المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

(فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) الآية من آخر سورة المؤمن الآتية، وتقدم ما يتعلق في هذا البحث في الآية 137 من سورة الشعراء المارة ج 1، وله صلة في آخر سورة المؤمن المذكورة، وفي الآيتين 16/ 17 من سورة النساء في ج 3.

واعلم أن قول فرعون لا يدل على الإخلاص بل يقيد التشكيك، لأنه لم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو، ولم يقل كما قالت السحرة (آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) الآية 120 من سورة الأعراف المارة في ج 1، وأن قوله (آمنت بالذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ) هذا دليل على عدم اعتقاده صحته، لأنه كان دهريّا ينكر الصانع الأعظم، ولذلك ادعى الربوبية على قومه الذين يعبدون الأوثان، فلم تنفعه توبته ولا إيمانه، لأنه لم يجنح إليها إلا بعد انفلاق بابهما بحضور الموت بصورة لم يبق معها له أمل بالنجاة منه، ولو أراد الله لوفقه لهما عند رؤية معجزة انفلاق البحر، إذ كان في الوقت فسحة ولكن من يرد الله خذلانه فلا هادي له.

‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

قال تعالى «آلْآنَ» تركن إلى الإيمان وقد ضيعت وقته، لا لا سبيل لك إليه «وَقَدْ عَصَيْتَ» ربك وبغيت وتطاولت بادعائك الألوهية «قَبْلُ» هذا الوقت وقد دعيت للإيمان سنين كثيرة ولم تجب دعوة رسولنا، ولم ترجع إلينا، أما الآن وقد اضطررت في وقت اليأس من الحياة فلا سبيل لإجابة طلبك الإيمان لإعراضك عنه في وقته «وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ 91» في أرض الله وعباده وبلاده، وأهنت رسلي وتجبرت على عبادي. والحكمة في عدم قبول إيمان اليائس هو أن الناس إذا صاروا في تلك الحالة يضطرون إلى الإيمان ليخلصوا من العذاب، فلو قبل منهم لآمن كل أتباع الرسل المتقدمين، ولما أهلك الله منهم أحدا فتتعطل الحكمة المرادة من تعذيب الكافر وتنعيم المؤمن، لأنه إذا قبل إيمان الكافر عند آخر رمق من حياته يتساوى مع المؤمن بنعيم الجنة، وهذا مخالف لإرادة الله ووعده ووعيده، ولهذا اقتضت إرادته الأزلية بعدم الانتفاع بإيمان اليائس، وعند نزول العذاب الذي لا محيد عنه لتحصل ثمرة التفاوت بين المؤمن والكافر، وكذلك

ص: 72

لا تقبل التوبة في الآخرة مطلقا لأنها من قبيل العمل المقرب إلى الله، ولا عمل في الآخرة وإلا لآمن كل كافر وتاب كل عاص، ولانتفت الحكمة من خلق النار والعذاب. قال تعالى «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ» فنلقيك على نجوة من الأرض، والنجوة المكان المرتفع، فألقي على الساحل كأنه ثور، وإنما قال ببدنك أي جسمك كاملا لم ينقص منه، شيء ليراك ويعرفك من كنت تتأله عليه، وأنت جسد بلا روح، وقيل ببدنك بدرعك المعروف عند قومك، وكان من ذهب مرصع بالجواهر ومن هنا يقول أهالي دير الزور للجية الثمينة بدن وهي لم تكرر في القرآن، ويفهم من هذا أنه كان لا تطوف العروس التي كانوا يطرحونها في النيل لأجل فيضانه «لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» أي إنما قذفناك ببدنك الذي كنت تعرف به لتكون علامة لمن وراءك، لأنهم كانوا لا يصدقون أن فرعون يموت، إذ مر عليه أربعمائة سنة في الملك لم تصبه شوكة، فلما رأوه جئة هامدة منتنة صدقوا أنه عبد مثلهم ليس بإله، فيعتبرون عند ما يرونه في غاية الخسّة بعد أن كانوا يرونه في نهاية العظمة، وقال بعض المفسرين تكون آية لمن يأتي بعدك من القرون المستقبلة، وعليه يتجه القول الآن بأن هذا من الإخبار بالغيب، إذ عثر على قبره في مصر سنة 137 وحفظ في متحف مصر حتى الآن، وتكون معجزة عظيمة من معجزات القرآن العظيم، إذ أن التوراة تذكر موته غرقا ولم تذكر جثته، والإنجيل لم يأت بشيء عن ذلك، وظل الذين لا يصدقون بالقرآن ينكرون خروج جثته الثابت بصراحة حتى تاريخ إخراجها، فظهر أمر الله وخذل الجاحدون وأسلم من الأمريكان إذ ذاك ما ينوف عن تسعين رجلا في شهر اكتشافه، وربما أسلم خلق كثير بعده عند ظهور كوامن هذا القرآن الجليل الحاوي على ما في الدنيا والآخرة من وقائع وأقوال وأعمال «وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا» هذه وأضرابها مما كان وسيكون «لَغافِلُونَ 92» عنها تلئهون مائلون عن التعرض إليها زائغون عن منهج الحقائق. روي أن جبريل عليه السلام قال لفرعون وهو بصورة رجل من قومه ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفرها وجحد حقه وادعى السيادة عليه دونه؟ فكتب له الجواب. يقول أبو العباس

ص: 73

الوليد بن مصعب الريان: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمائه أن يغرق في البحر. قال فلما الجملة الغرق ناوله جبريل فتواه بخطه فعرفه وقال ما قال.

ولا بعد في هذا لأن الله أرسل إلى داود من استفتاه بشأن المرأة التي أخذها كما مرّ في الآية 24 من سورة ص في ج 1، فحكم على نفسه بنفسه وهو نبي مرسل فلأن يرسل إلى هذا الخبيث لتحق عليه الكلمة بفعله القبيح من باب أولى.

وروي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما أغرق الله فرعون قال (آمَنْتُ) إلخ قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حبال البحر فأذسه في فيه مخافة أن تتداركه الرحمة- أخرجه الترمذي وقال حديث حسن-. وفي رواية أخرى عنه عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ذكر أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن جبريل عليه السلام جعل يدس في فيّ فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله، أو خشية أن يرحمه الله- أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح-. وبما أن هذا الحديث مشكل في ظاهره فيحتاج إلى إيضاح في صحته ومعناه، أما صحته فقد ورد من طريقين مختلفين عن ابن عباس، الأول عن ابن زيد بن جدعان وهو شيخ نبيل صالح صادق، ولكنه كان سيء الحفظ ويغلط، ولهذا ضعفه يحيى بن معين وغيره، والحديث الثاني إنما يضعف إذا لم يتابع عليه أو إذا خالفه الثقات، وكلا هذين الأمرين منتف فيه لأن في الطريق الآخر شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير، وهو إسناد على شرط البخاري، ورواه أيضا شعبة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، وعطاء ثقة قد أخرج له مسلم وما تكلم في عطاء من قبل اختلاطه انما يخاف منه إذا انفرد به أو خولف فيه، وكلاهما منتف أيضا، فعلم أن هذا الحديث له أصل ثابت وأن رواته ثقات (وليس في قول ذكر أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم شك في رفعه) وإنما هو جزم بأن أحد الرجلين رفعه، وشك شعبة في تعيينه بأنه هل هو عطاء أو عدي، وبما أن كلا منهما ثقة فإذا رفعه أحدهما وشك الآخر في تعيينه لم يكن هذا علة في الحديث، وكلمة حبال البحر في الأول وطينه في الثاني لا تكون مباينة، لأن حبال البحر طينه، فالمعنى في الروايتين واحد، فلا يصح الاعتراض عليه بعد

ص: 74

أن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بالوجه المار ذكره. أما صحة معناه فلا غبار عليها، لأن أهل السنة المثبتين القدر القائلين بخلق الأفعال لله تعالى وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه يحول بين المرء وقلبه كما في الآية 24 من سورة الأنفال في ج 3، فهو تعالى يحول بين الكافر والإيمان بدليل هذه الرواية، وقوله تعالى أيضا:

(وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ) الآية 155 من سورة النساء في ج 3، وقوله تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الآية 111 من سورة الأنعام الآتية، وقوله تعالى (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) الآية 101 من الأعراف المارة في ج 1، وهكذا فعل جل شأنه بفرعون إذ منعه عن الإيمان جزاء تركه إياه، ودس الطين في فمه من قبل جبريل عليه السلام من جنس الطبع والختم على القلب، ففعله هذا مع فرعون عليه اللعنة من هذا القبل، ولم يكن إلا بإرادة الله الملك الجليل، وغاية ما فيه أن يقال إن الله منع فرعون من الإيمان عقوبة على كفره السابق، وما قيل إنه لا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة بل كان عليه أن يعينه عليها، هو قيل قد يكون سديدا إذا كان جبريل مكلفا مثلنا يجب عليه ما يجب علينا، أما إذا كان ليس كذلك وإنما يفعل ما أمره الله به وهو الذي منع فرعون من الإيمان، وإنما جبريل منفذ لأمره ليس إلا، فكيف لا يجوز له منع من منعه الله وكيف يجب عليه اعانة من لم يعنه الله، وقد أخبر عنه بأنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، وقد قضت حكمته أن لا يقبل الإيمان في مثل حالة فرعون، ولما كان في أفعال الله تعالى قولان أحدهما أنها لا تعلل وأن تعليلها محال، فعلى هذا لا يرد شيء من هذا أصلا، ولم يبق إشكال في معنى الحديث، والقول الثاني أن أفعاله تبارك وتعالى لها غاية بحسب المصالح، فعلها لأجلها، وكذا أوامره ونواهيه، لها غاية محمودة لأجلها أمر بها، ونهى عنها، وعلى هذا يقال لما قال فرعون (آمَنْتُ) إلخ، وقد علم جبريل بإعلام الله إياه أنه ممن حقت عليه كلمة العذاب، وأن الوقت المقبول فيه الإيمان نفد، وأن إيمانه في غير الوقت المحدد له لا ينفعه، دسّ الطين في فيه لتعجيل ما قد قضى عليه، وسد الباب عنه سدا محكما بحيث لا يبقى للرحمة فيه منفذ، ولا يبقى من

ص: 75

عمره متسع للإيمان المقبول، فيكون عمل جبريل تكميل لما سبق في حكم الله عليه وتنفيذ لما أمره به وقدره وقضاه على فرعون، وهو سعي في مرضاة الله، وما قيل إن في منعه من التوبة كفرا لأنه رضي ببقائه على الكفر والرضاء بالكفر كفر لا وجه له لما قدمنا من الإضلال والهدى بمشيئة الله تعالى، وجبريل إنما يتصرف بأمر الله وقد فعل ما أمر به والرضاء بالأمر غير الرضاء بالمأمور فأي كفر يكون هذا؟

على أن الرضاء بالكفر إنما يكون كفرا بحقنا لأننا مأمورين بإزالته بحسب الإمكان فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفرا بحقنا مخالفتنا ما أمرنا به، وإن من ليس بمأمور كأمرنا، ولا مكلفا تكليفنا، بل يفعل ما يأمره سيده ربه كالملائكة، فإنه إذا نفذ ما أمره به ربه لم يكن راضيا بالكفر ولا يكون كفرا بحقه، وما قيل كيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بمنع فرعون من الإيمان فقول سخيف لأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل، فإذا علم هذا ويقول كيف فهو سخيف، وإذا لم يعلم فهو جاهل جهلا مركبا، هذا وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل عليه السلام ما أبغضت شيئا من خلق الله تعالى مثل ما أبغضت إبليس يوم أمر بالسجود فأبى أن يسجد، وما أبغضت شيئا أشد بغضا من فرعون فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتعصم بكلمة الإخلاص فينجو، فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت الله تعالى عليه أشد غضبا مني فأمر ميكائيل فأتاه فقال (آلْآنَ) إلخ، قال تعالى «وَلَقَدْ بَوَّأْنا» وطنّا وأنزلنا «بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ» منزلا محمودا صالحا مرضيا وصفه بالصدق، لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق فتقول رجل صدق وقدم صدق، راجع الآية الثانية من هذه السورة، وذلك أن الشيء إذا كان كاملا لا بد وأن يصدق الظن به، وهذا المكان هو مصر والشام والقدس والأردن، وهي بلاد الخصب والبركة، ومن أحسن بقاع الأرض وأخيرها نتاجا، فالكامل فيها لا يضاهيه كامل في غيرها، ولهذا كانت مهبط الأنبياء ومهاجرهم ومدافنهم فيها، وناهيك به شرف «وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» اللذائذ الحلال من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن ومركوب «فَمَا اخْتَلَفُوا»

ص: 76

في أمر دينهم، بل ثابروا عليه وتمسكوا به «حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ» بالوقوف على إلهام التوراة فاختلفوا بتأويلها زمن نزولها كما اختلفوا أخيرا في نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فمنهم من آمن بهما ومنهم من كفر، لذلك يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم «إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 93» من الحق وإذ ذاك يميز بين المحق والمبطل، ويجزى كلا بما بستحقه، فيدخل من آمن وصدق الجنة، ومن كفر وجحد النار.

مطلب معنى الشك المخاطب به محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الصدق والأراضي المباركة والآيات المدنيات:

«فَإِنْ كُنْتَ» يا سيد الرسل «فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ» في هذا القرآن على سبيل الفرض والتقدير، لأن الشك في ذلك لا يتصور منه وقوعه لا نكشاف الغطاء له صلى الله عليه وسلم، ولذا عبّر بان التي تستعمل غالبا فيما لا تحقق له ولا جزم بوقوعه، حتى إنها تستعمل غالبا فيما لا تحقق له ولا جزم بوقوعه، حتى إنها تستعمل في المستحيل عقلا وعادة كما في قوله سبحانه (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) الآية 82 من سورة الزخرف الآتية، وقوله تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ) الآية 26 من سورة الانعام الآتية ولم يعبّر في هذه الآيات بإذا لأنها تفيد الجزم بوقوع الشرط بعدها، وصدق القضية الشرطية لا يتوقف على وقوعها، أي إن كنت في شك مما قصصناه عليك من قصة فرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل «فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» وهم الأخبار والعلماء والربانيون العارفون بالتوراة والإنجيل والزبور، فإنه محقق عندهم لا مرية فيه لأنها مدونة في كتبهم بعضا باللفظ وبعضا بالمعنى وأخرى بالإشارة وطورا بالعبارة وتارة بالرمز ومرة بالامارة، وخص هذا السؤال بالقصص لأن الأحكام القرآنية قد تخالف ما عند أهل الكتاب، لانها ناسخة لكثير منها ومغايرة لها، إذ جاءت موافقة لعصره صلى الله عليه وسلم فما بعده إلى يوم القيامة، بخلاف الأحكام الموجودة في كتبهم، إذ لم تكن صالحة لذلك، والشك لغة خلاف اليقين وهو اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين أو لعدم الأمارة، وهو ضرب من الجهل وأخص منه،

ص: 77

فكل شك جهل وليس كل جهل شكا، فإذا قيل فلان شك في هذا الأمر فمعناه توقف فيه حتى يتبين له فيه الصواب أو خلافه، وظاهر هذا الخطاب لسيد المخاطبين محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن المراد به غيره على حد قوله تعالى (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) الآية 81 من سورة القصص المارة في ج 1 ومثلها الآية 65 من سورة الزمر الآتية وما يشابهما من الآيات، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يصده صاد عن آيات ربه، فثبت أن المراد غيره بمعنى إياك أعني واسمعي بإجارة، فيكون المعنى قل أيها الإنسان إن كنت في شك مما أنزل علي فاسأل أهل الكتاب يخبرونك بصدقه، يدل على هذا قوله تعالى آخر هذه السورة (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) فلا يقال والعياذ بالله تعالى أن الرسول شاكّ في نبوته أو فيما أنزل عليه، حاشا ثم حاشا، لأنه يوجب سقوط الشريعة معاذ الله، ولكان غيره بالشك أولى وهو لا يجوز البتة، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم قط ولم يسأل، إذ قال لا أشك ولا أسأل، وعامة المفسرين على هذا، فاحذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين من ذكر الشك والصاقه بحضرة الرسول بداعي أنه من البشر، فإنه لا يجوز أصلا، نعم إنه بشر ولكنه قال مرارا إني لست كأحدكم، وعبر قول الناظم:

محمد بشر وليس كالبشر

بل هو جوهرة والناس كالحجر

وفي هذه الآية تنبيه على أن من خالجته شبهة في أمر دينه فليراجع من يزيلها عنه من أهل العلم وليسارع إلى ذلك، قال تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الآية 44 من سورة النحل الآتية ولا يعتمد على علمه، فكم زل عالم، وليعلم أن الاعتماد على النفس غرور وخيلاء وليتأمل قوله تعالى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) الآية 76 من سورة يوسف الآتية ليدفع عن قلبه ما طرأ له بالبرهان من قوانين الدين وأدلته ومباحث العلماء العارفين فيه، وبما أن هذه الآية مدنية والآيتين اللتين بعدها كذلك، فإن المراد بالذين يقرأون الكتاب والله أعلم هم عبد الله بن سلام وأصحابه الموثوق بأخبارهم، ولا يخفى أن منطوق الآية عام شامل لمؤمنهم وكافرهم، لأن القصد في هذا الإخبار بصحة هذه القصص، والإخبار

ص: 78

بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهما مدوننان في كتبهم وموضح فيها بعض تلك القصص ونعت حضرة الرسول، ومهما بالغوا في الكذب والإنكار لا يستطيعون جحدها خشية تكذيبهم أمام قومهم، وهم عرب يتحاشون عنه، إلا أنهم يبالغون في كتمها مهما أمكن. هذا وقال بعض المفسرين إن الخطاب في الآية لحضرة الرسول يشمل كافة الخلق على حد قوله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) الآية الأولى من سورة الطلاق في ج 3 وهو حسن، لكن فيه بعدا لأنه متى قيل إنه داخل في هذا الخطاب كان الاعتراض بما قدمناه موجودا والسؤال عنه واردا، وقال بعضهم أن (إن) في الآية نافية والمعنى ما أنت في شك حتى تسأل، فلا تسأل، ولئن سألت لازددت يقينا، ولكنه خلاف الظاهر، وقيل إن الشك هنا بمعنى الضيق، أي إن ضقت ذرعا من أذى قومك فاسأل إلخ الآية، وليس بشيء، لكونه خلاف الظاهر أيضا، وقيل إن الخطاب ليس له أصلا، لأن الناس كانوا في زمنه ثلاث فرق: مصدقون وهم المؤمنون، ومكذبون وهم الكافرون، وشاكون وهم المترددون، فخاطبهم الله تعالى بقوله فإن كنت أيها الإنسان في شك من الهدى الذي أنزلناه على نبينا ومما أخبر به من القصص، فاسأل أهل الكتاب يدلوك على صحته، وإنما وحد الضمير وهو يريد الجمع، لأن الخطاب لجنس الإنسان كما في قوله تعالى (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) الآية 7 من سورة الانفطار وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً) الآية 7 من سورة الانشقاق الآتيتين، فإنه تعالى لم يرد فيها إنسانا بعينه بل أراد الجمع وهو وجيه، والله أعلم. «لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» في هذه الآيات الواضحة والبراهين القاطعة فهو الحق لا ريب فيه «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ 94» في شيء منه فتتزلزل عما أنت عليه من الحزم واليقين، بل دم على جزمك الذي أنت عليه من قبل ولا تلتفت إلى ما ينقولون، والافتراء هو التشكك والتردد وهو أخف من التكذيب، ولذا عقبه بقوله «وَلا تَكُونَنَّ» أيها الإنسان «مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ» فأنساهم الله ذكره وخسروا الدنيا والآخرة «فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ 95» مثلهم نفسا وعملا، والتعبير بالخاسرين أظهر من التعبير بالكافرين،

ص: 79

والفائدة من النهي في الموضعين التهييج والإلهاب وزيادة التثبت والإعلام بأن الافتراء والتكذيب قد بلغا في القبح والمحذورية إلى حيث ينبغي أن ينهى عنهما من لا يمكن أن يتصف بهما، فكيف بمن يمكن اتصافه بهما، وفي هذه الآية قطع لأطماع الكفرة.

وهاتان الآيتان على حد قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ)(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) كما سيأتي في الآية 104 من هذه السورة، وما قدمناه في الآية 17 من سورة القصص المارة فهي من جملة الخطابات المراد بها غيره صلى الله عليه وسلم، لأنه معصوم من الشك والمرية والتكذيب، كما ثبت لك مما تقدم وأمثال هذه الآيات كثير في القرآن العظيم، وأحسن الأقوال في تفسيرها ما ذكرناه لك في تفسير هذه الآية، فتمسك بها واحذر أن تكون ممن يشملهم قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ»

بالعذاب الداخلين في قوله تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) الآية 120 من سورة هود الآتية المحكوم عليهم بذلك بمقتضى قضائه الأزلي وقدره السابق في علمه المسجل في لوحه المحفوظ «لا يُؤْمِنُونَ» البتة إذ لا يمكن نقض قضاء أبرمه وتخلف إرادة قضاها، وهكذا كل من قطع الله بعدم إيمانه لا يؤمن مهما جاءه من الرسل والكتب ومهما أظهر له من الآيات والمعجزات بدليل قوله تعالى «وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ» من آيات الرسل الأقدمين وغيرها، لأنهم لا ينتفعون بها ولا يتدبرون حكمها ولا يعقلون معناها لصرفهم جوارحهم إلى غير ما خلقت لها، لذلك قطع الأمر بموتهم كفارا وتخليدهم بالنار، لأنهم مثل فرعون لا يؤمنون «حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ 96» الذي لا آلم منه ولا مرد له ولا نجاة منه، وإذا آمنوا حينذاك لا ينفعهم إيمانهم للإتيان به في غير محله كما مرّ تفصيله في الآية 90 آنفا وهذه آخر الآيات المدنيات، قال تعالى «فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ» أي أهلها من اطلاق المحل وإرادة الحال فيه، كما تقول سال الوادي، وجرت الساقية، وهذا كثير في القرآن أيضا وهو من محسنات الكلام. «آمَنَتْ» عند معاينة العذاب «فَنَفَعَها إِيمانُها» حال اليأس، ولا يرد على هذا عدم قبول إيمان فرعون، لأنه لم يفارقه النبي الذي أرسل لإرشاده حتى أدركه الغرق، أما هؤلاء فإن نبيهم بعد أن أنذرهم بنزول العذاب تركهم كما سيأتي في القصة.

ص: 80