الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان نباتا أو معدنا، لأن المعادن كلها موزونة، ولا يقال إن موزون لا يعود إلى النبات، لأن النبات لا بوزن بل يعود إليه أيضا، ولأن ما يحصل من النبات منه ما هو موزون، وفيه ما هو مكيل والكيل يرجع إلى الوزن. واعلم أن هذه الآية تشير إلى ما يسميه علماء هذا العصر بالثقل النوعي، فالإخبار به في عصر نزول القرآن من المعجزات العظام إذ لا يوجد من يعرف إذ ذاك ممن عاصر حضرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في مكة وحواليها بأن كل شيء يخرج من الأرض والجبال والأودية مائع أو جامد له ثقل مختص به لا يشاركه غيره فيه، فثقل الذهب النوعي 5/ 19 والفضة 5/ 10 والنكل 28/ 9 والزئبق 59/ 12 والراديوم الذي عنصره مثل عنصر الزئبق يشبه ملح الطعام، ولا يوجد منه في العالم كله (كما يزعمون) إلا بضع أوقيات، وقد اهتم العلماء به لأنه يشع حرارة وضوءا لا ينطفىء ولا يبرد مهما مضى عليه من السنين، فكأنه شمس تحتوي على كمية كبيرة منه، ويستخرج من مادة تدعى بنسيلند توجد في مناجم الرصاص والفضة والقصدير، وهلم جرا في بقية الأجسام والمائعات المختلفة في الوزن كما هي مختلفة بالنوع والصفة، وهذا برهان قاطع على علائم نبوته صلى الله عليه وسلم وكما يطلق لفظ موزون على ذلك يطلق على الكلام المتناسب. قال عمرو بن ربيعة في هذا:
وحديث النوى وهو مما
…
تشتهيه النفوس بوزن وزنا
وأبواب الشعر لها أوزان مخصوصة أبلغوها إلى ستة عشر عدا الرجز كما هو مبين في علم العروض «وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ» تنمون بها حياتكم «وَمَنْ» ولمن على تقدير الجار، لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، وعليه فلا يكون محل من مجرورا بالعطف على الكاف من لكم فيكون المعنى ومعايش لمن «لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ 20» من العيال والخدم والعبيد والدواب والطيور والحيتان والوحوش والديدان وغيرها.
مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:
فإن الله تعالى يرزق خلقه كافة، وأنتم تنتفعون من مخلوقاته تلك من غير أن
ترزقوها، لأن الله يرزقكم وإياها، فلا تظنوا أنكم الرازقون لها ولما خولكم منها.
وكلمة معايش لم تكرر إلا في الآية 9 من سورة الأعراف المارة في ج 1،
«وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ» من كل ما يطلق عليه لفظ شيء وتخصيص بعض المفسرين كلمة شيء هنا بالمطر تحكم وتقيبد لا معنى لهما، أي لا يوجد في الكون شيء «إِلَّا عِنْدَنا» نحن إله الكل وخالق الكون بما فيه ورازقه «خَزائِنُهُ» من كل ما يحتاجه البشر والحيوان والطير والحوت والدود وهو جمع خزانة بكسر الخاء، ومن نوادر ما قالوا لا تفتح الخزانة ولا تكسر القصعة وهي اسم للمكان والمحل الذي يحفظ فيه نفائس الأموال والحلي «وَما نُنَزِّلُهُ» من تلك الخزائن الموجودة في علمنا «إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ 21» معين لكل شيء مما خلقناه لكل منها ما يناسبها بقدر كفايته حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة وتريده المشيئة مع إمكان إنزال ما يزيد على الحاجة، لأن خزائنه تعالى لا تنفد وإمكان ما ينقص عن الحاجة لأمر يريده، راجع الآية 26 من سورة الرعد الآتية. هذا وان ما يرى من كثرة الرزق عند بعض الناس فهو عبارة عن حفظه لديهم لغيرهم، لأنهم لا يرزقون منه إلا بقدر ما قدر لهم منه مما تستوجبه المصلحة، وما يرى من قلته على أناس فهو أيضا بتقديره تعالى لأمر يريده بهم، لأنه يعلم أنه لو نقص على الأول وزاد للآخر لضرّ بهما، قال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) الآية 27 من سورة الشورى، وكذلك لو قتّر على بعض عباده لبغى بعضهم على بعض، فقد جاء في الحديث القدسي: ومنهم من إن أعنيته لبغى، ومنهم من إن أفقرته لكفر. ولهذا فإنه تعالى يعطي كلا ما يناسبه كي لا يبغي الفقير ولا يكفر الغني المترتب على الحكمة فقرهم وغناهم، وما قيل إن المراد بالخزائن هنا المطر لأنه سبب الأرزاق لجميع المخلوقات ينفيه لفظ الآية، والمطر داخل فيه لأنه مما يحتاجه الخلق، وقد ضرب الله الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور، وتطلق الخزانة على الصّندوق الحديدي الذي يخزن فيه الذهب والفضة وغيرها، وعلى الخزانة الخشبية التي تحفظ فيها الألبسة وغيرها، قال تعالى «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» حوامل بالسحاب ضد العقيمة لأنها تحمل السحاب في جوفها من بخار الماء ثم تدرّه كما تدر
اللقحة ثم تمطر، وهو معنى قوله تعالى «فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ» بأن جعلناه لكم ولأنعامكم وأراضيكم، ويدخل فيه جميع مخلوقاته سقيا من نتاج الرياح المذكورة «وَما أَنْتُمْ لَهُ» لهذا الماء أيها الناس «بِخازِنِينَ 22» في ذلك الفضاء الواسع بل نحن نخزنه فيه ونمنعه من الهبوط إلا على المكان الذي نريده، وفي الزمان الذي نشاؤه، وبالقدر الذي خصصناه، ولولا إمساك الله إياه لهبط كما ارتفع، لأن الماء ثقيل ومن طبع الثقيل الهبوط إلى الأسفل، وهذا هو معنى خزنه وادخاره لوقت الحاجة، وهذا من معجزات القرآن العظيم، لأنه يوم نزوله ما كان بشر يعلم أن الرياح تهب حبالى من بخار المياه، وتلد السحاب في جو السماء، وتسقينا من نتاجها الذي تخزنه يد القدرة الإلهية. قال ابن عباس: لواقح للثمر والنبات، فتكون كالفحل. ولم يأت لفظ الرياح في القرآن إلا في الخير، ولا لفظ الريح إلا في الشر حالة الإطلاق، ولكن إذا قيدت تتبع قيدها، قال تعالى (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) الآية 22 من سورة يونس المارة، يدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال:
اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به. وروى البغوي بسنده إلى الشافعي أن ابن عباس رضي الله عنهم قال: ما هبت ريح قط إلا جنى النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها ريحا ولا تجعلها ريحا. وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً) الآية 20 من سورة القمر المارة في ج 1، وقال جل قوله (أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) الآية 42 من الذاريات الآتية.
وقال عزّ قوله (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الآية 57 من الأعراف المارة في ج 1، والرياح اللواقح هي ريح الجنوب لما جاء في بعض الأخبار ما هبت رياح الجنوب إلا وانبعت عينا غدقة، وأخرج بن جرير عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله تعالى المبشرة فتقم الأرض قمّا ثم يبعث المثيرة فتنثر السحاب فيجعله كسفا ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فتجعله ركاما، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر.
ولهذا البحث صلة في الآية 16 من سورة النور في ج 3، وقد مرّ له بحث في
الآيات المنوه بها أعلاه. قال تعالى «وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي» الأجسام القابلة للحياة بإيجاد الحياة فيها «وَنُمِيتُ» من نحييه عند انقضاء أجله المقدر له بإزالة تلك الحياة التي جعلناها فيه فالحياة صفة وجودية تقتضي الحس والحركة الإرادية، والموت زوال تلك الصفات المادية عنها «وَنَحْنُ الْوارِثُونَ 23» لما نخلق، الباقون بعد فناء ما نخلق قاطبة، المالكون للملك الحقيقي عند زوال الملك المجازي الذي هو في قبضتنا أيضا لأنا نحن الحاكمون في الكل أولا وآخرا.
وتفسير الوارث بالباقي نصا على حد قوله صلى الله عليه وسلم اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا لأن الذهن يصرف معنى الوارث للمتأخر من المتقدم والله تعالى هو الأول والآخر قال تعالى «وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ» ولادة وموتا «مِنْكُمْ» أيها المخلوقون «وَلَقَدْ عَلِمْنَا» أيضا «الْمُسْتَأْخِرِينَ به 24» كذلك إلى النهاية من جميع مخلوقاتنا النامية والجامدة، ونعلم أيضا طائعهم وعاصيهم لا يخفى علينا شيء من أمرهم، والآية عامة، فما روي عن حمزة أنها نزلت في القتال قول لا يصح، لأن الجهاد لم يفرض بعد، وكذلك ما قاله الربيع أنس من أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّض على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه، وكان بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد، فقالوا نبيع دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد، فأنزل الله هذه الآية، لا يصح أيضا، لأن هذه الآية مكية قولا واحدا، وليس في مكة إذ ذاك إلا الكعبة المشرفة، والمسجد لم يتخذ إلا في المدينة، وكذلك القتال للكفرة لم يؤمر به إلا بالمدينة. هذا وأن ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه من أنه كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون بالصف الأول لئلا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت أبطيه، فأنزل الله هذه الآية لا يصح أيضا للسبب نفسه، وأن شمولها لما يتعلق بالجهاد وصفوف الصلاة وغيرها بعد نزولها لا يعني أنها سبب للنزول البتة، لأن اللفظ عام ولا يوجد ما يقيده من شيء، ولم يسبق ذكر للجهاد والصلاة، والعبرة دائما لعموم اللفظ إذا كان هناك سبب، فلأن تكون العبرة لعموم اللفظ بلا سبب