الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى الر 1» تقدم ما فيه، والله أعلم بما فيه، راجع ما قبلها وما تدلك إليه تجد ما يتعلق في معناه مفصلا «تِلْكَ» إشارة إلى أن ما تضمنته هذه السورة من الآيات بأنها هي «آياتُ الْكِتابِ» المعهود الذي وعد الله به حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزاله عليه «وَقُرْآنٍ مُبِينٍ 1» لكل شيء في الدنيا والآخرة، والتنكير يشعر بالتفخيم والتعظيم لشأن ذلك الكتاب الذي هو القرآن المدون في اللوح المحفوظ، ومن قال إن المراد بالكتاب التوراة أو الإنجيل لأن القرآن عطف عليه والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه لا دليل له على ذلك إذ لم يرد ذكر لهما بعد حتى يشار إليها به، وأن مجيئه بوصفين كان زيادة في إجلاله واحترامه لما فيه من الآيات والأحكام الهامة لهذا المجتمع الإنساني، أما اقتضاء المغايرة فليس على إطلاقه.
مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:
«رُبَما» بالتخفيف وتقرأ بالتشديد وهما لغتان في ربّ، وتكون للتقليل والتكثير وهي هنا للتكثير، وزيد عليها ما يليها الفعل لأنها من حروف الجر فلا تدخل وحدها على الأفعال كأن وأخواتها فإنها لا تدخل على الأفعال بدون ما، ولك أن تجعل ما هنا بمعنى شيء فتقول رب شيء، وتختص بالنكرات وتكون ما كافة لها عن العمل، وهي تختص أيضا بالماضي من الأفعال، ودخلت هنا على المضارع لأنه بمنزلة المحقق وقوعه، لأن كل ما هو مترقب من أخبار الله تعالى مقطوع في وقوعه لتحققه فيكون بمنزلة الماضي، وكأنما قيل هنا ربما ودّ «يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» يوم الجزاء والحساب في ذلك الموقف المهيب الذي ترتعد له الفرائض وتتفطّر له القلوب أي أن الكافرين يتمنون في ذلك اليوم «لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 2» مؤمنين بالله في الدنيا وذلك حين يشاهدون أهوال أحوال الآخرة أو حين يحل بهم الموت، إذ تتراءي لهم منازلهم ويعلمون أنهم كانوا في ضلال، لهذا يتمنون كثيرا أنهم كانوا مسلمين، ولكن لا فائدة من ذلك التمنّي إذ لا يقبل الإيمان حال اليأس من الحياة، فلئلا يقبل في الآخرة من باب أولى
فيكثر ندمهم حينذاك ولات حين مندم، ولهذا كانت ربما هنا للتكثير لأنهم كلما شاهدوا هولا من أهوال القيامة وكلما رأوا شفاعة الأنبياء لأتباعهم والمؤمنين بعضهم لبعض وكلما عاينوا رحمة الله بالمسلمين ونكاله في الكافرين والعاصين أمثالهم يتمنون أنهم كانوا مسلمين، ويكونون أكثر أسفا وحسرة وندما على ما فاتهم وخاصة حينما يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، أجارنا الله منها، ومن قال إنها هنا للتقليل أراد أنه أبلغ في التهديد والزجر، أي قليل التمني والندم كافيك في كونه زاجرا لك عما كنت فيه، فكيف بكثيره؟ ولأن أهوال القيامة تشغلهم عن كثرة التمني وانغماسهم بالعذاب ينسيهم الندم، وإنما يخطر ببالهم عند الأفاقة من سكراته، والأول أنسب بالمقام، إذ لكل مقام مقال. قال تعالى «ذَرْهُمْ» يا أكمل الرسل «يَأْكُلُوا» كما تأكل الأنعام ويتمتعوا بحطام الدنيا البالية «وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ» بكثرة الأموال والأولاد والنعم عن الإيمان بنا ويغويهم الشيطان بالانهماك في الكفر والشهوات والإعراض عن الطاعة لك «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ 3» سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه وذاقوا وباله، وفيه تهديد عظيم لمن أخذ حظه من الدنيا وترك نصيبه من الآخرة لأنه صدر الآية بكلمة ذرهم وهي للتهديد أيضا، فمتى يهدأ العيش لمن هو بين تهديدين تضمنا وعيدين إذا كان له قلب لين أو عين رطبة وفكر يقرّب له ما يستعبده غيرة؟ هذا، ولما كان طول الأمل ينسى الآخرة واتباع الهوى يبعد عن الحق والعياذ بالله وهما ليسا من أخلاق المؤمنين قال تعالى «وَما أَهْلَكْنا مِنْ» أهل «قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 4» أجل مضروب ووقت معين لإهلاكها لا يتقدم ولا يتأخر، ولهذا قال ذرهم إذ لم تنزل آية القتال ولم يؤمر حضرة الرسول بقتالهم وقسرهم على الإيمان، وما قاله بعض المفسرين إن هذه الآية منسوخة بآية السيف لا عبرة في قوله، بل هي محكمة جاءت تقوية للقتال وتمهيدا له وتبيبنا لأسبابه، لأن من أراد أن يبطش بعدوه المخالف له وهو قوي لا يفاجئه ببطشه بل يتقدم له بالإنذار حتى إذا أيس من القبول لما يأمره به وينهاه عنه بطش به، فيكون معذورا، لأن من أنذر فقد أعذر، وهذا من هذا، قال تعالى «ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها» المحتم
لها في أم الكتاب بل تنتظره حتما «وَما يَسْتَأْخِرُونَ 5» عنه لحظة واحدة إذا حل أجله وقد أنث أولا وذكر ثانيا باعتبار اللفظ والمعنى «وَقالُوا» كفار مكة لرسولهم محمد صلى الله عليه وسلم «يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» القرآن المذكر للرشد والهدى والحق والصواب «إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ 6» وصموه بما هو براء منه لما يرونه حال نزول الوحي عليه كالمغشي عليه من ثقل ما يلاقي من الهيبة الإلهية ورزانة المنزل مما لا تطيقه الجبال الراسيات، راجع قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) الآية 6 من سورة المزمل المارة في ج 1 وقوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) الآية 22 من سورة الحشر في ج 3، وقولهم له هذا على طريق الاستهزاء إذ يقولون (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) إلخ فيعترفون أنه ذكره وينسبونه إلى الجنون،، والتعكيس في كلامهم
للاستهزاء والتهكم جار شائع، وقد جاء القرآن على ذلك المنوال الذي ألهمه لهم منزله لما هو معلوم في سابق علمه، قال تعالى (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الآية 27 من سورة آل عمران ج 3، ومثلها في القرآن كثير، وقال تعالى (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) الآية 87 من سورة هود المارة وقال تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) الآية 49 من سورة الدخان الآتية، وقد جاءت هذه الآية على حد قوله تعالى حكاية عن فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) الآية 27 من سورة الشعراء المارة في ج 1 والمعنى أنك تقول قول المجانين بادعائك أن الله نزل عليك الذكر قال تعالى «لَوْ ما» هي لو ركب معها ما، وهي لامتناع الشيء لوجود غيره مثل لولا، فتحتاج للشرط والجواب، ولكنها لا تجزم وإخوانها كذلك وراجع الآية 115 من سورة هود المارة ومعناها هلا، وهذه أصلها هل ركبت مع لا، وتفيد التحضيض وهو طلب الشيء بحث وإزعاج، فعند إرادة المعنى الأخير لا يليها إلا فعل ظاهر أو مضمر كما في الآية، وعند إرادة معنى امتناع الشيء لوجود غيره لا يليها إلا اسم ظاهر أو مقدّر عند البصريين وعليه قول ابن مقبل:
لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما
…
ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري
وهذه بخلاف ربما إذ لا تدخل على الأسماء كما بيناه آنفا في الآية الثانية «تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ» ليشهدوا على دعواك رسالة الله لنا كي نصدّقك «إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 7» بها قال تعالى ردا عليهم «ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ» على طلبكم الواهي وما ننزلهم «إِلَّا بِالْحَقِّ» عند إرادتنا إنزال العذاب بأحد، وعند قبض الروح، وعند إنزال الوحي، وعند اقتضاء أمر تقتضيه حكمتنا «وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ 8» ممهلين بل لأوقعنا بهم العذاب حالا مع نزول الملائكة، نزلت هذه الآية في كفار مكة القائلين إلى محمد صلى الله عليه وسلم أنزل علينا ملائكة ربك الذين تزعم ليشهدوا أنك صادق بوعدك ووعيدك كي نصدقك، قال تعالى «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» عليك يا سيد الرسل أصدّقوا أم كذّبوا «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 9» من كل ما يقدح فيه كالتحريف والتغيير والزيادة والنقص، بحيث لو أن أكبر رجل قرأه بزيادة حرف أو نقصه أو تبديل حركة منه لردّ عليه الصبيان، إذ لا يراعى في لحنه كبير لكبريائه، وهو الموجود بين الدفتين الآن كما كان قبل يكون بعد المتواترة قراءته كما هي فيه، كيف لا وهذا العهد من الله تعالى بحفظه له على الصورة التي أنزلت عليها، وبقائه معمولا به إلى آخر الزمان فلا يقدر أحد على إحداث شيء فيه أو إزالة شيء منه البتة بمقتضى عهده هذا، وهذا من خصائصه، لأن غيره من الكتب السماوية تطرقت إليها الأيدي بالزيادة والنقصان من تحريف وتبديل، وأدخل فيها من ما ليس منها يسبب تسلط بعض الملوك على القسوس والرهبان وأهل العلم من أهل الكتابين، وبسبب الترجمة وأسباب دنيوية وقسرية، لأن التوراة حرفت مرارا وتداولتها أيدي الملوك وعلماء السوء، والإنجيل لم ينزل دفعة واحدة ولم يجمع على عهد المسيح ولم يعلم بصورة صحيحة الذي نفله من السريانية إلى العربية، وأن الأناجيل الأربعة المعمول بها الآن وإن كانت من حيث المعنى على توافق غالبا فإنها مختلفة من حيث اللفظ، وكلام الله لا بدّ وأن يكون موافقا بعضه لبعض حرفيا في اللفظ والمعنى، وكلها مخالفة لإنجيل برنابا الذي هو موافق من حيث المعنى للقرآن العظيم بشأن صون سيدنا عيسى من الصلب وعدم توصل أيدي اليهود القذرة إلى طهارته وقدسيته، وأن المصلوب هو يهوذا الأسخريوطي المنافق الذي دلهم عليه
ليمسكوه ويقتلوه، فألقى الله شبهه عليه جزاء وفاقا كما سيأتي تفصيله في الآية 187 من سورة النساء في ج 3، وقال الله تعالى في حق هذا القرآن (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) الآية 50 من آل عمران في ج 3، بما يعم التوراة والإنجيل وغيرهما، ولذلك تعهد الله بحفظه ولم يشر إلى مثل تلك الآية فيها لعلمه أن يقع فيها ما يقع من التغيير والتبديل، وقد ولى حفظها إلى الربّانيين والأحبار فاختلفوا وذهب كل منهم مذهبا في تأويلها، ففسر كل منها على ما تهواه نفسه، أما القرآن فقد أنزله الله تعالى على النبي العربي الأمي بلغته ولغة قومه وأبقاه كما أنزله وسيبقى على حاله إلى يوم القيامة إذ جعله معجزا مباينا لكلام البشر لا يقدر أحد أن يعارضه في إعجازه وفصاحته وبلاغته ولو زيد فيه حرف أو أنقص منه حرف لتغيّر نظمه ومبناه، ولو غيرت منه كلمة أو بدلت ذهب رونقه ومعناه، ولو قدم أو أخر منه شيء لاختلف المراد من مغزاه، ولو حرف حرف منه لنبدلت أحكامه وقضاياه، فيظهر لكل عاقل بالضرورة أنه ليس من القرآن ويخرج عن كونه كلام الملك الديان، وقد سخر الله تعالى عبادا من خلص عباده يذبّون عنه دواعي المبتدعة والملاحدة وأهل الكتابين المتعصبين بغير الحق، وأبقاهم كذلك إلى اليوم الذي قدر فيه رفعه ممن ليس بأهله، فصانه على هذه الصورة من كل إفساد وإبطال، وأبقاه كما أنزله صادعا بالحرام والحلال والأخبار والأمثال والحمد لله رب العالمين. وقدمنا ما يتعلق بهذا في المقدمة من بحث حفظ القرآن ما به كفاية فراجعه. هذا وما جرينا عليه من عود الضمير في له إلى القرآن أولى وأليق وأحسن من عوده إلى محمد صلى الله عليه وسلم بداعي أن الله تعالى ذكر الإنزال والمنزل وكنى به عن المنزل عليه بعود الضمير له وهو محمد صلّى الله
عليه وسلم مع أن هذا معلوم بالبداهة، وإن سياق الآية يأبى عود الضمير إليه بل عوده لأقرب مذكور، وهو الذكر أوجب وأصح وأشهر. قال تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ» يا محمد رسلا كثيرة «فِي شِيَعِ» فرق «الْأَوَّلِينَ 10» السابقين
«وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 11» فكذلك قومك قد أساءوا الأدب معك مثلهم، راجع الآية 30 من سور يس المارة في ج 1، والآية 9 من الزخرف الآتية. أنزل الله هذه