الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن يقتصر على الوعيد ويترك الوعد لأنه ربما قنط الناس فيدخل فيما ذكر، قال صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا. أي يسروا على الناس بذكر ما يؤلفهم لقبول الموعظة، لأن التيسير في التعليم يورث قبول الطاعة ويرغب في العبادة، وبشروا بفضل الله وعظيم ثوابه، وسعة رحمته، وشمول عفوه، وجزيل عطائه ومغفرته، ولا تعسروا في كل الأوقات ولا تنفروا عباد الله بما تشددون عليهم من الزجر والوعيد فيقنطوا أو ييأسوا، فتتسببوا في إضلالهم «وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» .
أمر الله عباده باتباع الأحسن بعد أن أمرهم بالتقوى ووعدهم بالمغفرة إعلاما بأنه تعالى يريد منهم ما هو أكثر ثوابا وأعظم أجرا، وقد ذكرنا ما يتعلق بالأحسن في الآية 18 المارة من هذه السورة وبينا فيها ما يراجع بذلك ففيه كفاية.
مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:
ولا يخفى أن الأحسن يكون في الأوامر والإرشادات إلى خير الدارين والأحكام والحدود وإصلاح ذات البين لا في القصص والأخبار والعبر والأمثال بما وقع من الأقدمين، هذا من جهة، ومن أخرى فإن أحسن ما أنزل الله من الكتب السماوية وأجمعها وأفضلها هو هذا القرآن المجيد لقوله تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) الآية 24 المارة، وعليه فيكون المنزل ثلاثة أصناف: ذكر جل شأنه في القرآن الأحسن يؤثر على غيره ويؤخذ به، والأدون منه لئلا يرغب فيه، والقبيح ليجتنب، ولهذا يجب على الخلق كافة اتباع ما في القرآن من الأحكام الحسن منها والأحسن، لأنه ناسخ لما تقدمه مما يخالفه منها، وعليه فإن الخطاب في هذه الآية عام لكل الأمة، لأنه أنزل للأمة أجمع، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بدعوة من على وجه الأرض كلهم، فمن أجاب فهو من أمة الإجابة، ومن أبي فهو من أمة الدعوة، فهلموا عباد الله لإجابة دعوة ربكم «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ 55» بأن يفاجئكم على حين غرة وأنتم غافلون فتعتذرون ولا يقبل منكم، قال صلى الله عليه وسلم:
إياكم وما يعتذر منه، وهو «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ» حين ترى أهوال القيامة
وفظايع العذاب «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ» أي حق الله وأمره وطاعته، وهذا مما يطلق عليه الجنب، قال القائل:
أما تتقين الله في جنب وامق
…
له كبد حرى عليك تقطع
أي الجانب المؤدي لرضائه كالتقصير في الطاعات ومخالفة الأوامر والتفريط في حقوق الغير وفي كل ما يتعلق به حق الله تعالى وحق عباده وحيواناته لأن لكل حقا، قال صلى الله عليه وسلم اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، أي من الإماء والحيوان بأن تحمل فوق طاقتها أو تضرب بدون تقصير، وجاء في الخبر: يعاقب ضارب الحيوان بوجهه لا بوجهه إلا بوجهه حيث يضرب على النفار لا على العثار، لانه يكون غالبا من إهمال الراكب. قال تعالى حكاية عن هذه النفس المفرطة «وَإِنْ كُنْتُ» في الدنيا «لَمِنَ السَّاخِرِينَ 56» بمن يحذرني هول هذا اليوم وينصحني عن التفريط في ضياع عمري سدى، وهذه الجملة ترددها كل نفس فرطت في دنياها ندما وحزنا وغما على ما فاتها من عمل صالح وقول مرشد وقبول إرشاد «أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي» للتقوى وقبول نصح الناصحين «لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ 57» الشرك ودواعيه في الدنيا ولم يحل بي العذاب الآن في الآخرة «أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ» عند طرحها فيه بشدة وعنف وتذوق ألمه «لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً» عودة إلى الدنيا «فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 58» فيها إلى نفسي وإلى الناس أجمع باتباع أوامر ربي وطاعة رسله وهكذا يتمنى هذه الأماني وغيرها، ولكن في غير وقتها والتمني رأسمال المفلس، لهذا فإن الله تعالى يرد تمنياته ولا يقبل أعذاره ويخاطبه أن الأمر ليس كذلك «بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي» في الدنيا وأرسلت إليك رسلي فطلبوا منك الانقياد لأوامري وسلوك سبل هدايتي وبلغوك كتي فأبت نفسك الخبيثة إلا عصياني وأعرضت «فَكَذَّبْتَ بِها» وبمن جاءك بها «وَاسْتَكْبَرْتَ» وأنفت عنها وتعاليت عليها واستهزأت بها عدا التكذيب والجحود «وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ 59» بها وبمن جاءك بها والآن جئت تتمنى الاماني الفارغة بقبول اعتذارك وجوابها أن يقال لك اخسأ ولا تتكلم، راجع الآية 108 من سورة المؤمنين الآتية ففيها بحث نفيس «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ» يا سيد الرسل «تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى
اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ»
سوادا بشعا شنيعا لا يقاس بما تراه من تراه من سواد الدنيا فهو نوع مكروه قبيح منتن والعياذ بالله، والجملة من المبتدأ والخبر حال اكتفى فيها بالضمير عن الواو وعلى أن ترى فيها بصرية لا اعتقادية أما إذا كانت عرفانية قلبية فالجملة في محل نصب مفعول ثاني لها «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ 60» عن آياتي والإيمان برسلي وكتبي، بلى وجاهه فيها منازل شتى الواحد منها أشر من الآخر يأوي إليها أمثال هؤلاء
«وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ» بظفرهم وفلاحهم وبلوغهم المقصد الهنيء الأسنى، لأنهم قطعوا مفازات الجهل بميثاق الطاعات، والمفازة الطريق بالجبل وهي من الأضداد لأنه الطريق الوعر فإذا قطعه فاز بمقعده وبلغ الراحة «لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ» هو كل ما تستاء منه النفس وأعظمه عذاب النار وهو المراد هنا والله أعلم لمناسبة المقام إذ لكل مقام مقال «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 61» على ما فاتهم في الدنيا لأنهم رأوا خيرا منها ولا يصيبهم أذى يؤدي إلى حزنهم ولا ينال قلوبهم غم يسبب حزنهم بل يكونون فرحين مسرورين بما آتاهم «اللَّهُ» ربهم من فضله العميم الواسع كيف لا وهو «خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» مما هو كائن أو سيكون في الدنيا والآخرة من خير وشر وإيمان وكفر في خلقه لا بطريق الجبر بل بمباشرة المتصف بها والمتعرض لأسبابها، وفي هذه الآية ردّ صريح على المعتزلة ومن نحا نحوهم المنزهين الله عن خلق الشرور وإرادة الكفر، راجع ما يتعلق في هذا البحث في الآية 40 من سورة الأنعام المارة «وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ 62» فهو القائم بحفظ الأشياء كلها والمتصرف بها كيف يشاء بمقتضى الحكمة وفق ما هو سابق في علمه، فأمر كل شيء موكل إليه دون منازع أو معارض أو مشارك، وتدل هذه الجملة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها لو وقعت بخلقهم لكانت موكولة إليهم فلا حجة للمعتزلة أيضا فيها وهم القائلون بخلق أفعال العبد نفسه.
واعلم أن صدر هذه الأمة لم يختلف في أفعال وأعمال العباد بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام فبين الله تعالى في هذه الآية أنها كلها من خلقه والشيء الوارد من الآية عام يدخل فيه كل ما يتقولون عنه «لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» مفاتح خزائنها بيده جل جلاله وهما وما بينهما
وفوقهما وتحتهما ملك لعظمته يتصرف فيهما وبما فيهما كيفما يشاء ويختار. وكلمة مقاليد قيل إنها فارسية معربة من إقليد قال الراجز:
لم يوذها الديك بصوت تغريد
…
ولم يعالج غلقها باقليد
والصحيح أنها عربية لتكلم العرب بها قبل نزول القرآن، وقدمنا ما يتعلق بجميع هذه الكلمات الموجودة في القرآن العظيم في الآية 182 من سورة الشعراء في ج 1 فراجعها، والمراد في المقاليد هنا والله أعلم ما ذكرناه من أنه لا يملك أمرهما ولا يتمكن من التصرف فيهما غيره، إذ لا يقدر على ذلك إلا الله، كما أنه لا يقدر على حفظهما وما فيهما غيره. هذا، وقد أخرج ابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وغيرهم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فقال لا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله والحمد لله أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شي قدير. وجاء في رواية ابن مردويه عن ابن عباس مثله بزيادة كثيرة. وهناك خبر آخر عن ابن عمر بمعناه أيضا وأخبار أخر لم نعتمد صحتها، وعليه يكون المعنى أن لله تعالى هذه الكلمات يوحّد بها سبحانه ويمجّد وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها من المؤمنين أصابه ذلك الخير، ووجه إطلاق المقاليد على هذه الكلمات أنها موصلة إلى الخير كما توصل المفاتيح إلى ما في الخزائن، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم شيئا من الخير لمن يقولها في حديث ابن عباس وهي عشر خصال لمن قالها في اليوم مئة مرة 1 أن يحرس من إبليس وجنوده، 2 أن يعطى قنطارا من الأجر 3 أن يتزوج من الحور العين، 4 أن تغفر ذنوبه، 5 أن يكون مع سيدنا إبراهيم عليه السلام، 6 أن يحضر موته اثنا عشر ملكا يبشرونه بالجنة، 7 ويزفونه من قبره إلى الموقف كما تزف العروس، 8 أن يحفظ من هول الموقف، 9 أن يعطى كتابه بيمينه 10 أن بمر على الصراط ويدخل الجنة. والحديث بتمامه بالدر المنثور والله تعالى على كل شيء قدير فيعطي لمن يشاء هذا الفضل على هذه الكلمات وأقل منها وبلا شيء أيضا إذا شاء وقد ألمعنا إلى مثل هذا في الآية 59 من سورة الأنعام المارة وله صلة في الآية 198 من سورة