الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:
ولم يحرم الله شيئا منها «نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ» صحيح عن العلم الذي أتاكم من الله وجاءكم رسله بتحريم ذلك «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 143» بما حرمتم وحللتم تبعا لأمر الله ورسوله وحاشا الله ورسوله أن يأمرا بذلك ولكنكم كاذبون بنسبة ذلك إليهما «وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا» التحريم كلا لم يوصكم ولا حجة لكم على ذلك ولا برهان ولا دليل ثم وبخهم الله على ذلك بقوله «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ» جهلا منه وجرأة على ربه «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 144» إلى طريق الحق ولا يوفقهم إلى الرشد، إذ لا أشد ظلما وأبعد عن السداد ممن يكذب على الله فينسب إليه التحريم والتحليل من حيث لم يحلل ولم يحرم، قال صلى الله عليه وسلم من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فكيف من يكذب على الله «قُلْ» يا أكرم الخلق لهؤلاء المفترين «لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ» آكل يأكله «إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً» حتف أنفها أو ما هو في حكم الميتة كالموقوذة والمتردية والنطيحة وغيرها الوارد ذكرها في الآية 5 من سورة المائدة في ج 3 من كل ما لم تبق فيه حياة معتبرة ويزكى زكاة شرعية وهذا عام خص منه السمك والجراد كما خص مما بعده الكبد أو الطحال لأنه متجمد خلقة وهو «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» حال الحياة أو عند الذبح أما الذي يبقى في العروق وبين اللحم فهو عفو، وقال صلى الله عليه وسلم: أحل لكم دمان الكبد والطحال وميتتان السمك والجراد «أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ» قذر نجس ضار أكله يورث الجذام والدودة الوحيدة وقلة الغيرة وأمر آخر لم نطلع عليه بعد وكذلك الميتة والدم تورث أضرارا في الوجود لأن الله تعالى لم يحرم علينا شيئا إلا لمنفعتنا، على أنه لو فرض أن لا ضرر فيما حرم الله فيجب علينا اجتنابه امتثالا لأمره ولا حق للعبد أن يقول لم حرّم الخالق، ولا أن نطلب العلة بالتحريم، لأن أفعال الله
لا تعلل وأمره مطاع جزما لأنا إذا كنا نتمثل أمر الطبيب فنمتنع عن أكل ما يحذرنا عنه ونتمثل أمر السلطان فننتهي عما ينهانا عنه فلأن نتمثل أمر الله من باب أولى «أَوْ فِسْقاً» ذبيحة ما «أُهِلَّ» رفع الصوت عند ذبحها بذكر ما «لِغَيْرِ اللَّهِ» بأن ذكر عليها اسم صنم أو غيره وهذا النّص في أن التحريم والتحليل لا يكونان إلا بوحي الله تعالى وأن المحرمات محصورة فيما حرمه الله نصّا في القرآن في هذه الآيات وآيات المائدة وغيرها في ج 3، ولا شك أن التحريم الوارد في القرآن عبارة عن خبر والأخبار لا يدخلها النسخ كما ذكرنا في الآية 135 المارة لا سيما وأن هذه الآية المكية تعضدها بالتأييد الآيات المدنيات في سورة المائدة وآية البقرة المصدرة بأداة الحصر وعددها 134 وهذه أيضا تفيد الحصر وكلها مطابقة بعضها لبعض في الحكم، مما يدل على أن لا شيء محرم غير ما ذكر فيها، وقد جاء تحريم بعض الأشياء بالسنّة مثل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وغير ذلك يجب علينا أيضا الاجتناب عنها وامتثال أمر الرسول لأنه من أمر الله قال تعالى (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الآية 7 من سورة الحشر في ج 3. راجع الآية 37 من هذه السورة تجد ما يكفيك في هذا البحث «فَمَنِ اضْطُرَّ» اجهد لتناول شيء من هذه المحرمات وكان «غَيْرَ باغٍ» على مسلم مضطر مثله تارك لمواساته مستحل لأكل الميتة بغير ضرورة «وَلا عادٍ» قاطع طريق أو متعمد أو متجاوز قدر حاجته كما أشرنا إليه في الآية 119 المارة فهو عفو لما فيه من الضرورة الماسة وقد رخص الله تعالى ورسوله للمضطر تناول المحرّم بقدر الحاجة ولهذا ختم الله تعالى هذه الآية بقوله «فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ» لمن أخذ من هذه المحرمات قدر حاجته شريطة أنه غير باغ ولا عاد «رَحِيمٌ 145» به بمقتضى منّه ولطفه على عباده فلا يؤاخذهم على ما تفضل به عليهم من الرخص وترك العزائم عند الاقتضاء. الحكم الشرعي: اعلم أن الحرام ما ورد النص بتحريمه سواء كان من الله أو من رسوله، وقال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) الآية
30 من سورة البقرة في ج 3 فهذه الآية مطلقة تفيد حل كل شيء على وجه الأرض وما في المياه من حيوان وعامة الطير، وقيدت بما نص
الله ورسوله على تحريمه، كما نوهنا به آنفا وسنتم بحثه في الآية 7 من سورة الخسر والآية 30 من البقرة في ج 3 إن شاء الله فراجعها، روى مسلم عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل. وعلى هذا فإن كل ما جاء النهي بنص الشارع فهو حرام ولهذا يحرم تناول ما أمر الشارع بقتلها مما ورد في الحديث الصحيح خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم وهي: الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور. وروي عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهرة، وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة النحلة والهدهد والصرد وهو طائر فخم الرأس يصطاد العصافير والوزغ جمع وزغة بالتحريك هو سام أبرص وابن الماء الآتي هو طير يسمى القرلي يعوم فوق الماء فإذا رأى شيئا خرّ عليه فكل ما ورد نص صحيح بقتله أو النهي عن أكله أو تحريمه فهو حرام لا يحل تناوله، وما لم يرد فهو بالخيار إن شاء أكله وإن شاء تركه، وقالوا ما استطابة العرب فهو طيب، وما استكرهته فهو مكروه، وهذا ليس مطردا لاختلاف العادات والنفوس، فلينظر العاقل صاحب النفس السليمة ما تطلبه نفسه من غير ما ورد النص بتحريمه، وما تعافه منها، لأن الله تعالى قال أحل لكم الطيبات فما استطابه الأكثر فهو طيب، لأن العبرة للغالب، لأن ما تستحسنه العرب أو تستخبثه لم يدخل تحت الضبط، وقد قدم لحضرة الرسول الضب فلم يأكله وقد أكله أصحابه بحضوره ولم ينههم عنه، وغاية ما قاله فيه يعافه طبعي، فيكون أكله حلالا لأنه لو كان حراما لما أقرهم على أكله، وانما قلنا العبرة للغالب لأن من العرب من لا يستقذر شيئا ويفهم من الآية جواز الانتفاع بجلد الميتة وعظمها وشعرها لأن النهي عن أكلها فقط أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أخذتم مسكها أي جلدها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت فقال عليه الصلاة والسلام، إنما قال الله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ)
الآية المارة وانكم لا تطعمونه ان تدبغوه فتنتفعوا به. قال تعالى «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا» اليهود وسموا يهودا لقولهم فيما أخبر الله عنهم إنا هدنا إليك الآية 156 من الأعراف المارة في ج 2 وما قيل انهم لقبوا بذلك على اسم ملك صار منهم لا قيمة له لأنه إنما صار بعد أن صاروا أهلا للملك وبعد وفاة موسى عليه السلام «حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ» مثل البعير والنعامة وكل ما لم يكون مشقوق الأصابع من البهائم والطير كالاوز والبط وكل ذي مخلب من الطير وذي حافر من الدواب وكل ذي ناب من السباع والأرنب وابن الماء وأراد بالظفر هنا الحافر مجازا على طريق الاستعارة «وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) التي في جوفهما وعلى الكليتين وبما أن لفظ الشحوم جاء عاما فقد استثنى منه ما هو حلال وهو ما جاء بقوله عزّ قوله «إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما» يدخل فيه الإلية لأنه مما يتعلق بالظهر، إلا أن اليهود لا يأكلونها «أَوِ الْحَوايا» الأمعاء والمصارين والمباعر مما تحتوي عليه في البطن «أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ» من الشحوم وهذا صريح في حل الإلية لأنها مختلطة بعظم وهو العصعص، وكذلك الشحم الذي في الرأس والعين وسائر العظام فهو حلال، روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح ان الله تعالى حرم بيع الخمر ولحم الخنزير والأصنام، فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدعن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال لا هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه (أي أذابوه) يقال أجملت الشحم وجملته إذا أذبته وجملته أكثر وأفصح «ذلِكَ» التحريم عقوبة لهم «جَزَيْناهُمْ» به وأوجبنا عليهم التحريم «بِبَغْيِهِمْ» على أنفسهم وغيرهم وأعظم بغيهم قتل الأنبياء وأقله أكل الربا «وَإِنَّا لَصادِقُونَ 146» فيما أخبرناك به يا سيد الرسل من أفعالهم
هذه «فَإِنْ كَذَّبُوكَ» في شيء من هذا أو غيره «فَقُلْ رَبُّكُمْ» أيها الناس قادر على أن يأخذهم حالا بعذاب لا يستطيعون رده ولا يتمكنون من النّجاة منه على تكذيبهم، هذا ولكنه أي ربك يا أكرم الرسل «ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ» لا يعجل عقوبة الكافر والعاصي