الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وغفلة الحواس الظاهرة والباطنة وفقد الشعور والتمييز «وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ» كسبتم وفعلتم بجوارحكم «بِالنَّهارِ» مما يستحق الثواب ويستوجب العقاب «ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ» يوقظكم بالنهار بعد استيفاء أجل نومكم المعبر عنه بالتوفي ولا يفهم من هذا أن الله تعالى لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا في النهار لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما أن انتفاء الدليل لا يستلزم انتفاء المدلول وأن عدم وجود الخلق من الأزل لا يستوجب عدم وجود الخالق لتولي أمرهم في الآخرة كما كان يتولى أمرهم في الدنيا وقيل الردّ إلى من ربّاك خير من البقاء مع من آذاك «لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى» لاستيفاء أعماركم والفعل متعلق بيبعثكم «ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» في الآخرة «ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 60» في هذه الدنيا لا يخفى عليه شيء من أمركم حتى انه يعلم ما ترونه في نومكم وما توقعون فيه من حركات وسكنات راجع الآية 12 من سورة الزمر الآتية،
قال تعالى «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» المتسلط عليهم بالغلبة المتعالي عليهم بالقدرة راجع معنى الفوقية في الآية 18 المارة «وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» من ملائكة يسجلون أعمالكم راجع الآية 18 من سورة ق في ج 1 «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» بانقضاء أجله المبرم «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ» الرسل الموكلون بالوفاة «لا يُفَرِّطُونَ 61» في أمرنا ولا يتوانون فيه البتة.
مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:
واعلم أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر الله الملك بقبض روحه والملك الموكل بقبض الأرواح له أعوان وكل أمرهم إليه فيأمرهم بنزع روحه حتى إذا وصلت للحلقوم قبضها هو بنفسه، وهذا التأويل يجمع بين قوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) الآية 42 من الزمر المنوه بها أعلاه وقوله تعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) الآية 12 من سورة السجدة الآتية وبين هذه الآية تيقظ «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» بعد استيفاء آجالهم في البرزخ وإنما قال تعالى الحق لأنهم أي الكفرة كانوا يزعمون أن مولاهم الصنم الذي اتخذوه فنبههم الله بأن زعمهم
ذلك باطل من أصله وقد أظهر لهم بطلانه وبين لهم أنه هو سيدهم ومالكهم لا غير فتنبه أيها العاقل «أَلا لَهُ الْحُكْمُ» وحده يومئذ في حسابهم على ما كان منهم «وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ 62» لا يحتاج إلى رؤية وفكر ولا يشغله حساب بعض عن آخرين يحاسب، الخلائق كلها بنفسه محاسبة رجل واحد في أسرع وقت وأقصر زمان والمقصود منه على زعم الفلاسفة استعلام ما بقي من الدخل والخرج ولما كان لكل ذرة من الأعمال أثر حسن أو قبيح بحسب حسن العمل وقبحه إذ لا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة فلا جرم كان بعضها معارضا للبعض وبعد حصول المعارضة يبقى في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد وقدر آخر من الذميم فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك وهو إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم وهو الآن الذي فيه فينقطع فيه تعلق النفس من البدن فعبّر عن هذه الحالة بسرعة الحساب وزعمهم هذا هو أن كثرة الأفعال وتكررها يوجب حدوث الملكات الراسخة وأنه يجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد من تلك الأعمال أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة وحينئذ يقال إن الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل فتكون الأيدي والأرجل شاهدة على الإنسان بمعنى أن تلك الآثار النفسانية إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة من هذه الجوارح فكأن ذلك الصدور جاريا مجرى الشهادة بحصول تلك الآثار في جواهر النفس وعلى هذا فيقصد من الحساب ما ذكر آنفا وزعم من نقل هذا عنهم أنه من تطبيق الحكمة النبوية على الحكم الفلسفية، قال الآلوسي رحمه الله متمثلا في هذا البيت:
راحت مشرقة ورحت مغربا
…
شتان بين مشرق ومغرب
أي أن هذا الذي تقوله الفلاسفة لا ينطبق على ما نحن فيه ولا يقرب منه إلا كقرب المشرق من المغرب وأنا أتمثل بقول الآخر:
أيها المنكح الثريا سهيلا
…
عمرك الله كيف يلتقيان
فالثريا شامية إذا ما استهلت
…
وسهيل إذا ما استهل يمان
ولا يرد هنا قولهم إن الله تعالى لا يتولى حسابهم بنفسه لقوله جل قوله (لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
…
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) الآية 77 من آل عمران في ج 3، لأن الكلام غير المحاسبة أي لا يكلمهم كما يكلم المؤمنين ولا ينظر إليهم نظرهم لأن الكلام والنظر يختلفان باختلاف المكلم والمكلم وبحالة الرضا والغضب، تدبر.
قال تعالى «قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ» ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمه الرياح «وَالْبَحْرِ» ظلماته المارة في الآية 38 وهي ثلاثة والرابعة ظلمته لأن البحر كلما عمق اشتد سواده فتراه في الساحل أبيض فإذا سرت فيه ازداد عمقه فصار أخضر فأزرق فأسود، أي إذا ضللتم الطرق فيها وتحيرتم أأصنامكم تخلصكم من الخوف الذي يلحقكم من التيه والغرق وترشدكم إلى طريق النجاة والأمن أم الله الذي «تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً» جهرا وعلانية «وَخُفْيَةً» سرا في أنفسكم وتقولون حينما يشتد بكم الفزع «لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ» الشدة المؤدية للهلاك يا إلهنا الحق ومولانا الصدق «لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 63» لك إحسانك علينا وإنعامك ونؤمن بك وبكتابك ورسلك «قُلِ» يا سيد الرسل لهؤلاء الجاحدين إن أجابوك وإن لم «اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها» من تلك الظلمات المؤدية لهلاككم «وَ» وينجيكم أيضا هو وحده «مِنْ كُلِّ كَرْبٍ» لا أحد غيره «ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ 64» به غيره بعد إنجائكم وتكفرون نعمه التي أسداها لكم وتنسون لطفه بكم، فيا أكرم الرسل «قُلْ» لهؤلاء الكفرة افعلوا ما شئتم وتحصنوا بما تصورتم فلا وزر لكم منه لأنه «هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ» فيمطركم به كما أمطر على قوم لوط وأصحاب الفيل راجع قصتهما في الآية 82 من سورة هود المارة والآية من آخر سورة الفيل في ج 1 «أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ» كما خسف بقارون ورفيقه المار ذكره في الآية 82 من سورة القصص في ج 1، وهذا مثل للإهلاك في البحر، أما الإهلاك في البر فهو المبين بقوله عز قوله «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» يخلطكم خلط اضطراب فيجعلكم فرقا مختلفين يتعصب بعضكم لبعض ضد الآخرين منكم فتقتتلون وتتباغضون، قال السلمي:
وكتيبة لبّستها بكتيبة
…
حتى إذا التبست نفضت لها يدي
«وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» أي يقتل بعضكم بعضا، والبأس يطلق على الموت والسيف والشدة والمكروه كما أذاق ذلك بني إسرائيل إذ لم يقبل توبتهم إلا بقتل أنفسهم ففعلوا لأجل قبول توبتهم تخلصا من العذاب الأخروي الدائم لأنهم رحمهم الله عرفوا أن هذه الدنيا فانية وعذابها مهما كان عظيما فهو فان أيضا فاختاروا الدار الباقية طلبا لرضاء ربهم ففادوا بأنفسهم. راجع قصتهم في الآية 54 من سورة البقرة في ج 3، جاء في الخبر عن سيد البشر أنه قال: سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف. وروى البخاري عن جابر قال: لما نزلت (قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) الآية المارة قال أعوذ بوجهك (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال أعوذ بوجهك (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) قال هذا أهون أو هذا أيسر. وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني أمية دخل فركع ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وأخرج عن خباب بن الأرت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها فقالوا يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها قال أجل إنها صلاة رغبة ورهبة إني سألت الله تعالى ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها. والأخبار في هذا كثيرة ولم نأت بها استدلالا على سبب النزول لأن منها ما لا يصح لعدم وقوعه إلا بعد نزول الآية بسنين وإنما أتينا بها استدلالا لإيقاع البأس بين هذه الأمة من بعضها وهو واقع لا محالة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا فإن من قال إنها نزلت في أمة خاصة لا يصح إلا إذا قيل باعتبار آخرها ولهذا قال أبو العاليه في هذه الآية: هن أربع وكلهنّ عذاب وقعت اثنتان