المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب: - بيان المعاني - جـ ٣

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثالث]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة يونس عدد 1- 51- 10

- ‌مطلب في معنى القدم:

- ‌مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش:

- ‌مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس:

- ‌مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها:

- ‌مطلب الأنواء والحكم الشرعي فيها والإبرة المحدثة:

- ‌مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه:

- ‌مطلب معنى الزيادة ورؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الأوثان وما يقع بين العابدين والمعبودين:

- ‌مطلب الفرق بين آيات التحدي على الإتيان بمثل القرآن:

- ‌مطلب الآية المدنية وشرط النسخ:

- ‌مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس

- ‌مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم

- ‌مطلب أولياء الله من هم والمحبة الصادقة والرؤيا الصالحة:

- ‌مطلب رسالة الأنبياء خاصة عدا نوح باعتبار آخرها ومحمد أولا وآخر:

- ‌مطلب معنى الطمس وعدد الآيات وأن الأنبياء لم يدعوا على أممهم إلا بعد اليأس منهم:

- ‌مطلب الحكمة في عدم قبول إيمان اليائس وإخراج جثة فرعون ومعجزة القرآن:

- ‌مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام:

- ‌مطلب المشيئة عند أهل السنة والمعتزلة ومعنى الآية فيها:

- ‌تفسير سورة هود عدد 2- 52- 11

- ‌مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها:

- ‌مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن:

- ‌مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه:

- ‌مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة:

- ‌مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه:

- ‌مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض:

- ‌مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته:

- ‌مطلب قصة لوط عليه السلام وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام:

- ‌مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما:

- ‌مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس:

- ‌تفسير سورة يوسف عدد 3- 53 و 12

- ‌مطلب في الرؤيا وماهيتها وما يفعل رائيها وفي الحواس العشرة:

- ‌مطلب الآية المدنية، وأسماء أخوة يوسف وأسماء الكواكب والكيد ليوسف منهم:

- ‌مطلب جرائم إخوة يوسف وفائدة العفو وصلاح الوالدين وعظيم فضل الله تعالى:

- ‌مطلب خلاصة القول بالهم وبطلان أقوال من قال به والشهادات على براءة يوسف عليه السلام:

- ‌مطلب في لولا والسبب في نقل ما فيه وهم يوسف عليه السلام والأحاديث الموضوعة:

- ‌مطلب من تكلم في المهد وكيد النساء والحذر من مخالطتهن:

- ‌مطلب أقسام الخطأ ومراتب الحب ومعنى الفتى والمتكأ والإكبار:

- ‌مطلب اختيار السجن ليوسف والمتآمرين على اغتيال الملك وتأويل رؤيا السجينين:

- ‌مطلب مبادئ رسالة يوسف عليه السلام وتعبير رؤيا السجينين ومشروعية الرجاء:

- ‌مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن:

- ‌مطلب مراتب النفس ومواقف التهم وحكاية الزمخشري واجتماع يوسف بالملك بعد توليه الوزارة:

- ‌مطلب تمرين الموظف وزواج يوسف بزليخا ودخول السنين المجدبة واجتماع يوسف بإخوته:

- ‌مطلب أول من سن التحقيق عن الهوية ومعنى الأخوه وفضلها ومحاسن الأخلاق:

- ‌مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها:

- ‌مطلب اتهام بنيامين بالسرقة وما وقع لأخوته مع ملك مصر من جراء ذلك:

- ‌مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر:

- ‌مطلب الصبر الجميل وشبهه وكتاب يعقوب لملك مصر:

- ‌مطلب تعريف يوسف نفسه لاخوته وكرم أخلاقه معهم وتبشير يعقوب به:

- ‌مطلب نسبة النزغ إلى الشيطان مجاز وسبب بلاء يعقوب وإتيان الفرج وحسن الموت:

- ‌مطلب أول من سن النداء إلى الطعام وملاذ الدنيا وتمني الموت وقبح الانتحار:

- ‌مطلب في قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من البشر:

- ‌تفسير سورة الحجر عدد 4- 54- 15

- ‌مطلب كلمة لوما ولولا في ربما وفي كلمات التهكم وعهد الله في حفظ القرآن دون سائر الكتب:

- ‌مطلب عدم وجوب الصلاح على الله والبروج ومواقعها ومعانيها:

- ‌مطلب استراق السمع والرمي بالنجوم وماهية الأرض وأن كل ما فيها له وزن خاص:

- ‌مطلب كل شيء من عند الله وبسط الرزق وقبضه لحكمة أرادها ومعنى الريح والرياح:

- ‌مطلب خلق الإنسان والجان ونشأة الكون وعمران الأرض:

- ‌مطلب أقوال الأجانب في بدء الكون ونهايته وشيء من المخترعات الجديدة ونبذة في الروح:

- ‌مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:

- ‌مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:

- ‌مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:

- ‌مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:

- ‌مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:

- ‌تفسير سورة الأنعام عدد 5- 55- 6

- ‌مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:

- ‌مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:

- ‌مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:

- ‌مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:

- ‌مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:

- ‌مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم والآية المدنية وبحث في النسخ:

- ‌مطلب الدلائل على قدرة الله ومنافع الخلق فيها ومعنى المستقر والمستودع وأصل الخلقة:

- ‌مطلب نبذة فيما يتعلق بالرابطة لدى السادة الصوفية تابع لما مر في الآية 57 من الإسراء في ج 1:

- ‌مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية الله تعالى:

- ‌مطلب الاستفهام الإنكاري له معنيان وتمحيص لا في هذه الآية وما يناسبها:

- ‌مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة الله واجبة مطلقا:

- ‌مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها

- ‌مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

- ‌مطلب الأشياء التي ذم الله بها العرب وعدم جواز الوقف على الذكور وتخصيصهم دون الإناث بشيء:

- ‌مطلب ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وغيرها والحكم الشرعي في قدرها:

- ‌مطلب المحرم والمحلل هو الله وأن أمر الرسول هو أمر الله والتحريم لنفع العباد والحكم الشرعي بذلك:

- ‌مطلب في المشيئة والإرادة واختيار العبد ودحض حجج المعتزلة وغيرهم:

- ‌مطلب آيات الصفات وعلامات الساعة وإيمان اليأس واعتبار كل الأمم من ملة الإسلام والتفرقة في الدين:

- ‌مطلب حكاية بنكتة وعظيم فضل الله:

- ‌تفسير سورة الصافات عدد 6- 56- 37

- ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

- ‌مطلب في العدوى وقسم من قصة ابراهيم وتأثير الكواكب وغيرها وكذب المنجمين:

- ‌مطلب من هو الذبيح وأنه لا يلزم من فضل الأب فضل الابن وبالعكس وأن الفرع السيء والأصل السيء لا يعد عيبا ومعنى خضراء الدمن وبقية القصة:

- ‌مطلب الحيوانات والجمادات التي تحشر وتبقى ورمي الجمار والحكم الشرعي في الأضحية:

- ‌مطلب قصة إلياس عليه السلام وقسم من قصة لوط عليه السلام:

- ‌مطلب في الجن ونصرة الله تعالى أنبياءه وما يستخرج من الآية:

- ‌تفسير سورة لقمان عدد 7- 57- 31

- ‌مطلب تحريم الغناء وبيع الغانيات ورواسي الأرض:

- ‌مطلب من هو لقمان وحكمه ووصاياه وبر الوالدين:

- ‌مطلب قوة إيمان سعد بن أبي وقاص وآداب المشي والمكالمة ومعاملة الناس:

- ‌مطلب الآيات المدنيات وسبب نزولها والحكمة من تأخيرها:

- ‌مطلب الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا الله تعالى:

- ‌تفسير سورة سبأ عدد 8- 58- 34

- ‌مطلب أصول الدين التي لا يتطرق إليها النسخ والآية المدنية وما وقع من هشام وزين العابدين:

- ‌مطلب مميزات داود وسليمان ومعجزات القرآن وكيفية موت سليمان عليهم السلام:

- ‌مطلب تصديق ظن إبليس وبحث نفسي في قوله تعالى ماذا قال ربكم:

- ‌مطلب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم ومجادلة الكفرة فيما بينهم:

- ‌مطلب ليس المراد بالجن هنا الملائكة ران إسماعيل لم يترك كتابا، ومخاطبة حضرة الرسول الناس كيف كانت:

- ‌تفسير سورة الزمر عدد 9- 59- 39

- ‌مطلب في الخوف والرجاء والتعريض بالهجرة لمن ضاقت به أرضه:

- ‌مطلب المراد بالتخويف للمؤمنين والأخذ بما هو أحسن وأنواع البشارات للمؤمن:

- ‌مطلب في الصعق الذي يحصل لبعض الناس عند تلاوة القرآن وسماع الذكر:

- ‌مطلب الخصومة يوم القيامة وضمير صدق به ومراتب التقوى:

- ‌مطلب الروح والنفس ومعنى التوفي والفرق بينه وبين النوم وان لكل واحد نفسين:

- ‌مطلب آيات الرجاء وعظيم فضل الله وما جاء عن بني إسرائيل وحرق الموتى:

- ‌مطلب اتباع الأحسن وما هو الحسن والأحسن معنى ومقاليد السموات والأرض:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء والردة وخلاف الأئمة وإحباط العمل وتعريفات منطقية:

- ‌مطلب ما هو النفخ في الصور ولماذا وفي الصعق ومن هم الشهداء:

- ‌تفسير سورة المؤمن عدد 10- 60- 40

- ‌مطلب الجدال المطلوب والممنوع وبحث في العرش والملائكة ومحاورة أهل النار:

- ‌مطلب احتجاج الحرورية ومعنى الروح وإعلان التفرد بالملك وإجابة الكل لله به:

- ‌مطلب قصة موسى مع فرعون واستشارة فرعون قومه بقتله ومدافعة مؤمن آل فرعون عنه:

- ‌مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه:

- ‌مطلب عذاب القبر ومحاججة أهل النار وبقاء النفس والدجال:

- ‌مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:

- ‌مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام الله على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال:

- ‌مطلب في مراتب الخلق على ثلاث وحالة المجادلين وأمر النبي بالصبر وشيئا من أفضاله على خلقه:

الفصل: ‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

مشرقا ومغربا، لأن الشمس كل يوم تطلع بحسب ما نراه من أفق وتغيب في أفق أي في طرفه وجهته، وجاء في الآية الأخرى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) 17 من سورة الرحمن باعتبار مشرقي الصيف ومغربي الشتاء، لأنها بحسب ما نراه تبدأ بالطلوع من جهة الأفق وتبقى تتدرج حتى تنتهي لمستقر لها في جهته الأخرى ثم ترجع تدريجيا أيضا حتى تنتهي لمقرها الأول وفي الغروب هكذا دواليك، فبهذا الاعتبار يكون مشرقين ومغربين، وباعتبار الآية المفسرة يكون مشارق ومغارب، وفي قوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) الآية 18 من سورة الشعراء المارة في ج 1 باعتبار أن المشرق كله جهة واحدة والمغرب كذلك فلا تنافي بين هذه الآيات ووجه الجمع بينها ما ذكرناه، وفي هذه الآية ردّ لما يقوله الكفار بوجود آلهة متعددة.

‌مطلب انقضاض الشهب واستراق السمع وما يحصل من الانقضاض ومعنى التعجب:

قال تعالى «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا» القربى منكم أيها الناس «بِزِينَةٍ» عظيمة بديعة يعجز عن بعضها كل من وما في الكون وهي «الْكَواكِبِ» 6 المنيرة فيها بأنواعها وأشكالها المتناسبة والمختلفة في اللون والحجم والضياء والسير والتسمية، فهذه الجوزاء وبنات نعش والميزان والثريا، وتلك القلادة والنثرة والبلدة والزهراء، وأولئك الجدي وسهيل والعقرب وغيرها مرصعة على زرقة السماء الواسع العظيم. قال:

فكأن أجرام النجوم لوامعا

درر نثرن على بساط أزرق

فلا أبدع ولا أحسن من مرآها جل الإله الذي براها، وللكواكب فوائد جمة غير الزينة والضياء لمعرفة الجهات والمواسم والتأثيرات التي أودعها الله فيها مما عرفه الإنسان ومما لم يعرفه «وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ» 7 عات إذ يرمى منها بشهب محرقة لأجل أن «لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى» من الملائكة الذين يتلقون كلام ربهم المقدس فينقلون ما يسمعونه إلى الكهنة والسحرة فيتكلمون بها إلى الناس ويوهمونهم بأنهم يعلمون الغيب «وَيُقْذَفُونَ» أولئك المتسمعون بشهبها «مِنْ كُلِّ جانِبٍ 8» من آفاق السماء فيطردونهم طردا ويدحرونهم «دُحُوراً» فيبعدونهم عن مجالس الملائكة، وهذا عذابهم في الدنيا «وَلَهُمْ» في الآخرة «عَذابٌ واصِبٌ 9» دائم شديد لا ينقطع، قال أبو الأسود الدؤلي:

ص: 438

لا أشتري الحمد القليل بقاؤه

يوما بذم الدهر أجمع واصبا

«إِلَّا مَنْ» أي الشيطان الذي «خَطِفَ الْخَطْفَةَ» منهم بأن أخذ الكلام بسرعة زائدة «فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ» بشدة قوته، فإما يحرقه فيهلكه أو يخبله، ومع هذا كله فإنهم يعودون لاستراق السمع الكرة تلو الكرة طمعا في السلامة من إصابة الشهب ورجاء لنيل المقصود، ولولا الأمل ما خاطر أحد في تجارة برا ولا بحرا ولا في زراعة بعلا ولا سقيا ولبطل عمل ابن آدم فضلا عن الشياطين. وهنا معجزة من معجزات القرآن إذ لا يعلم أحد أن النجوم الصغار في سماء محيطنا قبل توسع علم الهيئة غير الله تعالى القائل

«فَاسْتَفْتِهِمْ» يا سيد الخلق «أَهُمْ» قومك المعاندون لنا «أَشَدُّ خَلْقاً» أقوى وأعظم «أَمْ مَنْ خَلَقْنا» من الملائكة والسموات والأرض والكواكب والبحار والجبال بل هم أضعف وأحقر «إِنَّا خَلَقْناهُمْ» أي أصلهم آدم عليه السلام «مِنْ طِينٍ لازِبٍ 11» لزج يلصق باليد ويجوز أن تطلق هذه الآية على بني آدم باعتبار أنهم خلقوا من التراب لأن مادتهم المكون منها جسمهم حاصلة من التراب ومن كان أصله من تراب فهو في غاية الضعف بالنسبة للمخلوقات الأخر ومن كان كذلك لا يليق به أن يتكبر ويتعظم وينكر قدرتنا على إعادته من رميم خلقه الأول وهو تراب أيضا قال النابغة:

فلا تحسبون الخير لا شر بعده

ولا تحسبون الشر ضربة لازب

هذا وليعلم أن الشهاب عبارة عن شعلة نارية تنقضّ من الكوكب لا نفس الكوكب لأن أصغر الكواكب عند الإسلاميين كالجبل العظيم، وعند الفلاسفة أعظم لأن صغار الثوابت عندهم أعظم من الأرض، وهذه لا تنقض ولو انقضت لسمع لها دوي هائل، ولم يسبق أن سمع لها صوت، ولو فرض محالا عدم الصوت لاختلت زينة السماء بنقص ما ينقض منها ولم يكن شيء من ذلك والمشاهدة أكبر برهان، ولا هو ايضا نور الكواكب، لأن النور لا أذى به ولا احتراق، فالأرض مملوءة بنور الشمس ولم ينشأ منها إلا النفع، ولو كان المنقض منها نورا لا نتقص ضوءه وسبب انتقاص الزينة أيضا، ولم يشاهد في شيء منها ذلك أصلا، ولم ينقل إلينا منه شيء منذ نشأة الكون حتى الآن فثبت من هذا أن المنقض

ص: 439

شعلة نارية يخلقها الله تبارك وتعالى من قذف شعاع الكواكب عند وصوله إلى محل مخصوص من الجو بما أودعه الله فيه من الخاصية التي لا نعلمها (وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية 102 من هذه السورة) فيشتعل وتأثيرا لأشعة الحرق فيما هو قابل له من الأشعة لا ينكر، ألا ترى أن شعاع الشمس إذا قوبل ببعض المناظر على كيفية مخصوصة أحرق ما هو مقابل له ممّا هو قابل للاحتراق، ولو توسط بين المنظرة وبين قابل الاحتراق إناء بلور مملوء ماء. وعليه فإن الله تعالى يصرف تلك الأشعة المستحيلة نارا والتي تشاهد كحبل أو رمح من نار سريع الحركة إلى الشيطان الذي يسترق السمع فيحرقه، وقد يحدث ذلك ولو لم يوجد ثمة مسترق أيضا، والله على كل شيء قدير. وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في الآية 17 من سورة الحجر المارة وفيها ما يرشدك إلى المواضع الأخرى مما يتعلق في هذا البحث فراجعها، قال تعالى «بَلْ عَجِبْتَ» بفتح التاء خطاب لسيد المخاطبين أي عجبت من تكذيبهم لك وإنكارهم رسالتك وجحودهم ما أنزلناه عليك وعظمة منزله على القراءة المشهورة في المصاحف المناسبة لسياق ما قبلها وسياق ما بعدها وقرأ بعضهم بضم التاء على إسناد التعجب إلى الله والتعجب من الله يحمل على تعظيم الشيء المتعجب منه، فإن كان قبيحا ترتب عليه العقاب الشديد، وإن كان حسنا ترتب عليه الرضاء الكثير، وقد يكون منه تعالى على وجه الاستحسان أيضا، فقد جاء في الحديث: عجب ربكم من شاب ليست له صبوة. وفي حديث آخر: عجب ربكم من ألّكم بتشديد اللام وضم الكاف (ومعناه القنوط الشديد ورفع الصوت بالبكاء) وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم. وقال الجنيد: إن الله تعالى لا يتعجب من شيء ولكن وافق رسوله، أما العجب من الناس فيحمل على إنكار الشيء ويكون معناه روعة تعتري الإنسان عند رؤية ما يستعظمه، أي أن الله ورسوله يعجبان من عدم اكتراثهم بذلك «وَ» الحال أنهم «يَسْخَرُونَ 12» به وبمنزله ومن أنزل عليه لغاية جهلهم بحقيقة الأمر وكنه ما اشتمل عليه «وَإِذا ذُكِّرُوا» هؤلاء الساخرون «لا يَذْكُرُونَ 13» الله ولا يتعظون بما نصب لهم من الآيات والأدلة على وحدانية الله، ولا ينتفعون بتذكيرك لهم، لأن دأبهم عدم الاتعاظ والانتفاع

ص: 440

«وَإِذا رَأَوْا آيَةً» باهرة جليلة أظهرها الله على يد رسوله مثل الإخبار بالغيب وإنزال القرآن وانشقاق القمر والإسراء والمعراج وما وقع فيها من الآيات لا يؤمنون بها ولا يكترثون بمنزلها ولا يلتفتون إلى من أنزلت عليه، ولكنهم «يَسْتَسْخِرُونَ 14» يستدعي بعضهم بعضا لأجل السخرية والاستهزاء بها «وَقالُوا» فضلا عن ذلك «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ 15» ظاهر يموه به ويخيل علينا محمد ويرينا ما لم يكن كائنا، ويزعم أنه قرآن وما هو بقرآن، وقالوا أيضا على طريق السّخرية «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ 16» مرة ثانية كما يخبرنا محمد فنعود أحياء كما كنا قبل الموت كلا لا يكون ذلك البتة «أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ 17» أيضا يبعثون، يقولون هذا على طريق الاستفهام الإنكاري لاستبعادهم الحياة بعد الموت «قُلْ» يا أكمل الرسل «نَعَمْ» تبعثون «وَأَنْتُمْ داخِرُونَ 18» صاغرون وإذا أراد الله ذلك «فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ» صيحة «واحِدَةٌ» من السيّد إسرافيل عليه السلام بأمر ربه «فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ 19» إلى بعضهم أحياء «وَقالُوا» بعضهم لبعض بعد أن رأوا أنفسهم أحياء في الموقف المهيب (وجاء الماضي موضع المستقبل

لتحققه) وشاهدوا أعمالهم السيئة وعظيم الجزاء الذي سيحل بهم «يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ 20» الذي يدين الله به عباده الذي وعدنا به رسله في الدنيا وهو الحياة بعد الموت والعذاب بعد الحساب

«هذا يَوْمُ الْفَصْلِ» بين الناس الذي يظهر فيه المحسن من المسيء «الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ 21» في الدنيا ولا تصدقون الرسل حين أخبروكم به، وبعد أن اعترفوا وتحقق لهم الهلاك يقول الله جل شأنه لصف من الملائكة «احْشُرُوا» اجمعوا هؤلاء «الَّذِينَ ظَلَمُوا» أنفسهم «وَأَزْواجَهُمْ» سوقوهم معهم من قرناء السوء الذين كانوا على دينهم وأشباههم وأمثالهم فيصنّفون طوائف الزناة والسعاة وشربة الخمر وعبدة الأوثان وغيرهم من الكفرة أصنافا ومن المغامرين وتاركي الصلاة والصوم والحج وغيرهم من عصاة المسلمين أصنافا لأن هذه الآية عامة في كل ظالم من كفرة الأمم كلها وعصاتها «وَما كانُوا يَعْبُدُونَ 22» في الدنيا من كل شيء «مِنْ دُونِ اللَّهِ» فيدخل في هذه الآية الأموال والأولاد والنساء الذين

ص: 441

توغلوا فيهم حتى ألهتهم عن عبادة الله، فكأنهم عبدوها أيضا من دونه، والواو في قوله (وَما) واو المعية أي احشروهم مع معبوديهم «فَاهْدُوهُمْ» دلوهم تقول هديته هدى إذا كان لأمر الدين وهداية إذا كان إلى الطريق كما هنا «إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ 23» طريق جهنم لأنه اسم من أسمائها ليحاسبوا هناك قريبا منها بدليل قوله «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ 24» عن أعمالهم وإنما كان حساب هذه الطائفة قريبا من جهنم لزيادة عذابهم، إذ لو كان القصد من قوله اهدوهم أدخلوهم جهنم رأسا كما ذكره بعض المفسرين لما أمر بتوقيفهم لأجل السؤال، لأن التوقيف يكون أولا ثم الاستنطاق ثم المحكمة ثم القضاء ثم الحبس وكل بحسب جرمه فتقدر مدة حبس العاصي وتخليد الكافر فيها، ويبرأ البريء، ومن هنا أخذ أهل الدنيا هذه الأحوال، لأن الله تعالى ضرب لهم الأمثال مما كان من جنسها في الآخرة في الكتب القديمة وفي هذا القرآن، وهي معلومة عنده قبل وقوعها، ولهذا سماهم الله تعالى في الآية الآتية مجرمين لأن المجرم من يستحق العقاب لأنه أولا يكون مدعى عليه ثم ظنينا إذا ظهرت عليه أمارة الجرم، ثم متهما إذا تراكمت عليه الأدلة، ثم مجرما إذا تحقق عليه الفعلة، ثم يحكم فيسمى محكوما والتوقيف يكون قبل الاستنطاق إذا كان هناك تحقيقات أولية، وهي صحف الملائكة الحفظة مثلها بلا تشبيه ضبوط الدرك والشرطة، فإنه يوقف بموجبها ثم يجري استنطاقه أحيانا أخرج الترمذي عن أبي بردة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه، وفي رواية وعن شبابه فيم أبلاه. وله عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من داع دعي إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما له لا يفارقه، وإن دعى رجل رجلا، ثم قرأ:(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) ثم تقول لهم خزنة الجحيم بعد إدخالهم فيها توبيخا وتقريعا «ما لَكُمْ» أي شيء جرى لكم اليوم أيها الكفرة العتاة لم «لا تَناصَرُونَ 25» لبعضكم كما كنتم في الدنيا تتناصرون على الباطل ولا تفعلون بين إخوانكم وقومكم بالحق بل تنتصرون لقريبكم مهما كان مبطلا قبل أن تقفوا على الحقيقة، ثم يقول

ص: 442

تعالى قوله ذهب عنهم تناصرهم وحان تخاذلهم، فلا يتعاونون الآن كما كانوا قبلا «بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ 26» لأمري خاضعون لحكمي أذلاء منقادون لتنفيذ ما أقضي به عليهم «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ 27» فيما بينهم بعد أن انقطع أملهم في معبوديهم ورؤسائهم وتبين لهم عجزهم عن المناصرة وصاروا يتلاومون بينهم «قالُوا» الأتباع لرؤسائهم «إِنَّكُمْ كُنْتُمْ» في الدنيا «تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ 28» من طريق الحلف فتقسمون لنا أن دينكم هو الحق، وتمنعوننا عن اتباع الرسل، وتزيفون لنا ما جاءوا به من عند ربهم حتى أقنعتمونا، فأين الآن يمينكم وأين ما وعدتمونا به؟ وهذا أولى من تأويل اليمين بالقوة والقهر أو بالخير والبركة، أي كنتم تمنعوننا عن الخير وتصدوننا عن الهدى وتضللوننا عن الحق قهرا وقسرا لما لكم علينا من القوة والغلبة، ووصفت اليمين بالقوة لما يقع فيها من البطش، ووصفت بالخير لأنها مشتقة من اليمن أي البركة.

لأنه أنسب بالمقام وما يخطر الذهن أنه بمعنى الجهة لا طائل تحته، وإن كانت جهة اليمين مرجحة على جهة اليسار ومشرفة عليها جاهلية وإسلاما إلا أن الإخلال الذي جاءهم من قبل رؤسائهم سواء كانوا يتكلمون معهم به من جهة يمينهم أو شمالهم فهو على حد سواء وليس مما يوجب أن يعاتب عليه في مثل هذا المقام «قالُوا» الرؤساء مجاوبين أتباعهم: ليس الأمر كما تقولون «بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ 29» من الأصل وقد أصررتم على الكفر بالرسل باختياركم وطوعكم «وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ» قوة قاهرة كما زعمتم وهذا مما يؤيد التفسير الأول بأن اليمين بمعنى القوة والقهر «بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ 30» فطرة متجاوزين الحد لأنا دعوناكم فتبعتمونا رضا لا كرها

«فَحَقَّ» وجب «عَلَيْنا» نحن وأنتم «قَوْلُ رَبِّنا» وعيده بالعذاب الذي هددنا به رسله في الدنيا ولذلك «إِنَّا لَذائِقُونَ 31» وباله الآن لا محالة ثم اعترضوا لهم بقولهم «فَأَغْوَيْناكُمْ» بالدنيا ودعوناكم لمعصية الرسل وطاعتنا في الضلال حقا، والسبب:«إِنَّا كُنَّا غاوِينَ 32» ضالين وأردناكم لتكونوا مثلنا. قال تعالى «فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ» في الآخرة يكونون «فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ 33» كما اشتركوا بالغواية في الدنيا «إِنَّا كَذلِكَ»

ص: 443

مثل هذا الفعل الفظيع «نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ 34» وإنما فعلنا بهم ذلك بسبب «إِنَّهُمْ كانُوا» في الدنيا «إِذا قِيلَ لَهُمْ» قولوا «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ 35» عنها ويمتنعون من قولها ويأنفون من سماعها عتوا وعنادا «وَيَقُولُونَ» أيضا على طريق الإنكار «أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ 36» يعنون أكرم الخلق على الله وأفضلهم وأعقلهم قاتلهم الله قد جمعوا في هذه الجملة إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة ووصم صاحبها قال تعالى ردا عليهم «بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ» من عندنا ليس كما تزعمون أنه ساحر ومجنون فهو أكمل بشر وقد آمن بالله «وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ 37» قبله بما جاءكم به لأنهم كانوا مثله يدعون لنفى الشرك وإثبات التوحيد وقد وصفهم أمثالكم من الأمم السابقة بما وصفتم به رسولنا محمد الصادق الأمين «إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ 38» بتجرؤكم عليه أيها الكفرة «وَما تُجْزَوْنَ» في الآخرة «إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 39» في الدنيا لأن الجزاء من جنس العمل ولا يستثنى من العذاب الأخروي «إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ 40» بكسر اللام وفتحها كما مر في الآية 84 من سورة ص في ج 1 وقبلها مجادلة أهل النار بعضهم مع بعض في الآية 59 بما يشبه هذا فراجعهما

«أُولئِكَ» المخلصون المقبولون عند الله «لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ 41» لدينا بكرة وعشيا راجع الآية 62 من سورة مريم من ج 1 ثم أبدل فى هذا الرزق قوله «فَواكِهُ» للتلذذ ليس إلا، لأنهم بغنى عن الأكل والشرب، وأن حجتهم محفوظة، لأن الله تكفل بتخليدها في الجنة سالمة منعمة والفاكهة تشمل جميع الثمار رطبها ويابسها ومن الطعام ما يؤكل للتلذذ لا للتقوت «وَهُمْ مُكْرَمُونَ 42» عند بارئهم معظّمون «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ 43» «عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ 44» بوجوههم إلى بعضهم وهو من آداب المجالسة كما مر في الآية 16 من الواقعة في ج 1 «يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ» مملوءة من الخمر الذي لم تمسه الأيدي ولم تطأه الأرجل، وقد ذكرنا في الآية 18 من سورة الواقعة المذكورة أن لا يقال كأس إلا وهي مملوءة بالشراب وإلا فهي زجاجة أو كوب أو إبريق وهذا الخمر ليس كخمر الدنيا وإنما هو «مِنْ مَعِينٍ» 45 نهر جار أو ماء ظاهر فوق

ص: 444

الأرض يعانيه الخلق دون تكلف إلى إمعان النظر فيه ولهذا وصفها بقوله «بَيْضاءَ لَذَّةٍ» عظيمة في شربها «لِلشَّارِبِينَ» 46 منها تكمل فيها لذة الحواس الخمس، وقاتل الله أبا نواس إذ يقول:

ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر

ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

لأنه قصد اشتراك كافة حواسه بالمعصية، ولأن الشارب جهرا يخشى الخجل من الناس فلا يتم به السرور، لأنه لا يكمل إلا بالحرية المطلقة، ولأن الشارب حينما يتناول الكأس يلمسه ويشمه وينظره ويذوقه، فلم تبق إلا حاسة السمع، فإذا قال له خمر عند تقديمه له كملت لذة حواسه كلها اللهم أحرم أولياءك منها في الدنيا ومتعهم بها في الآخرة وألحقنا بهم يا ربنا. وهذه الخمرة «لا فِيها غَوْلٌ» كخمر الدنيا وهو ما يعبر عنه الأطباء بالكحول (اسبيرتو) لأنها إذا خلت منه لا تسكر كما يقولون، ويزعمون أنهم عربوها عن الأوربيين الذين يعبرون عنها بكلمة (الكول) ولا يعلمون أنها عربية في الأصل بحتة، وأن الأجانب أخذوها منّا وأبدلوا الغين بالكاف إذ لا توجد في لغتهم، مطلب ما قاله داود باشا والفرق بين خمر الدنيا والآخرة ونساء أهل الجنة وكلامهم:

ورحم الله داود باشا والي العراق في القرن الثاني عشر هجري حينما سمع أولادا يغنون في الطريق ويقولون:

يا بو زبين حمر وامدكك بإبره

كل الشرائع زلق، من يمّنا العبرة

صاح بأعلى صوته الله الله صدقتم يا أولادي بورك فيكم حقا، والله كل الشرائع زلق، لأنها نسخت، وأن من يأخذ بها بعد نسخها لا بد أن تزلق رجله فتؤديه إلى النار لذلك لا عبور إلى الجنة إلا باتباع شريعتنا أيها الأخوان فمن عندنا العبرة لأن شريعتنا توصل إلى الجنة وصار يصفّق طربا لذلك، مع أن الأولاد لا يعرفون هذا المعنى، وانما يعرفونه لما يتصورونه، وهكذا فإن من يسمع الصوت الحسن أو ضرب الدف أو الناي أو غيرها يؤولها على ما في قلبه ويصرفها لمحبوبه وهو رحمه الله من الأولياء فصرف ما سمعه إلى ما هو في قلبه، وله أخبار أخرى سنذكرها

ص: 445

فى الآية 34 من سورة المائدة في ج 3 إن شاء الله هذا ولا يخفى أن كل الخصال الحسنة أخذها عنا الأجانب ويا حسرتا نحن على العكس قلدناهم في المثالب وهم أخذوا عنا المناقب لأنهم يوم كنا ما كانوا شيا وإلا لما دارت رحانا عليهم واستولينا على بلادهم ولما رجعنا الآن القهقرى دارت لهم الكرة علينا وما ذلك إلا لتركنا أمر ديننا وما سنه لنا منقذنا الأعظم وسلفنا الصالح ولا علاج لاسترداد عزنا إلا بالرجوع إلى ديننا الذي فيه شرفنا وفيه قوتنا وبتركه ذلنا وخذلاننا ولا يصلح آخرنا إلا بما صلح به أولنا اللهم أرشدنا إلى طريق الصواب وألهمنا السداد واهدنا إلى الخير واجمع كلمتنا على الحق ووحد صفوفنا بجاهك على نفسك وحرمة أنبيائك وكتبك، وأعد لنا مجدنا ومهابتنا، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

واعلم أن الله تعالى وصف هذه الخمرة بعروها من الغول الذي هو غول العقل إذ يذهب به ولذلك نهى الله عن خمر الدنيا لأنها مملوءة منه فقد تذهب اللب وتوجع البطن وتحرق الحلق وتذيب الأمعاء وتخرش الرئة وتفتت الكبد وتحدث صداعا في الرأس ويعقبها القيء والعربدة والإفساد والسب والشتم وتورث السخرية والاستهزاء والتعيير وأشياء كثيرة لأنها أم الخبائث، وخمرة الآخرة براء من هذا كله ولم يحصل منها إلا السرور والإنشراح ولهذا وصفها الله بقوله عز قوله (وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ 47» أي لا تغلبهم على عقولهم فيسكرون منها ويفقدون الوعي، لأن نزف بمعنى فقد وذهب ونزع ونزح، أي أن خمر الدنيا تأخذ بعقول شاربيها، أما هذه فلا، قال الأبيرد اليربوعي:

لعمري لئن أنزفتهم أو حموتم

لبئس الندامى كنتم آل ابجرا

وعلى هذا فلا اشتراك بين خمر الدنيا والآخرة إلا بالاسم لأن حقيقة هذه غير حقيقة تلك ويكفي خمر الدنيا سوءا نتن ريحها ودوسها بالأقدام وعصرها بالأيدي الدنسة، وقيل فيها:

بنت كرم تيموها أهلها

ثم هانوها بدوس بالقدم

ثم عادوا احكموها فيهموا

ويلهم من جور مظلوم حكم

بيد ان خمر الآخرة من معين صاف لم تدنسها الأيدي وتعفسها الأرجل

ص: 446

واعلم أن العرب تعرف الغول الذي برأ الله تعالى خمرة الآخرة منه، قديما قال امرؤ القيس:

رب كأس شربت لا غول فيها

وسقيت النديم منها مزاجا

وتقدم ما يتعلق في هذا في الآية 19 من سورة الواقعة في ج 1 وله صلة في الآية 25 من سورة المطففين الآتية إن شاء الله القائل «وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ» على أزواجهن فقط لأن نساء الجنة لا ينظرن لغير أزواجهن لفرط محبتهن لهم وعدم ميلهن لغيرهم «عِينٌ 48» حسان واسعات الأعين «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ 49» مستور عن النظر مصون عن اللمس كانت العرب تشبه مخدرات النساء ببيض النعام لانه يحفظه بريشه عن الغبار والريح حتى يبقى محافظا على لونه ولذلك يصفون المخدرات من النساء به فيقولون بيضة خدر في المرأة التي لم يرها أحد غير محارمها، قال امرؤ القيس:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها

تمتعت في مطويها غير معجل

وكذلك يشبهون النساء بالبيض إذا تناسبت أعضاؤهن لأن البيضة وخاصة بيضة النعام أحسن الأشياء تناسبا وأشدها تقابلا، قال بعض الأدباء:

تناسبت الأعضاء فيها فلا ترى

بهن اختلافا بل أتين على قدر

وإن أحب ألوان النساء عند العرب البيض المشرب خداها بحمرة، الضارب صدغاها وجيدها بصفرة قليلة كبيض النعام فإنه ممزوج بصفار قليل، واعلم أن النعامة تقسم بيضها ثلاثة أقسام ثلثا تقعد عليه لتفرخه وثلثا تدفنه لتقوت به أفراخها عند خروجها من البيض وثلثا تأكله أثناء قعودها على البيض، فسبحان من ألهم كلا ما يصلحه وأحسن كل شيء خلقه وهداه لما به نفعه قال بعض المفسرين أن البيض المكنون هو الجوهر المصون في صدفه وليس هو مرادا هنا، والله أعلم، لنبوّ ظاهر اللفظ عنه، وقدمنا شيئا من هذا أيضا في الآية 23 من سورة الواقعة في ج 1 وله صلة في الآية 56 فما بعدها من سورة الرحمن في ج 3 قال تعالى «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ 50» أثناء الشرب كعادة أهل الدنيا قال الشاعر:

وما بقيت من اللذات إلا

أحاديث الكرام على المدام

ص: 447

ولكن بلا تشبيه لأنك لا تسمع بمجلس شرب منها إلا وتسمع فيه أنواعا من الشقاق والنزاع والضرب والشتم والسخرية وقد يقع فيه قتل وهم يرون ويعلمون ولا ينتهون ولا يعتبرون

«قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ 51» في الدنيا ينكر البعث وكان «يَقُولُ» لي «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ 52» لما يقوله هذا الذي يزعم أنه رسول الله بأنا «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً» فبلينا «أَإِنَّا لَمَدِينُونَ 53» محاسبون مؤاخذون بما نفعل في هذه الدنيا كلا لا نصدق، وقد جاء في الحديث العاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ثم التفت هذا المتكلم وخاطب أصحابه «قالَ» رجل من أهل الإيمان لجماعة معه في الجنة «هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ 54» معي في النار لأريكم ذلك الرجل الذي كان ينكر الحشر والحساب؟ قالوا بلى «فَاطَّلَعَ» القائل وتابعه رفاقه «فَرَآهُ» لأنه يعرفه دونهم فإذا هو «فِي سَواءِ الْجَحِيمِ 55» وسطها وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة بالنسبة للجوانب المحيطة به ثم طفق يخاطبه «قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ» قاربت وأوشكت يا قريني في الدنيا «لَتُرْدِينِ 56» تهلكني في الآخرة وتوقعني بما وقعت فيه الآن «وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي» الذي ثبتني على الإسلام والإيمان «لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ 57» معك في هذه النار التي أنت فيها. ولم ينبه الله تعالى عن هذا القرين ماذا كان يعمل في الدنيا، فإذا حمل على قرينه من الشياطين يكون قوله ذلك من قبيل الوسوسة والإغواء، وان كان رفيقا له أو شريكا من الإنس وأخا كافرا أو عاصيا كما نص الله في سورة الكهف الآية 32 الآتية وهي (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) فيكون قوله على ظاهره وهو أولى والله أعلم كما سيأتي هناك إن شاء الله. ثم يقول أهل الجنة لسدنتها من الملائكة عند رؤيتهم ذلك النعيم المقيم حرصا على بقائهم فيها وخوفا من حرمانهم منه «أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ 58» بعد هذا وهل إنا لا نموت «إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى» التي أحيانا الله بعدها ونعمتنا في هذه النعمة الجليلة «وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ 59» بعدها يقولون هذا على طريق التحدث بالنعمة لأنهم يعلمون أنهم لا يموتون ولا يعذّبون

ص: 448

وأنهم فيها خالدون بإخبار الله تعالى إباهم بواسطة ملائكته أو أنه كان سرورا منهم بدوام النعم لا على طريق الاستفهام، وعلى هذا فإن الملائكة تقول لهم بل أنتم مخلدون فيما أنتم فيه فيقولون جميعا «إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 60» الذي لا فوز فوقه ولا سعادة بعده ولا أفضل ولا أجل منه ثم يقولون لبعضهم

«لِمِثْلِ هذا» الذي نحن فيه من الخير «فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ 61» لا للشهوات الدنيوية الدنيئة الفانية قال:

إذا شئت أن تحيا حياة هنيئة

فلا تتخذ شيئا تخاف له فقدا

لأن زوال النعم عذاب لا يقابله عذاب ولا يعدل الفرح الذي يحصل منه عند وجود النعم شيئا أبدا وهنا انتهى كلام أهل الجنة، قال تعالى «ذلِكَ» المشار إليه من قوله تعالى لهم رزق معلوم إلى هنا «خَيْرٌ نُزُلًا» أيها الناس «أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ 62» التي هي نزل أهل النار وهي شجرة مرة خبيثة الطعم يكره أهل النار على أكلها فيزّقمونها على مضض زيادة في تعذيبهم «إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً» كبيرة ومحنة عظيمة وبلية خطيرة «لِلظَّالِمِينَ 63» المتوغلين في الظلم الحريصين على فعله، ثم وصفها الله تعالى فقال «إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ 64» في قعرها وأسفل شيء فيها وترفع أغصانها إلى دركات النار وثمرها المعبر عنه بقولها «طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ 65» في البشاعة والقباحة، واعلم أنه مما لا شك فيه أن أحدا لم ير الشياطين على صورتهم التي خلقهم الله عليها لأنه خارج عن طوق البشر وكذلك الملائكة إلا أنه استقر في النفوس حسن الملائكة وقبح الشياطين فصاروا يشبهون كل حسن بالملائكة وكل قبح بالشياطين فيقولون للرجل الطيب كأنه ملك وللخبيث كأنه شيطان، قال امرؤ القيس:

أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

فقد شبه سنان الرمح بأنياب الغول من حيث لم يره وقد شبه الله ثمر تلك الشجرة برءوس الشياطين لأنها في تقدير البشر قبيحة جدا، وهي كذلك في الوهم والخيال ووجه الشبه وجامعه وجود النفرة في كل والكراهية لهما «فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها» رغما عنهم لأنه من جملة العذاب المقدر لهم «فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ 66»

ص: 449

قسرا رهبة من الملائكة الموكلين بعذابهم إذ يلجئونهم إلى أكله بالضرب المبرح الذي لا يقاس بضرب أهل الدنيا وناهيك أن هذا من البشر وذاك من الملائكة الغلاظ الشداد «ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ 67» ماء شديد الغليان يقطع الأمعاء ومعنى الشوب الخلط والمزج تقول شاب اللبن إذا مزجه بالماء والضمير في عليها يعود للشجره أم تلك الثمرة لأنهم يتناولونها منها «ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ» بعد الأكل من الشجرة والشرب من الحميم لأنهما بمكان آخر عن مقرهم المنوه به بقوله «لَإِلَى الْجَحِيمِ 68» ولذلك جاء العطف بالتّراخي ومن هنا أخذ أهل الدنيا تخصيص محل للأكل من دورهم على حدة وخصّصوا لدوابهم مرعى خارجا عن دورهم، قال تعالى في وصفهم أيضا «إِنَّهُمْ أَلْفَوْا» وجدوا «آباءَهُمْ ضالِّينَ 69» فثبطوهم على ضلالهم «فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ 70» يسرعون ويهرولون بشدة منكبين على عمل آبائهم ولم يصغوا لنصّاحهم ولم يتعظوا بمن سلف من الأمم المعذبين بل قلدوا آباءهم طائعين مختارين، لذلك عذبوا معهم

«وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ» أي كفار مكة ومن حولها «أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ 71» من الأمم الخالية إذ لم يهتد منهم إلا القليل «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ 72» ينذرونهم بأسنا ويخوفونهم عذابنا ويحذرونهم يومنا هذا فلم يمتثلوا ولم يرتدعوا فأهلكناهم بإصرارهم على الكفر «فَانْظُرْ» يا سيد الرسل «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ 73» الدمار والتتبير الذي عمهم «إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ 74» له والذين استخلصهم لذاته راجع الآية 40 المارة فإن هؤلاء على المعنيين بمعزل عنهم لأنهم في الخيرات رافلون يتمتعون في النعيم «وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ» لتدمير قومه بعد أن أيس من إيمانهم بإعلامنا إياه بذلك وبإنجاء أهله مما ينزل بهم من العذاب فأجبناه وعزتي وجلالي يا حبيبي يا محمد إنا نحن إله الكل «فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ 75» لأوليائنا عند حلول الضيق بهم واللام هذه واقعة في جواب القسم المحذوف المقدر كما ذكرناه والمخصوص بالمدح محذوف أيضا وقد قدّرناه كما بيناه في هذه الآية «وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ» كلهم إلا زوجته الكافرة وابنه كنعان المتمنع عن دخول السفينة مع أبيه لإصراره على كفره، ولذلك استثنيناهما من الانجاء بقوله تعالى (إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها

ص: 450

ما أَصابَهُمْ)

الآية 81 وبقوله (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) الآية 67 من سورة يونس وهود المارتين «مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ 76» وهو الفرق العام الذي أهلكنا به قومه ولا أعظم منه «وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ 77» إلى آخر الدوران فكل الناس الموجودين على وجه الأرض منهم ولهذا سمي أبا البشر الثاني، وقال من قال ان الطوفان عم الأرض كلها ولم يبق من البشر على سطح البسيطة إلا ذرية نوح عليه السلام، وان المراد والله أعلم بالباقين على هذا، هم أهل السفينة، إذ لم يثبت بصورة قطعية أن الطوفان عم على الأرض كلها لا سيما وأنه عليه السلام لم يرسل أولا إلى أهل الأرض كافة ولم يثبت خبر وصول دعوته وهو في جزيرة العرب جزيرة ابن عمر إلى الصين وغيرها من أقطار الأرض ونص الآية لا يستلزم عدم بقاء ذرية من لم يكن معه في السفينة وأولاده الثلاثة سام أبو العرب وفارس والروم ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وحام أبو القبط والسودان والحبشة أما كنعان الذي غرق مع قومه فلم يثبت له نسل وقد وردت أحاديث في أولاده المذكورين أخرجها الترمذي وابن مسعود واحمد والطبراني وابن المنذر وأبو يعلى وابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب وابن مردويه عن أبي هريرة والخطيب في تالي التلخيص والزارعة أيضا، وقدمنا ما يتعلق بها في الآية 73 من سورة يونس والاية 44 من سورة هود المارتين «وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ 78» ثناء دائما وهو قولنا «سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ 79» فهو يتردد على ألسنة الأنبياء والأمم في زمنه إلى قيام الساعة «إِنَّا كَذلِكَ» مثل هذا الجزء الحسن «نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 80» ونكرمهم بمثل هذه الكرامة

«إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ 81» المستحقين للثناء الدائم المستمر ولذلك أجريناه عليه «ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ 82» كفار قومه وإنه وزوجته المذكورين إذ حل عليهم العذاب راجع تفصيل القصة في الآية 44 فما بعدها من سورة هود المارة «إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ 82» لأنه نهج نهجه وسار سيره وتبع دينه وشيعة الرجل أتباعه المقتفون أثره، قالوا وكان بينهما الفان وستمئة وأربعون سنة، ولم يكن بينهما نبي إلا هودا وصالحا، وأرى أن هذا وما قدمناه من نسل

ص: 451

أولاد نوح لا يجوز القطع به ولا إنكاره، بل نكل فيه العلم إلى العليم الواحد إذ لا طائل تحته ولا يتعلق فيه حكم ولا حد فمثله كمثل بقية الأخبار والقصص والأمثال، إذ لا آية تنص على ذلك ولا حديثا صحيحا يستند إليه، لهذا فالأحسن في مثله أن لا يصدق بصورة قطعية ولا يكذب تكذيبا محضا، هذا ومن قال إن ضمير شيعته يعود إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا مستند له وليس بسديد لأن القاعدة وجوب عود الضمير إلى أقرب مذكور ولا أقرب من نوح ولأن لفظ شيعة لا يقال للمتأخر على المتقدم قال الكميت الأصيفد بن يزيد:

ومالي إلا آل أحمد شيعة

ومالي إلا مذهب الحق مذهب

ومعلوم أن آل محمد ومذهب الحق متقدمان عليه لا متأخران، ولم يأت ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات فلا محل للقول بذلك، قال تعالى في وصف إبراهيم عليه السلام مذكرا رسوله محمد به فكأنه قال واذكر لقومك «إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ 84» من الشك في الوحدانية والريب في البعث والمرية في النبوة «إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ 85» استفهام توبيخ وتقريع لأنه رآهم يعبدون الأصنام والكواكب، وقد أراده على ذلك، فأبى وقال «أَإِفْكاً آلِهَةً» أي تختلقون أشياء وتسمونها آلهة والإفك أسوء الكذب وآلهة بدل من الإفك «دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ 86» قدم المفعول للاعتناء به، لأن المقصود الاعتراف به أو إنكاره «فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ 87» أن يفعل بكم إذا لقيتموه غدا وأنتم تعبدون غيره، أخبروني أيها القوم، وقد شاع قوله هذا لهم حتى بلغ ملكهم فأرسل إليه أن غدا عيدنا فاحضر معنا لزيارة الآلهة، لأن هذه التشريفات التي تعارفها الناس في الأعياد والأيام الرسمية قديمة اقتبسها الأواخر عن الأوائل، ولهذا السبب لما طلب فرعون من موسى تعيين يوم للمباراة مع السحرة عين لهم يوم العيد، راجع الآية 59 من سورة طه في ج 1، فلما جاءته دعوة الملك استشعر هطول الفرصة لحصول ما عسى أن يكون سببا لتوحيدهم، وأراد أن يعتذر عن الحضور على وجه لا ينكرونه عليه «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ 88» تأمل نوعا من التأمل في أحوالها وهو في نفس الأمر على طرز تأمل الكاملين في

ص: 452