما في عكسه، وإن أريد بها الإشباع فهو من عطف أحد الموضعين على الآخر، قال ابن الجوزي: وسبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع البرّ والطيب والجواهر، فقال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فنزلت. أي الله أعطاكم سبع آيات خير من هذه القوافل السبع.

ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» ولا تطمح بصرك أيها الإنسان الكامل «إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ» أي هذا الذي هو من حطام الدنيا الزائل أصنافا «أَزْواجاً مِنْهُمْ» من أولئك الذين جاء منهم تلك القوافل، وقد فرحوا بها حتى تماها بعض قومك فتتمنى شيئا منه أو مما أوتوا من غيرها من الأموال والأولاد والأملاك لأنك أوتيت النعمة الكبرى التي هي فوق كل نعمة، فاستغن بما أوتيت عما أوتوه فكل شيء دونه، وهذا وإن كان خطابا لحضرة الرسول فإن المراد به قومه الذين تمنوا ذلك، لأنه عليه السلام أبعد عن أن يمد بصره إلى الدنيا

ص: 313

وما فيها لذاتها استحسانا لها وقد يلتفت إليها بالنسبة لكفرهم بالله مع كثرة انعامه عليهم، وقد تأول سفيان بن عيينة قوله صلى الله عليه وسلم من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا، أو ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن، فقال أي لم يستغن به عن غيره من كل ما في الدنيا، هذا من ضعف سبب النزول المذكور أعلا واحتج بأن السورة كلها مكية، وهذه الحادثة وقعت بالمدينة والحال أن هذه الآية مستثناة منها، وقد نزلت بالمدينة كما أشرنا إليه أول السورة، ويضاهي أول هذه الآية الآية 132 من سورة طه المارة في ج 1 «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ» على كفار قومك لتأخرهم عن قبول هداك أو لعدم شكرهم نعم الله، فقد وقع من اتباع الرسل قبلك ما هو مثله وأكثر.

روى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغبطنّ فاجرا نعمته فإنك لا تدري ما هو لاقيه بعد موته إن له قاتلا لا يموت، قيل عند الله وما هو قال النار. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه.

ولمسلم أنظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزوروا نعمة الله عليكم، وجل هذا في المال الذي لا يجمع إلا بخمس خصال:

التعب في كسبه، والشغل عن الآخرة في إصلاحه، والخوف من سلبه، واحتمال اسم البخل دون مفارقته، ومقاطعة الإخوان بسببه وهو مفارقه لا محالة، قال تعالى «وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ 88» ألن جانبك لهم وأرفق بهم، ولا تعنّفهم على كل شيء، ومن جملته تمنّيهم ذلك وإطماح بصرهم إليه، لأنه من طبع محبي الدنيا «وَقُلْ» لهم يا رسولي «إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ» لكم من عذاب الله «الْمُبِينُ 89» لكم وقوعه إذا لم تؤمنوا بالله إيمانا خالصا، والموضح لكم كل ما تحتاجونه من أمر دينكم ودنياكم «كَما أَنْزَلْنا» أي أنذركم من نزول عذاب عظيم كالعذاب الذي أنزلناه «عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ 90» الذين آمنوا ببعض ما أنزل عليهم وكفروا ببعضه، قال تعالى (فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) الآية 85 من البقرة ومثلها الآية 149 من النساء في ج 3، أي أنهم يؤمنون بقسم من القرآن مما يوافق ما عندهم ويكفرون بما يخالفه.

ص: 314